في اللهب ولا نحترق !

إن الأمـم والشـعوب كـالأفـراد ، يقلد بعضها بعضاً ، ويتأثر ويؤثر بعضها في بعض ، وهذا أمر طبيعي وسر من أسرار الـصراع الـذي تـقـوم عـليه الحـضارات . وهـذا التأثر والتأثير: بعضه ما تسعى إليه الجهة الغالبة ، على غير رغبة من المغلوبة ، وبعضه ما تسعى إلـيـه الجـهـة المـغلـوبة على غير رغبة من الغالبة.. ونحن - المسلمين - لا نشذ عن هذه القاعدة فقد أثَّرنا وتأثـرنا ، واقـترضنا وأقرضنا ، سواء عن رضا ووعي ، أم عن كره وإذعان . غير أن كفة الاقتراض والاسـتدانـة قـد بـدأت تـرجح يـومـاً بـعد يوم ، حتى وصلنا إلى مرحلة الإفلاس والاعتماد على الاستدانة في جميع المجالات
تقريباً .
ومنذ أن دَهَمنا الغرب دَهْمَتُه الثانية بحضارته الوثنية المسيحية، قبل حوالي قرنين تقريباً، ونحن نتخبط كالعميان في ظـلمة مـطبقة ، نحاول المخرج من هذا المصير الذي صرنا إليه، وكلـمـا ظـننا - أو ظن بعضنا - أننا كدنا ننجو ، جَبَهَنا جدار جهم قاسٍ ، فأصابنا دوار يـشل الحـركة زمناً ، ثم ننهض نتلمّس المـخـارج مـن جديد . ولا نـنفـك - ونحن في هذه الحالة البائـسة - عن التلاوم وتبادل التهم التي تؤدي كثيراً إلى أن يـأخـذ بـعضنـا برقاب بعض ، وتشحن القلوب ، وتنتفخ الأوداج ، فمن ملقٍ سبب ارتطام رأسه بالجدار على زيد الذي لم يحـذره ، وآخر على عبيد الذي قاده إلى ذلك ، وثالث على الجدار نفسه أنْ كان صلباً قاسياً ، ولم يكن لينا كالعجين يجد الناطح في نطحه متعة ! وننسى أننا عميان ، أو كالعميان ، وغـفلـنا عـن الـسبـب الأسـاسي لمـا نعانيه ، وهو فقدان الحاسة التي بها نرى ونبصر .
نـقـف الـيوم على عتـبة مـرحلة يبدو أنها جديدة و"منعطف تاريخي حاسم" بلغة مفكرينا الذين يكتبون ويخطبون (1) . وكـاتـب هـذه الـسطـور ما زال - منذ نعومة أظفاره - يسمع ويقرأ عن "المنعطفات التاريخية الحاسمة" في تـاريخـنا الحـديـث ، وبـيـنـما كـانـت هـذه المصطـلحات تـعجـبه بطنينها ورنينها وهو صغير ؛ دون أن يفهم مدلولاتها ومراميها ، إذا به يكتشف بعد برهة - وقـد زالـت الأغشـية عـن بـصيـرتـه - أن هـذه الكلمات استنفدت أغراضها ، وجفت عصارتها ، وأن مـكانـهـا المنـاسـب هـو "سلة المهجور من الكلام" الذي تـتجـوزه الفـِطـَرُ البـشـرية لأنـه لم يعد يعبر عما في نفوسها ، ولم يعـد مرآة صقيلة ناصعة تنعكس عليها نفس متحدثيها واضحة محددة صحيحة .
وإذا استعملت هذه الكلمات ، مع هذا الموقف منها ؛ فلأنني متأثر بمـا حـولي ، ومنفق من "عملة" زمني ، وهدفي أن أصل بالقارئ إلى هذه المرحلة التي نحن وأجيالنا الآتـية مقبـلون عليها .
لقد وصلنا إلى هنا ، حيث فقد الناس الثقة بكل ما نصب من الأصنام خلال تـاريخ الـعرب الحديث . أخرجوا المستعمرين من الأبواب فجاؤوهم من النوافذ ، آمن بعـضهـم بالشيوعية والاشتـراكـية فماتت وبالت عليها الثعالب ، وضعوا ثقتهم في ما سمي بالثورات فـاحرقـت هذه الثورات الأخضر واليابس وأهلكت الحرث والنسل واستأصلت الزرع، وجففت الضرع.
وقـد تمـيزت هـذه الفـترة بأمـرين متـزامنـين تقـريباً ، يحـسن الـوقوف عندهما لاستشراف نتائجهما وهما :
1- سقوط الشيوعية وتمرد الشعوب التي كانت محكومة بها عليها ، قـبل حـرب الخـليج وبعدها .
2- حرب الخليج نفسها، وما تمخض عنها من نتائج مأساوية على العرب بشكل خـاص، وعلى الأمة الإسلامية بشكل عام .
وقد استبشرت شعوب كثيرة بسقوط الشيوعية ، ورأت في ذلك مؤشراً وإرهاصاً لما تتمناه من تغيير هي بحاجة ماسة إليه ، ولم يقتصر هذا الاستبشار على الشعوب التي اكتـوت بـنـار هذا المبدأ الخبيث بشكل مباشر ، بل إن شعوباً كثيرة اهتزت فرحة لهذا السقوط - وإن لم تـطبـق عـليها الشيوعية بحذافيرها - بل لأن الأنظمة التي جُرّبت عليها كان فيها شبه ما بالأسلوب الـذي طـبق في روسيـا وأوربا الشرقية والصين وغيرها... نعني به أسلوب الكبت والـقـهـر والـعـسـف وتكمـيـم الأفواه ومصادرة الحريات والاستهانة بالإنسان من حيث هو إنسان، وجعل السلطة والتنعم بخـيراتها حكراً - في دائرة مغلقة من المقربين والمحاسيب، دائـرة لا يـدخـلها إلا من رضي بالدون واستهان بالقيم ، ورضي أن يقـاد مـن أسوأ جانب يقاد منه الإنسان وهو جانب الشهوات والجري وراء حظوظ النفس الرخيصة.
لكن على الرغم من هذه التغييرات العميقة هنا وهناك ؛ فقد ظلت شعوب ترسف في واقعها المـر الـذي فـرض عـليـها فـرضاً ، وينتقل بها من سيء إلى أسوأ ، وإن العاقل الذي يحاول استخلاص جامع يجمع هـذه الشعـوب يكتشف بأدنى نظرة أن صفة مشتركة تجمعها وهي الإسلام الذي ما زال عبر القرون - ولن يزال - العدو الأول للغرب "الوثني المسيحي" . إن كثيراً من أبناء جلدتنا المخدوعين يـظـنون أن الحضارة الغربية اليوم لا صلة لها بوثنية ولا بمسيحية ، بل هي قائمة على مصالح ، وأن المجال مفتوح للعرب للتأثير في هذه المصالح. وهذا ظن مضلل لأنه في حقيقته دعـوة للعرب وللمسلمين أن يتخلوا عن عقيدتهم وتاريخهم ، وأن يبنوا خططهم على المصالح الآنيـة كـالـغرب. وسبـب الضلال والتضليل كامن في هذه الدعوى، وهو الاعتقاد بأن الغرب الذي يعبد المادة قد تخـلى عـن عـقـائـده وتـجاهـل عـن تـاريخه. إن التـاريخ الـذي يـصوغ عـقـلية الـغربـيـين والذائبين في حضارتهم هو مزيج من الوثنية ومن المسيحية المحرفة والخاضعة للمفاهيم الوثنية، فـهو تـاريـخ وثني في منطلقاته وأهدافه مموه ببعض التمويه المسيحي ، واليوم - ونحن نرى هذا الرجل الغربي وقد تمرد على الأديان كلها - ومنها النصرانية نفسها- فلأن المسيحية التي عهدها لـم تـعـد قـادرة على تمويه هيكل الحضارة الوثنية الذي كبر وتشعب وأصبح له كثير من الرؤوس المخـيفـة التي يعجز طلاء المسيحية الهش عن سترها وتجميلها وتغطية القبح البادي منها .
ولكن مع كل هذا فلا زال هذا الغرب على الرغم مما صار إليه ، يزعم ويظن أنه على شيء مـن المسيـحية التي دان بها أجداده ، وعملوا باسمها أعمالاً يرى هو أنها أعمال عظيمة ، ويتصور أنـه حـامـل هـذه المـفاهيـم وأن هناك دوراً ينتظره ، ومن يستعرض خطب " بوش " وأحاديثه أثناء وبعد أزمة الخليـج يكتـشـف بسـهولة أنه الناطق الرسمي المعاصر للتاريخ الغربي الوثني المسيحي ، وأن لا شيء جديد في النظـام الـعالمـي الجديد الذي يبشر به هو وفريقه ، بل هو "خمر عتيق في دنان جديدة".
ونريد أن نخلص من هذا الاستطراد الذي لا جديد فيه إلى التساؤل :
* ألا يحق لنا نحن - المسلمين - أن تكون لنا مطامح كسائر البشر وأهـداف عليا نعمل من أجلها ونتنافس مع غيرنا من البشر لتحقيقها ؟
* هـل عـقـيدتـنا الإسـلاميـة بمـثل هذا السواد ؛ وتاريخنا الإسلامي بمثل هذا العار حتى نتهرب من تبعاتهما ونتخلى عنهـما - كما نـفـعل الآن - ونلهث وراء السراب فنضع ثقتنا كلها في الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة ؟
* هل صحيح أن منطقتنا قد وقعت وقوعاً لا رجـعـة فيـه تـحـت الهـيمـنة المطلقة لواضعي (النظام العالمي الجديد!) وأن ذلك أصبح قدراً مقدوراً وكتاباً مسطوراً ؟
هذه الأسئلة وغيرها نابعة من الواقع الذي نعيشه ، كل الأمم تحاول أن تجـدد في حيـاتها باستقـلالية ودون وصـايـة إلا نحـن ، لا يسمـح لـنا أن ننظر إلى المستقبل بأعيننا بل بأعين غيرنا، ولا يؤذن لنا أن نقرأ تاريخنا بعقولنا بل بـعقـول من صنعهم التبشير وعبيد الغرب، ولا يـراد لنـا أن نـعـيش بـشراً كـالبـشر بـل بـشراً منـزوعـةً عنهـم ممـيزات الـبشـر ،
أبناء المسلمين " لحم على وضم"(2) ودم مستباح مطلول لا يستقاد له ، وأموالهم نُهبى لكل طامع ، وغيرهم يمشي مرفوع الرأس عـلى أرضهـم ، مضمون الحقوق ، سالماً من المحاسبة على كثرة المخالفة ، بينما هم المتهمون في أرضهم حتى تـثبـت بـراءتـهـم ، وحالهـم اليوم ليـست بـعـيدة من الحال التي وصف فيه الشيخ محمد عبده أهل مصر في عهد حكم محمد علي وأسرته حيث قال .
"( أخذ ( أي محمد علي) يـرفـع الأسافل ويعليهم في البلاد والقرى ، كأنه كان يحن لشَبَهٍ فيه ورثه عن أصله الكريم ، حتى انحـط الـكرام وسـاد اللئام ، ولم يبق في البلاد إلا آلات له يستعملها في جباية الأموال وجمع العساكر بأية طـريقـة ، وعـلى أيـة وجـهـة.. فـمحق بـذلـك جمـيع عناصر الحياة الطيبة من رأي وعزيمة واستقلال نفسي لتصير البلاد المصرية جميعها إقطاعاً واحداً له ولأولاده على أثر إقطاعات كثيرة كانت لأمراء عدة .
ماذا صنع بـعد ذلـك ؟.. اشرأبت نفسه لأن يكون ملكاً غير تابع للسلطان العثماني.. فجعل من العدة لذلك أن يسـتعـين بالأجـانـب من الأوروبيين فأوسع لهم في المجاملة وزاد لهم في الامتياز خارجاً عن حدود المعاهدات المنعقدة بينهم وبين الدولة العثمانية ، حتى صار كل صعلوك منهم - لم يكن يملك قوت يـومه -ملـكاً من الملوك في بلادنا ، يفعل ما يشاء ، ولا يسأل عما يفعل . وصغرت نفوس الأهالي بين أيدي الأجانب بقوة الحكم ، وتمتع الأجنبي بحقوق الوطني التي حرم منها، وانقلب الوطني غـريـباً في داره، غـير مـطـمـئن في قراره، فاجتمع على سكان البلاد المصرية ذلان :
1- ذل ضربته الحكومة الاستبدادية المطلقة .
2- وذل سامـهـم الأجـنـبي إياه ليصل إلى ما يريده منهم غير واقف عند حد أو مـردود إلى شريعة"(3)
عجباً لهذه الأمة - الأمـة الإسـلاميـة! لـقد مَـرَنـَتْ عـلـى الظـلـم حتى كدنا نقول : إنها تستحلي طعمه ، وتجد في ممارسته عليها لذة وأي لذة ! وقــد شــاء الله لهـا هـذا المـوقـع لـتستـفيد العبر ممن يعبرها مُشرَقَّاً ومُغَرَّباً ، وتقطف ثمار التجارب دون كبير عناء ، ولكننا نكاد نـقـول : تحجـرت وفقدت الحس ، الأمم تمشي وهي واقفة ، والأحداث تتوالى وهي تقابلها بهز الكتفين . وفـي هـذا الـليل المـدلهـم ، يبزغ نور حق هنا ويرتفع صوت مخلص هناك ، سرعان ما يكبته الكابتون ليعود بعد ذلك صـوت ونـور آخر من حيث لا يحتسبون صارخاً في الأمة أن أفيقي فقد طال السبات ويكون مصداقاً واقـعيـاً لـقولـه صـلـى الله عليـه وسلم : "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك "(4) .
إن المسلـميـن ليـتطلعون - في هذه الفترة العصيبة - إلى تغيير يمسُّ الأسس التي تقوم عليها حياتهم المعاصرة، ولـن تجـديهـم بـعض التعديلات السطحية الي تجري للدعاية والخداع، ولا يحل عُقَدَهم ؛ ولا يطلق طاقاتهم إلا تجديد قائم على العقيدة الإسلامية ، وليس تقليداً لأفكار الغرب وصنائع الغرب وعبيد الغرب المفروضين عليهم بشتى الوسائل غير الأخلاقية الظاهرة والمستترة . لقد آن الأوان للمسلمين - في كل بلد - أن ينظروا إلى أنفسهم ويوحدوا جهودهم ويكثفوها للخروج مما هو مضروب عليهم ، وأن تكون لهم أهداف كبيرة ، وأن لا تشغلهم الصغائر والمثبطات التي ينفذ منها الشياطين ويستغلونها لضربهم وتفريق جمعهم .
"حتَّامَ نحن نساري النجمَ في الُّظلمِ"(5)؟!
الهوامش :
1- كثير من الناس يجادلون في هذه الدعوى ، وفي حججهم الكثير من الحق .
2- الوضـم : لـوح الخـشـب الـذي يقـطـع علـيه الجزار اللحم، وهذا مثل للذليل ولمن لا يستطيع ردَّ الظلم عن نفسه .
3- من مقال للشيخ محمد عبده بمناسبة مرور مئة سنة على تسلم أسرة محمد علي الحكم في مصر ، أنظر الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده 1/721 .
4- صحيح مسلم 3/1523 ط محمد فؤاد عبد الباقي .
5- صدر بيت للمتني ، وتكملته : وما سراه على خفٍ ولا قدمِ .


مجلة البيان، العدد (45)، جمادى الأولى  1412،نوفمبر 1991 .