|
أحداث مهمة وخطيرة جرت وتجري على الساحة
الإسلامية في السنوات الأخيرة،أحداث استنفذت الطاقات وذهبت بالجهود سدى ،
استنزفت الدماء الطاهرة وأدت إلى زج خـيـرة الـشـبــاب في السجون . هذه
الأحداث وغيرها مثل الدخول في معمعان السياسة من الأمور الكبار الـتـي لا
يجــوز أن ينفرد بتقريرها أفراد أو تجمعات صغيرة ، لأن أمرها يهمُّ الأمة
كلها ونفعها أو ضرها يـعــمُّ الجميع ، وليست من مجالات الاجتهادات الخاصة
ببلد دون آخر .
هذه الأحداث المستمرة لا يجـــوز أن تبقــى خــــارج دائرة النصح وإبداء
آراء السياسات الشرعية فيها ، كما لا يجوز أن تبقى خارج دائرة الـتـحليل
والنقد ومعرفة أسباب الخلل ومواطن الضعف، وهــــــذا يقتضي أن نصارح بعضنا
وننقد أنفسنا، ولئن كان في السكوت مصلحة مقُدَّرة فيما مضى فإن الدعاة
والعلماء والمفكرين مدعوُّوْن اليوم لبيان الرأي الصريح، وقول كلمة الحق في
هذه الأمور الكبيرة طلباً للحق الذي يجب إحقاقه عاجلاً أو آجلاً .
لـقـد ســنَّ الله تعالى النظر في سير الأولين و الآخرين لمعرفة أسباب
الظفر والتمكين وأسباب الفشـل والـتـراجع فهل كُتب على المسلمين عدم
الاعتبار بحدث ماضٍ ، وعدم التفكير بما وقع لإخوان لهم في زمن قريب ؟ هل
درُست كل الحركات التي قامت سابقاً ولاحقاً ؟ تلك الحركات التي أكبر أسباب
فشلها ناتج عن العجلة وقلة الاستعداد المطلوب شرعاً وعقلاً ، بل إن الـبـعض
الآن لا يتعجل قطف الثمار لأنهم يعلمون - كما يصرحون - أن لا ثمار ولا
نتيجة من وراء هذا العمل ، ولكنهم يعملون لمجرد أنه لا يوجد طريق آخر
بنظرهم !
هل يجوز شرعاً. . القيام بإعمال لمجرد اجتهادات من هذا النوع ؟ وهل - يصح
في العقول - أن يقـــــوم أفراد بعمل يجرون فيه المسلمين إلى الصراع دون
أخذ الأهبة ودون (تخطيط مسبق) تحسب فيه كافة الاحتمالات ؟
في مـثـل هــــــذه الظروف الارتجالية يدخل في العمل من يظنُّ أن النصر
قريب طلباً لجني الـثـمار، وهو بذلـك أقرب إلى المنافقين ، ويدخل أشخاص
انتهازيون يريدون السيطرة على هذا الـعـمل ، وهذا أمر سهل ، يكفيه أن يرفع
شعار المرحلة ، بل يزاود على الذين رفعوه - بصدق - من قبَلُ ليتقدم الصفوف
الأولى .
حينما تـعـمُّ الـفـــوضى يعـُـتـقــل أكثر القادة وبكل سهولة ، ففي أحداث
بلد عربي بلغت الخسائر في مـدينة واحـــــدة خلال أشهر أكثر من (600) شهيد
، وفي مدينة أخرى يقود العمل متُصوفٌ يخـطـط لعملياته بناء على الأحلام
التي يراها في الليل(1) ، وذلك ما أدى إلى كشف وقتل مـعـظم الذين
كـانــــوا معه و اعتقُل آلاف الشباب بسبب اشتراك أناس لم يتربوا تربية
إيمانية ، بل اندفعوا عاطفياً وتعرفوا على كل شيء ، وعندما اعتقلوا اعترفوا
بكل شيء ، وكانوا صــيداً ثميناً للطغاة ، فهل يُضحّى بشباب تربوا تربية
طويلة من أجل أهداف بسيطة ، وهل أتــاك نبأ الـذيــن يـتـورطون في هذه
الأعمال ثم يضطرون للكذب في بياناتهم عندما يتحدثون عن الإعـداد والعدَّة ،
وإذا سألتهم عن مئات الشباب الذين قتلوا أو سجنوا (وهم على نياتهم الخيرّة
الـصادقة) قالـوا : لا بدّ من التضحية ! نعم لا بد من التضحية وليذهب
الآلاف إذا كان ذلك في صـالـح أهداف المسلمين وإعزاز دين الله وإذلال الكفر
وأهله .
إن من أهداف العمل الإسلامي قمع أهل الكفر والـضــلال ، وأن يكون الدين كله
لله ، وأن تعلو راية الإسلام ، فإذا كانت النتائج على الضدِّ من هذا ،
وكانت ضعفاً للمسلمين وإذلالاً لهم وشفاءً لصدور الكفار والفسقة
والعلمانيين ، فـلـمـاذا لا نراجع حساباتنا لنعرف ما إذا كنا قد أخطأنا
التقدير ، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .
إننا مأمورون شرعاً بأخذ كافة الاستعدادات المــاديـة على المستوى البشري
ثم نتوكل على الله ولانقلب الآية فنفسر التوكل تفسيراً غير صحـيـح ، ونقوم
بأعمال ضعيفة باسم التوكل على الله ، كما أنه لا يجوز أن يجرنا اليأس و
الإحباط ، أو تخاذل البعض وارتمائهم في أحضان أعداء الإسلام وتأويلاتهم
الفاسدة، لا يجوز أن يجرنا إلى أعمال لسنا مقتنعين بها.
هل يظن المسلمون أن الرعيل الأول من المسلمين لم يكونوا على علم واســع
بعدوهم ومقدرته ومعرفة طبيعته من كل الجوانب،ألم يكن أبو بكر - رضي الله
عنه - عالماً بأنساب العرب تفصيلاً ؟ وهذا أمر مهم للدعوة. ألم تكن قريش -
بسبب تجارتها - تعرف أرض فـــارس والروم ، وطرق المواصلات وخـصـائـص تلك
الشعوب ؟ ألم يكتب عمر - رضي الله عنه - لسعد بن أبي وقاص طالباً منه
وصـــــف أرض العراق وأرض المعركة كأنه يراها ؟ ألم يُعين القادة الفاتحون
أمثال خالد وعمرو بن الـعــاص ويزيد بن أبي سفيان - رضي الله عنهم - من
أولي الخبرة الشخصية القيادية؟ ولم يؤمَّر من هو أعلم منهم فـي أمور الدين.
فـلـمـــاذا تترك أمور خطيرة لأصحاب النوايا الطيبة ممن ليس عندهم الخبرة
الكافية .
نحن نعلم أن هذا الكلام لن يعجب الكثيرين من الناس ، ولكن لابـدّ من قول
كلمة الحق ، ولابد من النصح لخاصة المسلمين وعامتهم، ولا نقصد من
الـنـصـــح - علم الله - تجريحاً لفرد أو جماعة مع علمنا أن الذي حدث ويحدث
كان بنية طيبة ، ولكن هل تكفي النوايا الصادقة ؟ أم يجب الأخذ بالركن
الثاني وهو الصواب في العمل .
الهوامش:
1- قد وقع هذا ولا داعي لذكر الأسماء .
مجلة البيان، العدد (65)، المحرم
1414،يوليو 1993 . |