|
الذل: الهوان الذي يلحق الفرد أو الجـمـاعــة، ونقـيـضـه العز. وإذا أردنا
أن نحلل هذا ونبحث عن أسبابه وطبيعته ، نجد - أولاً - أنه حالة نفسية تعتري
الفرد نتيجة لعوامل متعددة تحيط به.
فمن طبع النفس الإنسانية حب الحياة ، والتشبث بها ، والإخلاد إلى نعيمها ،
والركون إلى شهواتها.
ومن طبعها أيضاً أن تعيش لهدفٍ سامٍ، تعمل على تحقيقه، ولا تـبـالـي
الـمـصـاعـب التي تعترضها من أجل ذلك. وعند هذا المفترق يتمايز الناس ،
فمنهم من يفضل أن يهين جسمه ، ويتحمل المصاعب ، ولو أدى به ذلك إلى الحرمان
من الحياة أو الحرية ، في سبيل أن تبقى القضية - التي نذر لها نفسه - حية ،
ومنهم من يؤثر السلامة ، وتغلبه ضرورات الحياة ، ولو أدى به ذلك أن تداس
كرامته ، وتسحق تطلعاته ، في سبيل أن يبقى على قيد الحياة ، متمتعاً بمستوى
معيشي معين.
فهاهنا موقفان ، كل منهما يعبر عن فهم خاص للحياة ، ويتخذ الموقف الملائم
الذي يتفق وهذا الفهم ، وقد عبر المتنبي عن هذا المعنى بقوله:
أرى كلَّنا يبغي الحــياةَ لنفـــســـــه حـريــصاً عليها مستهاماً بها صباً
فحبُّ الجبانِ النفس أورثه التقى(1) وحب الشجاع النفسَ أورثه الحربا
وهنا نجد أنفسنا أمام حقيقة: هل الذل موروث أم مكتسب؟
والذي نميل إليه هو أن هذا الخلق - كغيره من الأخلاق - مكتسب عن طريق
التربية التي تأتي انعكاساً للظروف الخارجية المحيطة بالإنسان. فإذا استمر
هذا الخلق ، يلقنه جيل سابق لجيل لاحق أصبح وكأنه طبع موروث لا حيلة للفكاك
منه.
فالذل الاجتماعي - ونعني به: الذل الذي يصيب جماعات وشعوباً، ويصبح ظاهرة
مرئية محسوسة - يـنـتـج عــن تـراكـم حالات فردية تنتهج نهجاً ذليلاً في
حياتها، ومن خلال اعتيادها لهذا النمط من العيش ؛ يصبح الذل وكأنه سمة
بارزة تشتهر بها ، وذلك عندما تفتقد المثل الأعلى ، والفكرة السامية ،
والعقيدة الدافعة، التي تتجمع حولها ، ويشعرها ذلك التجمع بسوء الحال الذي
تردت فيه ، فيبعث فيها روح التمرد على هذه الحال ، لتنشط من عقالها ،
وتنتفض من الموت الذي خُيِّل إليها - في فترة - أنه حياة ، وما هو -عند
التحقيق - إلا حياة خالية من المعنى ، ونعني به: الحياة في ظل الذل و
الاستكانة.
إن لله سنناً لا تتخلف ، تجري على الأفراد كما تجري على المجتمعات ، وعلى
ضوء هذه السنن يمكننا فهم كثير من الحقائق التاريخية التي تكتنف الشعوب
والأمم في مسيرتها (2)، ومن هذه السنن أن الله تعالى - أحياناً كثيرة -
يعاقب الناس ويبتليهم مقابل ذنوبهم جزاء ما فرَّطوا ، فيضرب عليهم الذل
والسكينة ، ويسلط عليهم ما لم يكونوا يتوقعون ، كل ذلك من أجل أن يرجعوا عن
غِّيهم ويثوبوا إلى رشدهم ، ويتخلوا عن التقصير، بعد أن ركنوا إلى الأرض
واستحبوا القريب العاجل على الخير الآجل.
عوامل الذل:
ما الذي يجعل شخصاً ما، أو شعباً من الشعوب، ذليلاً؛ خاضعاً، مكسور الشوكة،
مهيض الجناح؟ لا شك أن وراء ذلك سبباً ، أو أسباباً أدت إليه.
أما الأسباب الذاتية: فهي قابلية وأهلية للخضوع، تكبر مع الزمن، في ظل غلبة
الشهوات والانقياد إلى حب الدنيا وما بها من متاع زائل.
إن الأمة عندما تصبح الشهوات فيها هي المتحكمة ، وتجعل هدفاً رئيسياً لها:
"تحقيق الرفاه المادي"، بأي شكل تحقق هذا الرفاه ؛ تكون قد دخلت طور
الانهيار والاضمحلال من بابه الواسع. قد تعيش سنوات - تطول أو تقصر - في ظل
هذا العبث ، وقد يزدهر اقتصادها ويتضخم إنتاجها ، ويخدعها كل ذلك عن
النهاية المحتومة التي ستصير إليها يوماً ما ، ولكن ريحها ستذهب ، ودولتها
ستدول لا محالة ، بل إن الأمة التي تفشو فيها مثل هذه المفاهيم تصبح ألعوبة
لفئة قليلة تميل بها ذات اليمين وذات الشمال ، وقد وصف الله تعالى في كتابه
العزيز هذه الحالة ، ممثلة في قوم فرعون فقال ، عز وجل: ((فَاسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ)) [سورة الزخرف
54].
فأي طاغية لا يبسط سيطرته على الجماهير إلا بعد أن تسقط هذه الجماهير صرعى
الشهوات والمطامع ، وتتمرغ في أوحال الفسق والبعد عن الحق ، وعدم الالتفات
إلى هدي الله والتمسك بحبله ، وتستبدل ميزان الهوى بميزان الإيمان ، أما
المؤمنون الذين يبصرون الحقائق بنور الهداية ، ويَزِنون لأمور بميزان
الإيمان ، فمن الصعب -إن لم يكن من المستحيل - الاستخفاف بهم، وتوجيههم
الوجهة التي تجعلهم "غشاء كغشاء السيل".
وأما الأسباب الخارجية: فلها ارتباط قوي بالأسباب الذاتية ، ارتباط النتيجة
، بالسبب.
فعندما تغفل الأمة عن مقومات وجودها ، يسطو على قيادتها نفر لا يحملون الا
الأهلية التي يتمتع بها الغاصب المتغلب ، ولا يمتازون إلا بما يمتاز به
قطاع الطرق ، من الجرأة على سفك الدماء ، وعند ذلك تكمل الدائرة ، وتتواصل
حلقات السلسلة التي يجد الأفراد والأمة أنفسهم محاطين بها ، وبعد أن كانت
حالة الذل الأولى مجرد قابلية ، يصبح الواقع الجديد للأمة مدرسة منظمة لهذا
الخلق الذميم ، فكل الجهود الجماعية للأمة تصبح موجهة لتغرس مفهوم الذل في
النفوس.
فالقوانين ، التي تشرع، والعادات التي تشجع، والثقافة التي تسود ، والأجهزة
والقنوات الإعلامية التي ينفق عليها من كدح الأمة وعرقها ، كل ذلك يسير في
اتجاه واحد هو تثبيت معاني الذل والخنوع ، وتجريد الأفراد من كل معاني عزة
النفس والعفة ، وضرب وتشويه كل خلق يشير إلى تماسك الشخصية ، والبعد بها عن
كل مواطن الطهارة النفسية والجسدية ، والعمل ، ليل نهار ، من أجل اقتلاع
أخلاق راسخة حفظت للأمة كيانها ، وأمسكت عليها وجودها مميزاً ، وذلك
بالتشكيك تارة ، وبالسخرية من هذه الأخلاق تارة أخرى ، وبالجرأة الوقحة
التي يُغالي في الإنفاق عليها ، وإغداق المال والجوائز والألقاب على من
يتولون كِبْرَها ، في الوقت الذي تهدر فيه الكرامات ، وتداس فيه الحريات ،
وتكمُّ فيه أفواه الحق ، وتطلق فيه ألسنة الباطل ، وتنقبض فيه الأيدي عن
البذل في سبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإذا بقيت - بعد كل هذا - بقية لم يؤثر فيها هذا الإلحاح المتواصل على "
غسل مخها " والتخلي عما تعتقده وتراه ، ووقفت - ما أمكنها ذلك - صابرة
مرابطة محتسبة ؛ فهناك علاج من نوع آخر لمن لا تؤثر فيه هذه المؤثرات ، حيث
يؤخذ بالشدة والعنف ، ويحارب في رزقه ، وحريته ، وسمعته.
فمن الأمور التي عملت على تعميق الذل و " تسويقه " وانتشاره على أوسع مساحة
من الناس ، ما يرونه من البطش والجبروت في استخدام الأسلحة المتطورة ، إن
كل من تسوِّل له نفسه أن يفكر - ولو بصمت - بطريقة تخالف منطق الاستبداد
والقهر ، فضلاً عن استخدام حقه في التفكير عالياً ؛ والتعبير عما يبدو له
بشكل يتعارض ونية قاهريه ، سيجد أمامه - أنّى التفت ، وحيثما توجه -لافتة
مكتوباً عليها: " انج سعد ، فقد هلك سُعيد " (3).
إن ذل الأمم مقدمة لظهور الفساد بشتى صنوفه وألوانه ، وإن ما يصيبها من
الظلم ، وما تُرمى به من صنوف البلاء: كالفقر ، وانعدام الأمن ، وهدر
الحقوق ، وتسلط الرعاع والسِّفْلة ، و... كل ذلك ليس إلا ابتلاء من الله ،
وعقوبة منه على التفريط ، وحب الدنيا ، ونسيان الآخرة ، وصدق الله العظيم
إذ يقول: ((ظَهَرَ الفَسَادُ فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ
أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ
يَرْجِعُونَ)) (الروم 41).
وكم بين واقع الأمة الإسلامية اليوم ، والواقع الذي أوصى فيه أبو بكر - رضي
الله عنه - خالد بن الوليد ، غداة مسيره لمحاربة المرتدين: " احرص على
الموت توهب لك الحياة " ، فكانت حياة خالد وجنده من الصحابة الكرام ترجمة
عملية لهذه الوصية ، مما جعله يقول لهرقل ، قبيل معركة اليرموك: ".. لقد
جئتك بقوم يحبون الموت كما تحب -أنت - الحياة ".
لقد مرت على المسلمين فترات مظلمة - كهذه الفترة أو أشد - مستهم فيها
البأساء والضراء وزلزلوا ، فحينما اجتاح التتار العالم الإسلامي ، ضج السهل
والجبل من كثرة ما أريق من دماء المسلمين ، وأشفق المؤرخون من هول ذكره ،
وبلغ الذل بالناس إلى الحد الذي جعل الجندي الأعزل ، من المغول ، يأمر
الرجل ، فيضع خده وعنقه على الأرض ، ثم يأمره أن يظل على هذه الحال ، بلا
حراك ، ومن غير ما حارس يحرسه، حتى يذهب هذا ويحضر سلاحاً يحتز به رقبته!!.
وفي كل مرة زحف - ويزحف - فيها التتار والمغول وأشباههم ؛ يعملون على قذف
الرعب ، واستلال روح المقاومة من النفوس ، ولم يوقف زحف المغول الأصفر إلا
هتاف: "وا إسلاماه"، الذي تردد مرة في بطاح عين جالوت.
ولن يوقف المغول والتتار ، ومن في حكمهم ، إلا مثل هذا الهتاف: "وا إسلاماه".
الهوامش:
1 - التقى هنا : الخوف مطلقاً.
2 - راجع سلسلة مقالات: معالم حول كتابة التاريخ الإسلامي في هذه المجلة: (البيان)
للأستاذ محمد العبدة.
3 - هذا مثل ، يقال في معرض التحذير والتخويف ، وقد استشهد به زياد بن أبيه
في خطبته المشهورة التي تدعى: " البتراء " ، انظر لذلك البيان والتبيين
للجاحظ 2/61.
مجلة البيان، العدد (5)، شعبان
1407،أبريل
1987 . |