انجُ سعد ، فقد هلك سُعَيْد..!

الذل: الهوان الذي يلحق الفرد أو الجـمـاعــة، ونقـيـضـه العز. وإذا أردنا أن نحلل هذا ونبحث عن أسبابه وطبيعته ، نجد - أولاً - أنه حالة نفسية تعتري الفرد نتيجة لعوامل متعددة تحيط به.
فمن طبع النفس الإنسانية حب الحياة ، والتشبث بها ، والإخلاد إلى نعيمها ، والركون إلى شهواتها.
ومن طبعها أيضاً أن تعيش لهدفٍ سامٍ، تعمل على تحقيقه، ولا تـبـالـي الـمـصـاعـب التي تعترضها من أجل ذلك. وعند هذا المفترق يتمايز الناس ، فمنهم من يفضل أن يهين جسمه ، ويتحمل المصاعب ، ولو أدى به ذلك إلى الحرمان من الحياة أو الحرية ، في سبيل أن تبقى القضية - التي نذر لها نفسه - حية ، ومنهم من يؤثر السلامة ، وتغلبه ضرورات الحياة ، ولو أدى به ذلك أن تداس كرامته ، وتسحق تطلعاته ، في سبيل أن يبقى على قيد الحياة ، متمتعاً بمستوى معيشي معين.
فهاهنا موقفان ، كل منهما يعبر عن فهم خاص للحياة ، ويتخذ الموقف الملائم الذي يتفق وهذا الفهم ، وقد عبر المتنبي عن هذا المعنى بقوله:
أرى كلَّنا يبغي الحــياةَ لنفـــســـــه حـريــصاً عليها مستهاماً بها صباً
فحبُّ الجبانِ النفس أورثه التقى(1) وحب الشجاع النفسَ أورثه الحربا
وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة: هل الذل موروث أم مكتسب؟
والذي نميل إليه هو أن هذا الخلق - كغيره من الأخلاق - مكتسب عن طريق التربية التي تأتي انعكاساً للظروف الخارجية المحيطة بالإنسان. فإذا استمر هذا الخلق ، يلقنه جيل سابق لجيل لاحق أصبح وكأنه طبع موروث لا حيلة للفكاك منه.
فالذل الاجتماعي - ونعني به: الذل الذي يصيب جماعات وشعوباً، ويصبح ظاهرة مرئية محسوسة - يـنـتـج عــن تـراكـم حالات فردية تنتهج نهجاً ذليلاً في حياتها، ومن خلال اعتيادها لهذا النمط من العيش ؛ يصبح الذل وكأنه سمة بارزة تشتهر بها ، وذلك عندما تفتقد المثل الأعلى ، والفكرة السامية ، والعقيدة الدافعة، التي تتجمع حولها ، ويشعرها ذلك التجمع بسوء الحال الذي تردت فيه ، فيبعث فيها روح التمرد على هذه الحال ، لتنشط من عقالها ، وتنتفض من الموت الذي خُيِّل إليها - في فترة - أنه حياة ، وما هو -عند التحقيق - إلا حياة خالية من المعنى ، ونعني به: الحياة في ظل الذل و الاستكانة.
إن لله سنناً لا تتخلف ، تجري على الأفراد كما تجري على المجتمعات ، وعلى ضوء هذه السنن يمكننا فهم كثير من الحقائق التاريخية التي تكتنف الشعوب والأمم في مسيرتها (2)، ومن هذه السنن أن الله تعالى - أحياناً كثيرة - يعاقب الناس ويبتليهم مقابل ذنوبهم جزاء ما فرَّطوا ، فيضرب عليهم الذل والسكينة ، ويسلط عليهم ما لم يكونوا يتوقعون ، كل ذلك من أجل أن يرجعوا عن غِّيهم ويثوبوا إلى رشدهم ، ويتخلوا عن التقصير، بعد أن ركنوا إلى الأرض واستحبوا القريب العاجل على الخير الآجل.
عوامل الذل:
ما الذي يجعل شخصاً ما، أو شعباً من الشعوب، ذليلاً؛ خاضعاً، مكسور الشوكة، مهيض الجناح؟ لا شك أن وراء ذلك سبباً ، أو أسباباً أدت إليه.
أما الأسباب الذاتية: فهي قابلية وأهلية للخضوع، تكبر مع الزمن، في ظل غلبة الشهوات والانقياد إلى حب الدنيا وما بها من متاع زائل.
إن الأمة عندما تصبح الشهوات فيها هي المتحكمة ، وتجعل هدفاً رئيسياً لها: "تحقيق الرفاه المادي"، بأي شكل تحقق هذا الرفاه ؛ تكون قد دخلت طور الانهيار والاضمحلال من بابه الواسع. قد تعيش سنوات - تطول أو تقصر - في ظل هذا العبث ، وقد يزدهر اقتصادها ويتضخم إنتاجها ، ويخدعها كل ذلك عن النهاية المحتومة التي ستصير إليها يوماً ما ، ولكن ريحها ستذهب ، ودولتها ستدول لا محالة ، بل إن الأمة التي تفشو فيها مثل هذه المفاهيم تصبح ألعوبة لفئة قليلة تميل بها ذات اليمين وذات الشمال ، وقد وصف الله تعالى في كتابه العزيز هذه الحالة ، ممثلة في قوم فرعون فقال ، عز وجل: ((فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)) [سورة الزخرف 54].
فأي طاغية لا يبسط سيطرته على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير صرعى الشهوات والمطامع ، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحق ، وعدم الالتفات إلى هدي الله والتمسك بحبله ، وتستبدل ميزان الهوى بميزان الإيمان ، أما المؤمنون الذين يبصرون الحقائق بنور الهداية ، ويَزِنون لأمور بميزان الإيمان ، فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل - الاستخفاف بهم، وتوجيههم الوجهة التي تجعلهم "غشاء كغشاء السيل".
وأما الأسباب الخارجية: فلها ارتباط قوي بالأسباب الذاتية ، ارتباط النتيجة ، بالسبب.
فعندما تغفل الأمة عن مقومات وجودها ، يسطو على قيادتها نفر لا يحملون الا الأهلية التي يتمتع بها الغاصب المتغلب ، ولا يمتازون إلا بما يمتاز به قطاع الطرق ، من الجرأة على سفك الدماء ، وعند ذلك تكمل الدائرة ، وتتواصل حلقات السلسلة التي يجد الأفراد والأمة أنفسهم محاطين بها ، وبعد أن كانت حالة الذل الأولى مجرد قابلية ، يصبح الواقع الجديد للأمة مدرسة منظمة لهذا الخلق الذميم ، فكل الجهود الجماعية للأمة تصبح موجهة لتغرس مفهوم الذل في النفوس.
فالقوانين ، التي تشرع، والعادات التي تشجع، والثقافة التي تسود ، والأجهزة والقنوات الإعلامية التي ينفق عليها من كدح الأمة وعرقها ، كل ذلك يسير في اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذل والخنوع ، وتجريد الأفراد من كل معاني عزة النفس والعفة ، وضرب وتشويه كل خلق يشير إلى تماسك الشخصية ، والبعد بها عن كل مواطن الطهارة النفسية والجسدية ، والعمل ، ليل نهار ، من أجل اقتلاع أخلاق راسخة حفظت للأمة كيانها ، وأمسكت عليها وجودها مميزاً ، وذلك بالتشكيك تارة ، وبالسخرية من هذه الأخلاق تارة أخرى ، وبالجرأة الوقحة التي يُغالي في الإنفاق عليها ، وإغداق المال والجوائز والألقاب على من يتولون كِبْرَها ، في الوقت الذي تهدر فيه الكرامات ، وتداس فيه الحريات ، وتكمُّ فيه أفواه الحق ، وتطلق فيه ألسنة الباطل ، وتنقبض فيه الأيدي عن البذل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإذا بقيت - بعد كل هذا - بقية لم يؤثر فيها هذا الإلحاح المتواصل على " غسل مخها " والتخلي عما تعتقده وتراه ، ووقفت - ما أمكنها ذلك - صابرة مرابطة محتسبة ؛ فهناك علاج من نوع آخر لمن لا تؤثر فيه هذه المؤثرات ، حيث يؤخذ بالشدة والعنف ، ويحارب في رزقه ، وحريته ، وسمعته.
فمن الأمور التي عملت على تعميق الذل و " تسويقه " وانتشاره على أوسع مساحة من الناس ، ما يرونه من البطش والجبروت في استخدام الأسلحة المتطورة ، إن كل من تسوِّل له نفسه أن يفكر - ولو بصمت - بطريقة تخالف منطق الاستبداد والقهر ، فضلاً عن استخدام حقه في التفكير عالياً ؛ والتعبير عما يبدو له بشكل يتعارض ونية قاهريه ، سيجد أمامه - أنّى التفت ، وحيثما توجه -لافتة مكتوباً عليها: " انج سعد ، فقد هلك سُعيد " (3).
إن ذل الأمم مقدمة لظهور الفساد بشتى صنوفه وألوانه ، وإن ما يصيبها من الظلم ، وما تُرمى به من صنوف البلاء: كالفقر ، وانعدام الأمن ، وهدر الحقوق ، وتسلط الرعاع والسِّفْلة ، و... كل ذلك ليس إلا ابتلاء من الله ، وعقوبة منه على التفريط ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وصدق الله العظيم إذ يقول: ((ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) (الروم 41).
وكم بين واقع الأمة الإسلامية اليوم ، والواقع الذي أوصى فيه أبو بكر - رضي الله عنه - خالد بن الوليد ، غداة مسيره لمحاربة المرتدين: " احرص على الموت توهب لك الحياة " ، فكانت حياة خالد وجنده من الصحابة الكرام ترجمة عملية لهذه الوصية ، مما جعله يقول لهرقل ، قبيل معركة اليرموك: ".. لقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحب -أنت - الحياة ".
لقد مرت على المسلمين فترات مظلمة - كهذه الفترة أو أشد - مستهم فيها البأساء والضراء وزلزلوا ، فحينما اجتاح التتار العالم الإسلامي ، ضج السهل والجبل من كثرة ما أريق من دماء المسلمين ، وأشفق المؤرخون من هول ذكره ، وبلغ الذل بالناس إلى الحد الذي جعل الجندي الأعزل ، من المغول ، يأمر الرجل ، فيضع خده وعنقه على الأرض ، ثم يأمره أن يظل على هذه الحال ، بلا حراك ، ومن غير ما حارس يحرسه، حتى يذهب هذا ويحضر سلاحاً يحتز به رقبته!!.
وفي كل مرة زحف - ويزحف - فيها التتار والمغول وأشباههم ؛ يعملون على قذف الرعب ، واستلال روح المقاومة من النفوس ، ولم يوقف زحف المغول الأصفر إلا هتاف: "وا إسلاماه"، الذي تردد مرة في بطاح عين جالوت.
ولن يوقف المغول والتتار ، ومن في حكمهم ، إلا مثل هذا الهتاف: "وا إسلاماه".
الهوامش:
1 - التقى هنا : الخوف مطلقاً.
2 - راجع سلسلة مقالات: معالم حول كتابة التاريخ الإسلامي في هذه المجلة: (البيان) للأستاذ محمد العبدة.
3 - هذا مثل ، يقال في معرض التحذير والتخويف ، وقد استشهد به زياد بن أبيه في خطبته المشهورة التي تدعى: " البتراء " ، انظر لذلك البيان والتبيين للجاحظ 2/61. 


مجلة البيان، العدد (5)، شعبان  1407،أبريل 1987 .