ما يحتاجه العرب

مَـنَّ الله عـلـى الـعـرب بـنـعـم لا تحصى، وتفـضـل عليـهم بما تحسدهم عليه قوى الأرض جميعاً ، وتتزاحم الدول القوية على حيازته والاسـتـئـثار به. ومن ذلك: الموقع الجغرافي، والخيرات الظاهرة والباطنة ، والعنصر البشري النشيط، والتاريخ الـعـريق ، على أن أعظم هذه المنن ، وأثمن هذه النعم ؛ ما أكرمهم بهم بأن جعل بلادهم مهبط ، وجـعـل أجدادهم حملة الرسالة الإسلامية إلى العالم . لا شك أن هذه المنة هي واسطة عقد النعم كلها ، وإذا كانت كذلك ، فإنها تستحق كل جهد للمحافظة عليها ، وإبقائها مشعّة مرفوعة . والله -عز وجل- يقول في ذلك : ((لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)) [آل عمران 164] .
لكن هذه الحقيقة البسيطة غطى عليها ما يحجبها ، فوقع الناس في الفوضى ، وفقدوا الاتجاه الصحيح ، وتركوا للأفكار الوافدة تزيدهم فرقة واضطراباً ، وتعيق حركتهم ، وتشغلهم عما هو مهم من إعادة بناء أمتهم ، والتحرر مما كبلها ، وقيد خطاها عن العيش بين الأمم كما يليق بها .
لقد استوردنا مفاهيم غريبة ، وأردنا تطبيقها في تربتنا ، فلم نجن من ورائها شيئاً نافعاً ، بل تركت فينا آثاراً سيئة وزادتنا ضعفاً . ومن ذلك :
العصبية القومية، التي لم تكن مألوفة لنا بالصورة التي جاءتنا من أوربا ، فقد كانت بلادنا مجالاً يختلط فيه الناس على كافة أعراقهم وأجناسهم دون حساسية ، ولا موانع ، تظلهم العقيدة الإسلامية واللغة العربية ، لغة العلم والثقافة ، فتجد العلماء النوابغ الذين لم يبالوا - حيث ارتضوا الإسلام ديناً ولغة الإسلام رباطاً ثقافياً - بأصولهم مهما كانت : فارسية ، أو كردية ، أو رومية ، أو غير ذلك . ولكننا قابلنا حماقة العنصريين من الترك فرددنا عليهم بحماقة توازن فعلهم ، وعدو الطرفين - أوربا - يراقب وينظر ، يفرك يديه فرحاً ، ويصفق للحماقات المتبادلة .
ولئن كان من دعاة القومية فريق مخلص عنده غيرة إسلامية ، وتصدى لدعاة الطورانية وفَرْضِ التتريك على الشعوب غير التركية ؛ وتوخى في ذلك المحافظة على ما يحاول هؤلاء العنصريون اغتصابه من حق العرب ، ويقف عند حد إصلاح الخلل الذي أحدثه هؤلاء ؛ فلم يكن في نية هؤلاء أن ننتقل من تحكم الترك إلى تحكم الأوربيين ، وربما لم يكونوا يدركون أن نية زملائهم ممن يخالفونهم في الدين هي القضاء على آخر ما يربط المسلم بأخيه المسلم وهو "رابطة الدين" ، ولم تتكشف هذه النيات إلا بعد خراب كل شيء ، وبعد أن وضعت أسس وهمية للترابط والتناصر لم يستفد منها إلا الذين يحسنون العمل في الظلام ، ويجيدون أساليب الالتواء والتآمر : أعني تلاميذ المنصرين ، خريجي المدارس التبشيرية ، ومن يرتبطون بالاستعمار وبأسباب كثيرة .
كان من آثار العصبية القومية أن انكفأ العرب على أنفسهم ، وقطعوا الأواصر التي كانت تربطهم بالمسلمين في العالم ، واكتفوا بذلك السراب الذي سموه الرابطة القومية التي لم تثمر في تاريخهم الحديث إلا الهزائم ، ذلك لأن هذه الرابطة أراد مروجوها أن تقوم على أطلال رابطة أكثر أصالة وعمقاً في نفوسهم ، وكيف تكون رابطة وهمية بديلاً عن رابطة أصيلة وعميقة ، رابطة ربطها رب العالمين ، وحث عليها خاتم المرسلين ؟! وانكمش الإسلام إلى أن يصبح شأناً شخصياً لا علاقة له أبداً بالواقع تقويماً وتصحيحاً ، بل حتى أن يكون شأناً شخصياً أصبحت مسألة فيها نظر ، فلا يترك المسلم وشأنه ، فلا يستطيع مثلاً أن يلبس ما يملي عليه دينه ، أو ما يجده متلائماً مع ما اعتاده في بيئته ، ولا يستطيع أن يمارس شعائر عبادته دون أن يؤدي ذلك إلى التفرقة ضده واتخاذ المواقف في وجه ترقيته إن كان موظفاً ، ووضع العقبات في طريقه إذا كان عاملاً حراً... ، وإذا عرفنا أن الإسلام هو دين الصراحة والوضوح والبعد عن الدهاليز السرية في كل شيء : في شعائره وشرائعه وآدابه ومظاهره كلها ، وأن غيره من العقائد على العكس ؛ أدركنا من الخاسر ومن الرابح في الدعوة إلى أن يكون الدين أمراً شخصياً فقط .
وهكذا تحول المسلم إلى شخص غريب في بلده ، يُشَكُّ بولائه إذا عرف أنه يقوم ببعض الشعائر الإسلامية ، وتوزن أعماله وتصرفاته على هذا الأساس ؛ لأي جماعة ينتمي ، وبأي شخص يرتبط ، ومن أين جاءه التأثير حتى فعل هذا وامتنع عن ذاك ؟! وتطرح هذه الشكوك والظنون على الصحافة فلا تكتف هذه الأداة الخطيرة بتجريمه وتأثيمه ؛ بل يلحق التجريم والتأثيم كل من يذكر في سياق البحث عن المؤثرات والبواعث وتصبح مهمة إعادة الثقة إلى هذه الأسماء والهيئات عملية مستحيلة ، لأنها ضد الزمن وضد التاريخ وضد سير الأحداث ، وهكذا يحيا المسلم حياة انفصام وتمزق يعدو أثره في التشنجات والاحتقانات التي تطفو على سطح الحياة الاجتماعية ، ففريق يلوذ بتحدي المجتمع بكل سبيل ، ويتمسك بدينه على الرغم من كل شيء ، وقد تصدر منه خلال ذلك أعمال غير مقبولة تزيد الحرب ضده وتحرض عليه المجتمع فيزداد هو شعوراً بالنبذ ، ويزداد المجتمع ظلماً له ، وفريق آخر يتطرف في خروجه على كل شيء له ارتباط بالدين ، ويتمرد على كل الأعراف حتى ينجو من شعور "المنبوذ" الذي يعيشه الفريق الأول ، فترى هذا الفريق يرتكب كل موبقة للوصول إلى ما يريد ، وللحصول على براءة الانتماء بقليل أو كثير إلى الفريق الأول ، لأنه يدرك ثقل تكاليف هذا الانتماء .
ومن الشعارات المدمرة التي استوردناها ، الاشتراكية ، وفضلاً عن أن هذه الاشتراكية أثبتت فشلها حتى في بلادها ؛ فإن ما يضاف إلى أسباب فشلها الكامنة في أصلها وأساسها عندنا أنها ظلت شعاراً خاوياً لا يؤمن به أحد حتى الذين استوردوه ، وبقيت شيئاً غريباً عن المجتمع وطاقاته ، على الرغم من الدراسات الكثيرة والطبل والزمر الذي أحاط بترويجها . نعم كان في مجتمعاتنا ظلم ، وفيها فقر ، وفيها تسلط ، وفيها عدم تكافؤ فرص ، وفيها أمراض اجتماعية يصعب علاجها - كأي مجتمع - ولكن لم يكن فيها صراع طبقات كالذي جاءت الشيوعية تدعي معالجته.. كانت هذه الاشتراكية المستوردة وبالاً على المجتمع . نعم هناك فئة أثرت بسبب هذه الاشتراكية وانتقلت من الفقر إلى الغنى ولكن هذه الفئة قليلة بالنسبة لمجموع الشعب ، وغناها لم يحل المشكلة الاساسية بل ولم يلغ الظلم الاجتماعي ، وإنما استبدلنا وجوهاً بوجوه ، وأسماءً بأسماء ، وزاد الظلم حبتين أو ثلاث ، فأصبحنا ممنوعين من أمور كثيرة لم نكن نمنع منها حتى في أقسى عهود الاستعمار .
ذكرنا القومية والاشتراكية ونسختها السيئة كمثال ، ولا نريد - هنا - محاكمة ولا إدانة ، وإنما نريد أن نشخص الأزمة التي يمر بها المجتمع العربي ، ونريد من الذين ساقونا إلى هذا الواقع الأليم أن يعترفوا بخطئهم ويتواضعوا . ومن اعترافهم بالخطأ وتواضعهم أن يقروا بوجود أفكار أخرى وناس آخرين يعيشون معهم في مجتمع واحد ، تصيبهم النكسات مثلهم ، ويتألمون كآلامهم ، وعندهم من الغيرة والتحرق على واقع بلادهم ما عند هؤلاء .
إن ما تحتاجه الشعوب العربية أن تعيش في سلام لا مع العدو ، بل مع أنفسها ، وأن تعطى فرصة تستقيل فيها من سفك الدماء ومصادرة الحريات ، وتسكن فيها الثارات والملاحقات ، وأن يتنفس الناس شيئاً من هواء الحرية ، ويخرجوا قليلاً من الأجواء الملوثة ، أجواء الكبت وعدِّ الأنفاس وتغذية الأحقاد ، وحين يتحقق ذلك لا بد من الاعتراف بأن الإسلام بين العرب ليس شيئاً شخصياً لا ينبغي أن يطلع عليه أحد ، وممارسة ذاتية وجدانية لا علاقة لها بواقع الحياة ، لا ، الإسلام عند العربي ، أكثر من المسيحية عند المسيحي ، وأكثر من اليهودية عند اليهودي ، وأكثر من البرهمية والهندوسية والبوذية عند أتباعها ، إنه أكثر بكثير من ذلك ، ولا تأتي أهميته من إدراك معتنقيه فحسب ، بل منه هو ذاته كدين ، هكذا أراده الله للعرب الذين تشرفوا به ، وأصبح لهم دور بعد أن حملوه للعالمين . وحين يضعونه وراءهم ، فيهملون عقيدته ولوازمها ، ويعطلون أحكامه ، ويلاحقون أتباعه ملاحقة المجرمين وقطاع الطرق - بل والله إن المجرمين وقطاع الطرق في مكانة من التكريم والمعاملة يحسدون عليها مقارنة بمعاملة المتمسك بدينه هذه الأيام - نقول : حين يكون هذا شأن العرب - رسمياً - مع الإسلام لا يضرون إلا أنفسهم ولا يضيفون إلى ما هم فيه من ضعف إلا ضعفاً ، وإلى أزماتهم التي هم فيها إلا أزمات جديدة .
إن ما يسمى بجهود التنمية ومشاريع التطوير لن تجدي شيئاً إذا كان المجتمع لا يعيش في سلام مع نفسه ، ولا يدرك ذاته ، ولا يعرف عدوه من صديقه ، ولا يتعامل مع المشاكل والأزمات بعقل وحكمة ، ومن الغريب أن في بلادنا كثيراً من دعاة "العقلانية" وهؤلاء هم الذين يقودوننا حقيقة ، وهم النخب المهيمنة - ولكن تصرفات هؤلاء ، وتقويمهم لأنفسهم وغيرهم لا يدركها عقل ، ولا تتسق مع حكمة .
إننا نقول بكل الود والهدوء والثقة :
إن تكثير السجون والمعتقلات ، وفتح المعسكرات في الصحاري اللاهبة للدعاة إلى الله ، وسومهم العذاب بالمئات والآلاف في أكثر من قطر عربي عار وشنار لمن يقوم به ، وتعطيل لطاقات المجتمع وإهدار لثرواته في سبيل إرضاء نزوات نفوس مريضة ترى أنها محور الكون ، وتخريب للحمة التي لا تبني المجتمعات والدول والحضارات إلا بها ، ولو وفرنا الأموال الطائلة التي تنفق على هذه المعتقلات وما يتبعها من رواتب موظفين ومخبرين وحراساً ومستشاري تعذيب ؛ لوفرنا مصدراً من مصادر الثروة بلادنا في أشد الحاجة إليه ، على أن الخسارة المادية ليست شيئاً أمام الخسارة المعنوية التي تصيب مجتمعاتنا فتشلها عن الحركة ، وتضربها بالشك والتوجس ، فتموت المثل العليا ، وتحيا الفردية والأثرة والأنانية ، كما هو حاصل الآن .
إن المجتمعات لا تبنيها الحراسة ، ولكن تبنيها الثقة ، ولا تقوم على الملاحقة ، وإنما تقوم على العدل .


مجلة البيان، العدد (54)، صفر  1414أغسطس 1992 .