|
الحمد لله والصلاة
والسلام على رســـول الله وعـلـى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم
الدين ، أما بعد:
فـمـنـذ أشرقت شمس الإسلام على بطاح مكة المكرمة مؤذنة بظهور هذا الدين
الـجـديـــد، وصاحــب الـرسالة -صلى الله عليه وسلم-يعلنها مدوية في سمع
الزمان مبيناً عالمية رسالة الإسلام حيث يقول: (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد
من قبلي »وعَدّ منها (وكان النبي يبعث إلى قومه ، وبعثت إلى الناس كافة) »وأكد
ذلك القرآن الكريم بقوله تعالى: ((وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً
ونذيراً))، وقوله: ((وما أرسـلناك إلا رحمةً للعالمين))، ودخل الناس في دين
الله أفواجــاً وقامت دولة الإسلام بالمدينة وصدقت نبوءة الرسول صلى الله
عليه وسلم باتساع دولة الإســلام حينما جاءه بعض الصحابة يشكون له أذى قريش
فبين لهم أن الله سيتم هذا الأمر ،"حـتـى يسـير الراكب من صنعاء إلى حضرموت
لا يخاف إلا الله" ، وفي رواية: "والذئب على غنمه" رواه البخاري.
فلم يكن للمسلم منذ صدر الإســـلام وعـصـوره الـمتتالية جنسية سوى عقيدة
التوحيد ، لا يعرف جواز سفر ، ولا بطاقة تعريف ، سوى أنـه مسلم يدين
بالإسلام حتى انتهى العالم الإسـلامي في عصوره المتأخرة إلى الوقوع في أتون
النـعـــرات القومية ، التي كانت بضاعة مسـتوردة ، أدت إلى نشوء النزعات
الجاهلية التي جـــاء الإسلام لوأدها وهدمها ، لكنها عـادت يوم ضعف الدين
في النفوس ، ولم يعد له الحاكـمـيـــة على الناس ، منذ أن دعا القوميون
العرب لنعرتهم القومية خلال العشرينات ، التي كــانت ردة فـعـــل
للـقـومـيـة الطورانية التركية، ممــا أدى إلـى سـقـــــوط جل الدول
العربية تحت سيطرة الاستعمار الأجنبي.. وحينما قام المجاهدون يدافعون عن
حمى الإسلام ضد التسلط الأجنبي سُرقت ثمرات الجهاد فتحول في أواخره من جهاد
فــي سبيل الله إلى حركات وطنية استقلالية بمنطلقات علمانية وقومية جاهلية
، أطالت من عمر الاحتلال يوم اصطنع المحتلون نفراً من أولئك القوم مكنوا
لهم ، فكانوا في عدائهم للإسلام ودعاته أعظم من الأجنبي يوم كان محتلاً
لديار الإسلام.
ومن العجيب أن يكون أكثر دعاة القومية العربية من النصارى ومن العجم ويا
ليتهم اعتزوا بأخلاق العروبة وآدابها التي هي أقرب ما تكون إلى الإسـلام بل
إن الإسلام أقر الصالح منها مثل: الكرم ، والوفاء ، بالعهد ، والحفاظ على
الجوار وحماية العرض، وكان مِنْ عرب الجاهلية مَنْ لا يقر الظلم والبغي؛
لذا قــام نفر من أعيانهم بحلف الفضول، ذلك الحلف الذي قال عـنـه الرسـول
صلى الله عليه وسـلــــم: لقد شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن
لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت»، لكنهم داسوا تلك الخلال ولم
يحترموها فضلاً عن أن يطبقوها بوحي مــــن إيمانهم بشريعة الإسلام، فجاؤوا
بدساتير أجنبية مستوردة، لا تقيم لشريعة الإسلام أي احـتـرام، بعد أن
نَحّاها المستعمر، فلم يبق منها سوى أطلال تتمثل في بعض قوانين الأحوال
الشخصية؛ وحينما انتقدت تلك النزعة العلمانية قال بعضهم خداعاً أو جهلاً: (الإسلام
تـــراث من تراث القومية العربية ومحمد -صلى الله عليه وسلم-بطل من
أبطالها)،لقد كان التوجه القومي في البلاد العربية مظهر انحطاط وانهزامية
لأمتنا ، إذ كانت ثماره المرة ما يلي:
1- خسران الحروب التي دخلها العرب في تلك الحقبة.
2- تنحيـة شريعة الإسلام عن الحكم.
3- اضطهاد الحركات الإسلامية ورموزها ما بين قتل وسجن وتشريد.
4- لم تسلم دولة عربية مجاورة لأخرى من حروب ونزاعات على الحدود.
5- تشجيع النزعات العنصرية في جل الدول العربية من الفرعونية والآشورية
والبربرية، ونشوء أحزاب علمانية تدعو لتلك التوجهات الشعوبية المشبوهة.
6- الانهيار الاقتصادي لاسيما الأخذ بالتوجهات الاشتراكية وما ســـواها من
الاتجاهات الليبرالية التي لم تذق منها الشعوب العربية سوى الجوع والمسغبة.
7- هــــرب كثير من العلماء التقنيين خارج العالم العربي لعدم احتوائهم من
ناحية، أو مخالفتهم لتوجهات أولئك الحكام من ناحية أخرى.
هذه بعض من نتائج ومعطيات الحقبة القومية، التي بليت بها أمتنا ومازالت.
لقد كانت القـطــرية موجودة في كثير من الدول العربية قبل حرب الخليج
وبعدها بكل ما أنتجته من تغيرات استراتيجية وميدانية أخذت وبشكل واضح
اتجاهات انكفائية تتلبّس لبوس الوطنية وتنظر من خلالها إلى ذاتها وأمنها
نـظرة خاصة وتجعل من مصلحة النـظام الحاكم المحور المعوّل عليه في بناء
سياستها وتوجهاتها، لا تنظر معها إلا لمصالحها فقط، حتى ولو كانت مع العدو
نفسه.
إن تلك النزعة الانكـفــائـيـة، مظهر تخلف ولا شك لأنها لا تتنافى
والطموحات القومية المزعومة فحسب، بل إنها قبل ذلك تتصادم مع حقائق الإسلام
وأخلاقياته، زيادة على ما تشكله من طعن مباشر في (عقيدة الولاء والبراء).
إن حب الأوطان فطرة تعيش فـي حـنايـا النفوس وتعمر بها شغاف القلوب
فأوطاننا هي الأرض التي بها ولدنا وعلى أرضها درجنا ونعمنا بخيراتها
وتعلمنا في مدراسها وتظللنا بوارف ظلالها.
كان بلال رضي الله عنه يهتف شوقاً لمكة المكرمة بأبيات تسيل رقة منها:
وهل أردن يوماً مياه مجنة وهل يبدون لي شامةٌ وطفيل(3)
إن تلك العاطفة فطرية في النفوس، لـكــــن يجب أن تكون في إطارها لا أن تصل
إلى حد التقديس لتراب الوطن الضيق بعيداً عن الإحساس بواجب الإخاء الإسلامي
العام، وبعيداً عن الشعور بواجب النصرة لإخواننا الـمسلمين، وبعيداً عن
تحقيق متطلبات عقيدة الولاء والبراء.
إن أمتنا العربية نكبت مع الأسف منذ نُحّيَتْ (شريعة الله) واستعاضت عنها
بالتوجهات القومية، يوم حكمت الدساتير العلمانية وسارت على نهجها فلم تكن
ثمارها سوى الهزائم والسقوط، ولن يكون حال التوجهات القـطـــرية الحالية
بأحسن حالاً، فحسبها أن تثير الحزازات بين الشعوب العربية حينما يكـــون
كـــل شعب مشغولاً بنفسه عن إخوانه في العقيدة والدين، فإلى متى تبقى أمتنا
تذوق مرارة الحـــرمــان والانهزامية مع كل توجه علماني؟ لقد جربت الأمة
شتى التوجهات الجاهلية من اشتراكية وقومية وليبرالية ولم تكن نتائج ذلك سوى
حصاد الهشيم وقبض الريح.
إننا لا ندعو إلى تجريب الإسلام، بل إلى فهمه فهماً صـحـيـحـــاً من مصادره
الصحيحة والعودة له شريعةً حاكمة، ثم الاعتماد على النفس وأخذ السبل
الموصلة للقوة القائمة على حشد كل الإمكانيات البشرية، وتقــوية الاتجاهات
العسكرية، والـعـنـاية بالبحث العلمي بإنشاء مراكز البحوث، والاســتفـادة
من القدرات الهائلة من العلماء الـمسلمين الموزعين في شتى أنحاء العالم،
وضـرورة التكامل الاقـتـصـادي، وزيادة التعاون بين الأقطار الإسلامية،
وإعادة النظر في السياسة التعليمية القائمة ليس لـصـالـح سـياسة التطـبـيـع
وإنمــا لتخريج الأجيال القادرة على المواجهة ثقافياً وعسكرياً، والمطالبة
بأن يكـــون لـنـــا مـكـانٌ أكبر في المنظومة الدولية... ولن يتأتى ذلك
بدون الانتماء لعقيدتنا الإسلامـيـة الصحيحة قولاً وفعلاً والصلح مع
إخواننا قبل الصلح مع أعدائنا.
إن الـعــودة إلى الإسلام الحق ستحمينا من أخطارالاتجاهات المنحرفة
وسلبياتها سواء أكان ذلك قومياً أو قطرياً.
مجلة البيان، العدد (33)، ربيع
الآخر
1411،نوفمبر
1990 . |