|
(1)
عندما قلنا في العدد الأول من "البيان" إننا ملتزمون بمنهج أهل السنة ، لم
يكن هذا منا رفـع شـعــار أو تمحور حول شكل حزبي ضيق ، نتعصب له وندافع عنه
بالحق والباطل، فهذا المنهج فـي الـفـهم، والاستدلال أكبر من هذا وهو
التيار الوسط الذي استمر خلال العصور بعيداً عن الغلو والتقصير ، وبعيداً
عن التأثر بالمناهج التي وفدت على المسلمين مبكراً سواء جاءت من الشرق
الفارسي الهندي أو من الغرب اليوناني. وهذا المنهج هو الذي يمثل الفهم
الصحيح للكتاب والسنة، والمسلمون أفراداً وجماعات ملزمون باتباع هذا المنهج
والبحث عـن أصـوله وتفاصيله، والاقتراب منه ما أمكنهم ذلك، لأنه هو الذي
يصحح المسار ويصحح المفاهيم وليس للمسلمين خيار في ذلك.
في هذا العدد سـيرى القارئ أننا نبين ونوضح زيف طريقتين في الهجوم على
السنة وأهل السنة :
طريق أهل الاستغراب الذين نهلوا من ثقافة الغرب وراحوا يتشدقون بالمنهجية
والموضوعية كطريق بعضهم الذي راح يعيث فساداً بالكتابة عن الإسلام ،
وبأسلوب دعيّ سمج ، يزعم فيه امتلاك وسائل النقد لكل ما هو موجود تحت يده
من النصوص (نصوص القرآن والسنة) وكل تراث الإسلام ، وما إن سمع به أصحاب
الاتجاهات اليسارية أو العلمانية أو قُل أي عدو للإسلام حتى طبلوا له
وزمروا ، وأطلقوا عليه لقب (مفكر إسلامي) وبدأوا بــنــشــر المقالات عنه
وعن كتبه في مجلاتهم وصحفهم ، وسيقال للشباب المسلم (وخاصة في أوربا) هذا
رجل يكتب بموضوعية وهو أستاذ في (السوربون) ، ولذلك كان لابد من الكتابة
عــن محمد أركون .
هـذا فـي الـغـرب وفي المشرق هناك أساتذة جامعات مشهورون ، لهم مؤلفات
يتبعهم عليها كثير من الشباب ، ولكن دأبهم الذي وهبوا حياتهم له هو محاربة
الاتجاه (السلفي) ، هذا الصنف من المشايخ يظن أنه أعلم من غيره لأنه مدرس
في الجامعة ولذلك يجب على الكل أن يستمعوا له ويصيخوا ، فراح يكتب بجرأة
عجيبة وبأساليب ملتوية مهاجماً منهج أهل السنة ، وكأن الحقد والحرب واحدة ،
سواء جاءت من رجل صفيق كأستاذ السوربون ، أو جاءت من شيخ كالذي كتب عن
(السلفية) منتقداً لها بغير حق ، صاباً جام غضبه على (ابن تيمية) ، زاعماً
أن هذا الاتجاه المبارك - اتجاه التمسك بالكتاب والسنة اللذين هما المحجة
البيضاء - اتجاه خاص بابن تيمية وليس اتجاه خير القرون.
إن الأمر وصل إلى الحد الذي لابد فيه من التصريح بعد التلميح، ولا يجوز
السكوت عنه، خاصة عندما تكون الأسماء لها شهرة واسعة بين أوساط المسلمين،
وقديماً قـيل : "من ألَّف فقد استُهدف" . ونحن من جهة أخرى نرثى لحال هؤلاء
لأن منهج أهل السنة في الفهم والاستدلال هو الذي سينتصر بإذن الله.
((واللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ولَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَعْلَمُونَ))[يوسف:21] .
(2)
عندما ندافع عن منهج (أهل السنة) فـي النظر والاستدلال وفي طريقة التفكير ،
وفي مصادر المعرفـة، إنـمـا نـفـعـل ذلك لاعـتـقـادنا الراسخ أنه لا يوجد
منهج غيره يوصل إلى أهداف الإسلام، فالمنهج الكلامي الاعتزالي يوصل إلى
الجدل، والمناظرات والردود، وتأليف الكتب الجافة، ويـظـن أهـلـه أنهم إذا
حرروا هذا التعريف أو ذاك المصطلح فإن البشرية تسعد في حياتها، وشـبـيـه
بـهـؤلاء مـن يعيش بعيداً عن هموم الدعوة ومشاكل الناس ويؤلف الكتب الضخمة
في الحلول النظرية. وأمـا مـنـهـج الـصـوفـيـة الـذي يـعـتـمد على الذوق
والعرفان والخيالات والرؤى فهو أبعد وأضعف من أن يؤدي إلى إعمار الأرض
والـتـمـكـيـن فـيها كما يريد الله منا ، ولذلك كانت أعظم معجزة للرسول -
صلى الله عليه وسلم - هـي مـعـجـزة القرآن »ما من الأنبياء من نبي إلا وقد
أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر وإنمـا الذي أوتيته وحياً أوحاه
الله - عز وجل - إليَّ ، وأرجو أن أكون أكثرهم تـابـعـاً يـوم الـقـيـامـة«
[1/134] .
إن منهج أهل السنة هو الذي يؤدي إلى تقدم المسلمين ونهضتهم وعزهم ؛ لأنه
منهج يفضل العمل على الكلام، والتطبيق على النظري. وقد فقه الإمام مالك -
رحمه الله - هذا المنهج عن التابعين والصحابة فقال : »لا أحب علماً ليس
تحته عمل« وقال مسروق : "سألت أبيّ بن كعب عن شيء فـقـال : أكـان بعد (هل
وقع) قلت : لا ، قال : فأجمّنا (أرحنا) حتى يكون ، فإذا كان اجتهدنا لك
رأينا" (1) .
والـصـحـابـة فـهـمـوا هـذا مـن مـنـهج القرآن ((يَسْأَلُونَكَ عَنِ
الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ والْحَجِّ))[البقرة:189] ؛
فوقع الجواب بما يتعلق به عمل .
وسئل - عليه الصلاة والسلام - عن الـسـاعـة، فقال للسائل : »ما أعددت لها
؟« ومنع من النظر في الأمور التي لا يقدر عليها العقل »تفكروا في خلق الله
ولا تفكروا في الله« وإنما كانت عناية السلف بعد تحصيل العلم الذي لابد
مـنـه بـالجـهـاد وتـفـقد العامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، »وليس
في القرآن من الأمر بطلب العلم الزائد عـلـى الكـفاية مثل ما فيه من الثناء
على الخاشعين في الصلاة الصابرين في البأساء والضراء ، وكذلك الحديث فإن في
الصحيحين والسنن الثلاث والموطأ ثمانية وستين حديثاً في الحث على الجهاد
..«(2) .
وهذا المنهج في الرأفة والرحمة بالخلق ، ومعرفة ما ينفعهم وما يضرهم
كـمـثـل طبـيـب زار مريضاً فرأى مرضه فدلّه على شراب ودواء معين وأمره
بنظام في الطـعـام والـشـراب فـأطـاع المريض فشفي، ولكن الفيلسوف يسلك طرقاً
طويلة، إذ يتكلم عن سبب المرض وصفته وذمه وذم ما أوجبه ، ولو سأل المريض
عما يشفيه لعجز عن الإجابة(3) .
هذا المنهج في استقراء الجزئيات للوصول إلى الـقـواعـد العـلمية العملية هو
الذي جعل عند علماء المسلمين الاستعداد للبحث التجريـبـي العـمـلـي، ولـذلك
ظهر فيهم مثل ابن النفيس وابن الهيثم، ولكن عندما نُكسوا على رؤوسهم ورجعوا
إلى الجدل وعلم الكلام ضاعت منهم الفرصة وأخذها الأوربـيـون، وساروا بـهـا
طويلاً وخرج منهم من يطلب تربية الأطفال على الشيء العملي النافع (جون ديوي)
وتقدمـوا في العلوم المادية تقدماً هائلاً بينما كان المسلمون على استعداد
لهذا لو أنهم تبعوا مـنهـج أهــل الـسـنة ، كما قال الإمام مالك : "وأكره
أن ينسب أحد حتى يبلغ آدم، ولا إلى إبراهيم ، ومن يخبره مَن بينه وبين
إبراهيم ؟!" (4). فالإمـام مـالـك لا يحـب عـلـماً غير محقـق ولا يفيدنا
شـيـئـاً مثل أن يسلسل نسب شخص إلى آدم - عليه السلام - وهــذا ما يـطــالب
به علماء التربـية في العصر الحديث في تعليم الأطفال، والعجب أن يأتينا في
هذا العصر من يريد إرجاعنا إلى عـلـم الكلام والجدل، وهو الذي أضعف
المسلمين عن أن يكونوا هم السابقين إلى إعمار الأرض واستخراج العلم النافع
ويكون هذا سبباً في نشر الإسلام.
الهوامش :
1- كتاب العلم لزهير بن حرب ، 127.
2- ابن الوزير : العواصم و القواصم 2/427.
3- نظريات ابن تيمية في السياسة والاجتماع ، 1/116.
4- الجامع لأبي زيد القيرواني ، 259.
(3)
لـم يـشـعر السلمون أنهم بحاجة ، إلى منهج يضبط أقوالهم وتصرفاتهم كما
يشعرون في هذه الأيام ، حيث أثبتت الأحداث الأخيرة أنه بغياب هذا المنهج
ضاعت الرؤية الإســلامـيـة الصحيحة ، وغاب الوعي عن خطورة الأعداء ، ووضح
العجز عن اتخاذ موقف يــرضــي الله سبحانه وتعالى ، موقف تاريخي لتعلقه في
بأحداث كبيرة لها شأن في مستقبل الأمة.
وللمرة الثالثة نعود لنؤكد أن المنهج الصحيح هو منهج أهل السنة ، فهو
العاصم من الـزلل وهو الذي يهدي في حالك الظلمات ، هذا المنهج هو الذي جعل
أبا بكر الصديق -رضـــي الله عنه- يقف من حركة الردة ذلك الموقف الصلب حتى
أذعن له بقية الصحابة ، وهـو الذي عصم الإمام أحمد حين تساقط كثير من
الشخصيات، وهو الــذي جــعــل ابن تيمية يصمد للتتار في دمشق حين صمم أهلها
على تركها خوفاً من الدمار الزاحف ، وحين فكر العلماء أنفسهم بترك دمشق ،
وقد ذكرهم ابن تيمية بغزوة الأحزاب وأن النصر للمسلمين.
إن التمسك بهذا الميزان العادل والقسطاس ليس صعباً ولا هو من الأمور
المستحيلة بل كما قال تعالى: ((وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القُرْآنَ لِلذِّكْرِ
فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ)) فهو يسير على من يسره الله عليه ، وعسير على من لم
يوفق لذلك لضعف في الرأي أو هوى خفي ، أو لجهل في فقه الكتاب والسنة ،
ومبادئ الإسلام الكبرى في السياسة والحكم في الحرب والسلم ، وفي تقدم الأمم
ورقيها ، وسنن الله في فشلها وذهاب ريحها.
إن هذا المنهج ليس للذين يقيسون الأمور بآرائهم، ويــسـمـونـها (اجتهاد)
دون علم شرعي دقيق ودون فقه للولاء والبراء ، ولا هو للذين يبترون
الـنـصـــوص مع قلة معرفتهم بالواقع ومعرفة مناط الحكم ، والذين يتكلمون عن
المصلحة لا يمـلـكــون وسائل الاجتهاد ، فكيف يجتهدون في أمور خطيرة؟! هلا
استشاروا قبل أن يقدموا ، وهــلا دقـقــوا في تحقيق المناط والإحاطة بكل
جوانب القضية ، وماذا يقول قادة الرأي وزعماء الأمة حــيــن يـتــركـــون
شعوبهم تتيه في بيداء الأوهام وهم المكلفون بقيادتها إلى مواقف العزة
والكرامة ، وإذا كانوا هم الرواد فإن الرائد لا يكذب أهله.
إن الـتـمـسـك بالمنهج عند بعضهم كان نظرياً وعندما جاء التطبيق ابتعد
كثيراً عن الأصل، بــل إن بـعـضهم لا يحبون امتلاك منهج ما لأن هذا يتعبهم
، وهم تعودوا التنقل حـسب المزاج وما يسمونه (المصلحة) وهل هناك مصلحة غير
مستنبطة من فقه الكتاب والــســـنـة وتــطــبـيـقـات هــذا الفقه عندما كان
المسلمون يعيشون في ظل الاستعلاء الإيماني اللهم لا مصلحه إلا في هذا الفقه
ولابد من العودة إلى هذا المنهج.
مجلة البيان، العدد (35-36-38)، جمادى
الآخرة-رجب-رمضان
1411،يناير-فبراير-أبريل
1991 . |