|
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا وقائدنا وقدوتنا محمد وعلى آله
وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
الدعوة إلى الله همّ كل مسلم مخلص يؤمن باستمرارية هذا الدين ، وضرورة
إيصاله إلى الناس كافة . ويحز في قلوبنا جميعاً ماتتعرض له الدعوة إلى الله
من سوء فهم أومضايقة أو مصادرة .
وإيماناً من المسؤولين في (مجلة البيان) بمواصلة رسالتهم في الدعوة
والتوجيه انطلاقاً من قوله (تعالى) : ] ادْعُ إلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ
أَحْسَنُ [ [النحل : 125] لإثراء ثقافة القارئ بكل ماتتطلبه من بيان صحة
المعتقد الثابت عن سلفنا الصالح (رضي الله عنهم) من الصحابة والتابعين ومن
تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، والاهتمام بتزكية النفس وربطها بالنبع
الأخلاقي السليم ، ومتابعة واقع إخواننا المسلمين في شتى البقاع ، ونقل
شؤونهم وشجونهم ، ومحاولة كشف كل مايخطط ضدهم من أعداء الإسلام داخلياً
وخارجياً . ومع ضخامة هذه المسؤولية وماتتطلبه من جهد ومتابعة ، بل ومن حرج
أحياناً ، إلا أننا في الوقت نفسه لاننسى حال الدعوة الإسلامية المعاصرة :
واقعها ومشكلاتها ، ومحاولة استشراف مستقبلها ، والعمل الجدي المخلص لعلاج
مايعتَوِرها من سلبيات ، وتصويب ما قد يحدث فيها من أخطاء ، وذلك إيماناً
منا بوجوب التعاون على البر والتقوى ، وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر ، ووجوب التناصح بين المسلمين ، ومع الاهتمام بالنقد الذاتي الهادف
بين العاملين في حقل الدعوة ، وهذا مانحرص عليه ولله الحمد في كثير من مواد
هذه المجلة ؛ رغبة في جمع الكلمة ووحدة الصف على السنة ، ونبذ الاتجاهات
البدعية ، والرفض للتوجهات التجديدية المشبوهة .
إن بعض الدعاة والباحثين في حقل الدعوة عند مناقشة مثل هذا الموضوع ينادون
بأهمية البحث في إيجابيات الدعوة ونشرها ، وغض النظر عن سلبياتها ؛ بحجة
عدم المساهمة من حيث لانشعر في العمل جنباً إلى جنب مع المناوئين للدعوة
والشانئين لها والعاملين ليل نهار ضدها بوضع الأحجار في طريقها ، ومحاولة
الإساءة لرموزها لأسباب لاتخفى على أي متابع .
ومع تقديرنا لنبل هدف أولئك الإخوة وحسن مقصدهم فيما نحسبهم إلا أن الحقيقة
التي يجب ألا تغيب عن ذهن أي مسلم : أن المعول عليه في مثل هذه الأمور
حينما توضع على بساط البحث : ألا ننظر لرأي دون رأي ، لاسيما وأن بعض
العلماء والدعاة المعروفين قد ناقشوا هذه المسألة وتحدثوا عنها بكل صدق
وإخلاص ؛ ماحضين النصح وباذلين الجهد ، داعين إلى أهمية سير الدعوة على
الأسس الشرعية ؛ ليتسنى لها أداء رسالتها كما يجب ، مع الدعوة بصراحة إلى
التوقف طويلاً أمام تجربة الكثير من الدعوات الإسلامية المعاصرة بعد عقود
متتابعة ، والتساؤل مع ما قدمت تلك (الدعوات) من نتائج ما مدى مشرعية ما
أحدثته من سلبيات على أفرادها من ناحية ، وعلى الدعوة من نواحٍ أخرى ؟ . مع
الأخذ في الاعتبار ماقدمته تلك الدعوات على وجه العموم من جهود طيبة وأعمال
جليلة ، وماساهمت به من دور كبير في الصحوة الإسلامية في ديار الإسلام مما
لاينكره إلا جاهل أو متجاهل ، غير أن ذلك لايمنع من أن نتساءل مع كل مخلص :
لماذا لا يقوم الدعاة بالتركيز على أعمالٍ مهمة يفترض قيامهم بها لاسيما في
ترشيد أساليب الدعوة وتفعيل الحوار فيما بينهم ؟ أين الدعاة من الأخذ
بالهدي النبوي والتحذير من البدع المخترعة التي أصبحت سمة كثير من
المجتمعات المسلمة ؟ لماذا التساهل في إصلاح عقيدة العامة ممن لايزالون
غرقى في دركات الشرك ، تحت تأثير بعض فرق الضلال كالأحباش وأضرابهم مثل :
شد الرحال للأضرحة والمقامات ، والاستغاثة بالأولياء والأموات مما يطعن في
أصل التوحيد أو كماله ؟ ثم ماذا استفادت الصحوة من شيوع النزعة الحزبية
التي اتسم بها كثير من الجماعات الإسلامية حتى أدى الأمر للموالاة
والمعاداة بسببها ، مما أنشأ صراعاً داخليا بين الإسلاميين أنفسهم تجاوز
الحدود بشكل مأساوي ولّد سوء الظن وتصيد الأخطاء والتجريح بلا مسوغ ]
وتحسبونه هينْا وهو عند الله عظيم [ (النور : 15) .
ثم هناك ما يُسمى بـ » الاتجاهات التجديدية المحدَثة « التي خرج بها بعضهم
عن أصول الإسلام وثوابته ؛ فأصبح لايقيم وزناً للأدلة الشرعية المعتبرة ،
ولاينظر في إجماع الأمة ، حتى صار الإسلام في نهجهم تابعاً لامتبوعاً ؛
بدعاوى تافهة ماأنزل الله بها من سلطان ! وهذه التوجهات نتجت من الاهتمام
بالنواحي الفكرية البحتة على حساب العلم
الشرعي والتخصص فيه ، وبالتالي فقدان التأصيل الشرعي في المواقف العلمية
والعملية ، والترفع عن استفتاء العلماء العدول المشهود لهم بالعلم والعمل
الصالح ، مما أدى إلى السقوط في غمرة الفتاوى المستعجلة التي أدت إلى
الوقوع في مآسٍ كبرى ، نتج عنها مشكلات فردية وجماعية انعكست بالسوء على
واقع الدعوة أفراداً وجماعات ، كما هو ملموس في بعض البلدان والله المستعان
.
إننا بعرضنا لتلك المآخذ من واقع بعض الحركات الإسلامية لانقصد الإساءة
لأحد ولانغمط أحداً حقه ، بل ندعو للجميع بالتوفيق والسداد . ومعاذ الله أن
نكون عوناً للمعادين للدعوة ، إنما نهدف إلى إصلاح الأحوال والتنبيه على
كثير من الأخطاء الشائعة في الواقع الدعوي ، ونعتقد جازمين أن (الدعوة إلى
الله) عبادة يجب انطلاقها من أصول ديننا الحنيف : كتاب الله وسنة رسوله -صلى
الله عليه وسلم- بفهم سلفنا الصالح ، ومن ثم التوقف عن الأساليب المتعجلة
والطرق الملتوية والمناهج البدعية .
كم نحن بحاجة إلى وقفة جادة وشجاعة بالتمسك بالسبب الذي نُصِر به الرعيل
الأول ، وهو ماوصاهم به النبي -صلى الله عليه وسلم- القائد محمد » تركت
فيكم أمرين لن تضلوا ما مَسَكتم بهما : كتاب الله وسنة نبيه « [1] وردّ كل
خلاف إليهما . دعونا نعود للمنهج النبوي القائم على تحقيق الإخلاص لله وحده
، وأهمية أن تكون العقيدة أولا ؛ بتحقيق توحيد الربوبية والألوهية والأسماء
والصفات ، وتوحيد الاتباع بجعل الحاكمية لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- ،
وأن يواكب ذلك تجريد المتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- والانطلاق في
ذلك من فهم سلفنا الصالح (رضي الله عنهم) . ولنَرْمِ وراءنا الغلو القائم
على النزعات الانعزالية ، والتشدد الممقوت ، والتكفير بلا مسوغ صحيح ،
ولنحذر من الحزبية وما أحدثته من نزاع وشقاق ، ونترك الاتجاهات البدعية
قديمها وحديثها ، ولانستعجل قطف الثمار ، فيكفي الدعوة ما آل إليه حالها في
كثير من البلدان نتيجة لما مر من سلبيات ، ولنثق أن طريق الدعوة غير مفروش
بالورود ، ولابد من مواجهة الشدائد ، وليكن شعارنا ] ولنصبرن على ما
آذيتمونا [ (إبراهيم : 12) ، ولنهتم بتصويب أخطائنا ولا نقع فيما حذر منه
النبي -صلى الله عليه وسلم- في قوله : » يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ،
وينسى الجذع في عينه « [2] ، ولنعمل على إصلاح أساليبنا في الحوار
والمناصحة للوصول إلى الحق ، ولنتجاوز عما يسعه الخلاف مما وسع سلفنا .
وحينها سنرى غِبّ ذلك خيراً كثيراً . ] وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن
دَعَا إلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إنَّنِي مِنَ المُسْلِمِينَ
[ [فصلت : 33] .
________________________
(1) أخرجه مالك في الموطأ (2/899) ، والحاكم (1/93) ، وانظر التمهيد
(24/331) والسلسلة الصحيحة للعلامة الألباني/1761 .
(2) أخرجه ابن حبان ح (5761) ، وأبو نعيم في الحلية (4/99) وانظر السلسلة
الصحيحةح/33 .
مجلة
البيان، العدد (96) |