تعالوا إلى كلمة سـواء

الحمد لله وحده والصلاة والسلام عـلـى رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وبعد..
لما رأى نفر من عقلاء الأمة أن قوتهم ونهضتهم لا يمكن أن تكون إلا بالعودة للأصول وبالرجوع للجذور ، وظهرت الصحوة الإسلامية على كل الأصعدة ، وإن كانت لم تسلم من بعض السلبيات إذ صارت مع اختلاف الآراء وتباين الـمـنـطـلـقـات مجالاً للحزبية الضيقة وحـب السـيطرة والزعامة فنشـأت اختلافات في الـرؤى والـمـنـطـلقات سـاهمت في إضعاف هذه الصـحوة مما مكن لأعدائها من العلمانيين بشتى اتجاهاتهم المشبوهة من الافتراء عليها والدعاية الكاذبة ضدها،ولا يكاد مجتمع إسلامي أن يسلم من الصراع المرير بين الإسلاميين والعلمانيين ووجدت بعض الحكومات فـي بعض الـبلدان فرصة في تأجيج الصراع بين الفريقين لتبقى هي المسيطرة على أزمة الأمور، ولـتـنـسـى الشـعـوب المغلوبة على أمرها ما تعيشه من ظلم وفقر وجهل..
وبما أن الإسـلاميين هـم أصـحاب المبادئ والدعـاة إلى الحق وأن فتح المجال لهم سيؤدي في النهاية لسقوط تلك الحكومات الصوتية ، لذا عمدوا إلى مـضـايـقـــة الـتـيـار الإسلامي بمصادرة حقه في الوجود ، وبوضع القوانين التي تحد من دوره وفعالية تأثيره فـي تـلـك الـمـجـتـمـعـات ، مع التفنن في وضع كل صور الاستفزاز للإسلاميين وبخاصة في وسائل الإعلام والتـعـلـيـم ، وعـمـلوا بأسلوب معروف هو (احتواء) بعض العلماء ليكونوا ناطقين رسميين لتلك الحكومات الـعـلمـانـيـة ضد أي رأي صادق ، وأي فكر نزيه يدعو لإعطاء الإسلام ودعاته دورهم في الإصلاح ورأيـنـا من هؤلاء من يهاجم دعاة الإسلام بكل صفاقة لصالح من لا يحكم بشرع الله ، فإلى الله المشتكى.
هذا فضلاً عن ما تقوم به تلك الحكومات مــن تـشـجـيـع لـلـتـيـارات العلمانية من يسارية وليبرالية ، بإعطائها حق الوجود ، وحق إبداء الرأي وبكل الوسـائـل الــمـتـاحة، بـــل وفـسـحت المجال للافتراء والكذب على الإسلاميين بلا وازع من دين أو رادع من ضمير ، فهل هذا من العدل أو من المساواة أو من الحريات التي طالما تشدقت بها تلك الحكومات؟! إن الحقيقة العلمية الثابتة تؤكد على أن الضغط يولد الانفجار..!
لذا وجدنا تلك المجتمعات التي حرمت دعاة الإسلام من العمل في وضح النهار وفي الهواء الطلق ، وأطلقت العنان لغير الإسلاميين من أي توجه علماني ، بدعوى أنه لا يصح قيام تجمع مــن مـنـطـلـق ديـنـي لأننا حسب رأيهم كلنا مسلمون.. لكنها لم تحرم الأحزاب القومية أو الأحزاب الديمقــراطية ، ولم تحرم الأحزاب الوطنية بالحجة نفسها ، ولكن حين نعلم السبب يبطل العجب فالمقصود هو الإسلام الذي لا يُراد له صوت مرتفع يدعو باسمه لأن الشعوب مسلمة ، وحل مشكلاتها فعلاً في الإسلام ، وحينها ستسقط الأصنام.
لقد وجدنا تلك المجتمعات التي يناوئ حكمها الإسلام ودعاته تعيش أوضاعاً مأساوية من الاضطراب وفقدان الأمن، مما هو حديث الساعة كل يوم.
لكن حـين تُحرم بعض الفـئـات مــن حـقــوقـهـا وتضطهد وتُحارب في وجـودها فمن يمنع اليائسـين من ردود الأفعال العنيفة ومن يقنع أولـئـك بـعـدم تجــاوز الحدود ومن يفهمهم بسـلوك الطريق المسـتقيم وعدم اللجـوء إلى العنف المضاد؟!
لا يكاد يختلف اثنان في أن السبيل إلى ذلك هو إعطاء الجميع حـقـوقـهــم وعدم التفرقة في المعاملة في الحقوق المدنية ، وفتح الحوار عن طريق العلماء المعروفين بخبرتـهـم ومـــاضيهم المجيد في الدعوة إلى الله ، وأن خلاف ذلك ليس من ورائه إلا سوء الأحوال مما يـسـر له كل عدو وشامت ، ولا نشك أن وراء تلك الفئة أناس مشبوهون يعملون على اضطراب مسار الأمة وانحرافه عن الصواب.
والملاحظ أنه عند فشل السياسات الحكومية العلمانية في حرب الدعوة والدعاة ، وحينما يكـون نـتـيـجـة العنف والإرهاب الحكومي عنفاً وإرهاباً مضاداً يعلم الحاكمون بأمرهم أن اللجوء للحوار هو البديل ، لكننا نفاجأ بأن الحوار إنما هو انتقائي ، وأن فئات فاعلة لها كيانها ولها تأثيرها ، بل حتى اتجاهات فكرية تعرف بالاعتدال من كل الدارسين عالمياً ، نفاجأ أنهاً نُحيت عن الحوار ولا ندري مع من يتم الحوار وعلى ماذا يتم التناقش.
والويل كل الويل لمن يحتج أو يطالب حتى بتطبيق قانونهم جدلاً فاللجوء إلى القمع جاهز، وإعـلان الـطــوارئ أو الحصار أقرب ما يكون! إنه من العقل بل من الشرع والمصلحة العليا للأمة المراجعة الشاملة لسياسات الضرب بيد من حديد أو ســياســــات الضرب في المليان، والعمل على جمع الأمة على كلمة سواء وأن يعطى العلمـاء دورهـم الصـحـيـح فـي الدعـوة وجـمع الشمل والحوار البناء قبل أن تحترق الأوراق وقبل أن نعض أصابع الندم.
إننا مازلنا ندعو إلى تحـكـيــم شرع الله ، فـهـو علامة إسلامنا ودليل انتمائنا لهذا الدين، تحقيقاً لعبوديتنا لله تعالى ، واحـتـرامــاً لرغبات شعوبنا التي تطالب بتحكيم شريعة الله والتوقف عن مهازل مجالس الشعب والبرلمانات التي تلهي الأمة بالدعوة لتطبيق الشريعة، ثم الدعوة إلى التقنين لأحكامها، حـتى إذا أوشـكــت تلك المجالس على تنفيذ ذلك حلت بأمر رئاسي فتلغى تلك الجهود التي أوشـكـــت علـى التمام لتبدأ من جديد انتخابات ثم مناقشات ثم دراسات ثم تحل، وهكذا دواليك. إن تلك الأساليب لم تعد تخفى على أحد، فهي أساليب مخادعة ومكشوفة ، فإلى متى نخادع شعوبنا ونغالط أنفسنا؟!
إن واقع أمتنا مرير منذ أن نحيت شريعة الله ، ومنذ حكم أمتنا كل عـلـمـاني عنيد يقـف بكل صفاقة ضد أي دعوة إلى تحكيم الإسلام بدعوى أنه رجعية وتخلف، فــأي خير يأتي من هؤلاء غير ما نلمسه من انحراف وسوء أحوال؟ مما جرأ إحدى الدول الغربية لتضع في استراتيجيتها الاستعمارية الجديدة العمل عـلـى زيادة تأثير نفوذها في إحدى الـبـلـدان الـعـربـيـة ، وقد نشر هذا على الملأ ، فهل من مصلحة أمتنا أن يتحكم فيها الأجنبي وأن يبعد عنها كل مصلح غيور؟!
إننا ندعو إلى المراجعة وإلى المحاسبة وإلي الاستماع إلى كـل قول رشيد يهدف إلـى المصلحة العليا للأمة ، بدلاً من أن نكون معوقين للوصول إلى جادة الصواب ، ومكـرسين لعوامل القلق والاضطراب.. إن علاجنا بين أيدينا لكننا نهرب عنه متشبهين بأهــل الكتاب الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها.
العزاء لنا وللأمة جميعاً أن كل طاغية ينحي شرع الله ويحارب أولياءه إنما هو مُحارب لله ولرسوله وللمؤمنين ، ولن يفلح مثل هؤلاء أبداً ، ولنا أمل جد كبير فـي الله تعالى أن يرزق الأمة الرجال الأكفاء الذين يعيدونها للمنهج الإلهي وأن يضعوا ثقـتهم في العلماء المخلصين والدعاة المصلحين مع العمل لما فيه مصلحة البلاد والعباد ، وحـيـنهـا سيغير الله الأحوال إلى الأحسن والأصلح بإذنه تعالى ، وما ذلك على الله بعـزيـز ، إن صحت النوايا وحسنت المقاصد ، وإلا فالموعد الله ، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.


مجلة البيان، العدد (78)، صفر  1415،يوليو 1994 .