|
من صفات الرسول -صلى الله عليه وسـلـم- الـتـواضـع والبعد عن التكلف ، وقد
انطبعت رسالة الإسلام بهذا الخلق الذي هو انعكاس للفطرة السليمة . وليـس
أضـر عـلـى الـدعــوة الإســلامية مـن التـقـيـد بالرسوم والأشكال التي
تعتبر حاجزاً بين كلمة الحق ووصولها إلى الناس.
والذي يدرس حركة انـتـشـار الإسـلام فـي الـعالم سيظفر بهذه السمة تميز
سلوك المسلمين الأوائل بوضوح وجلاء ، فقد حملوا هذه الدعـوة بحرارة وقوة ،
هي صفة الإيمان العميق ، وببساطة وعفوية هي ميزة الخلق البعيد عن التعقيد ،
وصفة النفوس الجادة التي لا تنشغل بالترف - بكل أشكاله - عن الحقائق.
إن الجنس العربي الذي حمل عبء الدعوة إلـى الله قـد اخـتـاره الله لأسـباب
كثيرة يعلم الناس منها ويجهلون ، ومن هذه الأسباب أنه جنس فطري لم يتلوث
بأمــراض الـمدنيات التي أفسدها الإنسان بغروره وجهله بنفسه ، ولم تقتل
حيويته الفلسفات الجامدة والرسوم الـمتكلفة التي قيدت كثيراً من البشر
وتحكمت فيهم. ولذلك لم يكن يعبأ المسلمون الأوائــل بكثير مما تواطأ الناس
عليه من عادات ومراسم حين كانوا يجدونها تخالف ما أمرهم الله ورسـولـــه به
، ولم يكترثوا بتحليل الناس وتحريمهم إذا لم يكن لذلك برهان ودليل مما
أنزله الله أو قــرره رسـوله. وليست هذه الكلمة مخصصة لإبراز خصائص الجنس
العربي؛ ولكن الغرض منها هو الـتنويه بهذا الخلق الأصيل وهو البعد عن
التكلف في الأمور كلها. لقد ابتعد المسلمون شيئاً فـشـيـئـاً عن فهم
الإسلام ، ودبت فيهم أمراض اجتماعية وثقافية كثيرة ، ومنها تأثرهم بما وفد
عليهم من أفكار غيرهم من الأمم. وهذا هو الواقع الذي كان ومازال ، والذي
ينبغي أن لا ينكر أو يجادل فيه ، لقد تراكمت مؤثرات أجنبية وأساليب غريبة
لا علاقة لها بالإسلام، وليست من روحه أو من أصوله ، فحالت بين المسلمين
وبين التفاعل مع الحياة بما يمليه عليهم الصحيح من أصول دينهم ، وأصبح
المسلمون يحاربون في جبهات ثلاث:
جبهة أعداء الإسلام الخارجيين.
وجبهة أعدائه الداخليين.
وجبهة الأفكار الدخيلة التي اعتنقها المسلمون بحسن نية.
وقد تكون هذه الأخيرة أشد الجبهات.
إذا رجعنا إلى هدي النبي فإنـنـا نـجـد أن سيرته -صلى الله عليه وسلم- كانت
حرباً على التكلف حـيـثـمـا كـان وفـى أي صـورة وجـد، الـتكـلـف في الأقوال
والأفعال، والتكلف في المعـيـشـة، فـقـد ذم الـرسـول الكـريـم-صلـى الله
عـليه وسلم- الثرثارين، والمتفيهقين وذم التنطع، وكان يجلس حيث انتهى به
المجلس ، ويـنـهى أن يسلك معه في توقيره وإطرائه مبالغات الأعاجم، ولم يكن
يتميز عن أصحابه بلباس أو شارة ، وكان طبعه أن يشارك أهل بيته أعمالهم ،
ويشارك أصحابه نشاطاتهم ، ولم يكن الدين عنده مظهراً وهنداماً لا يصح
الإخلال به؛ بل حقيقة قلبية ، وسلوكية نابعة من ذلك تفيض خيراً لمصلحة
الجماعة.
ما الذي نحتاجه اليوم في حياتنا الحاضرة من ذلك؟.
إننا نحتاج إلى عـزمـة صـادقـة نـصـارح بها أنـفـسنا لنرى حيثما التفتنا
حولنا أكداساً من الأعراف الـثـقـيـلـة التي تراكمت على الصورة الصحيحة
للإسـلام، هـذه الأعـراف الـتـي اختلطت بالعـقـائـد والأخـلاق الإسـلامـيـة
حـتى أصبح من الصعب على كثير من المسلمين التمييز بين ال0أصيل والدخيل ،
والضروري وغيره.
إن كثيراً من هذه الرسوم والأشكال جاء عن طريق المدنـيـات الوثـنـيـة ،
وتبناه المسلمون في فترات مـتعاقـبة ، فأعاقهم عن النهوض وعمل على شل
حركتهم ، وأوضح مثال على ذلك الـدولـة العثمانية ، فقد ورثت هذه الدولة من
الأعراف الجامدة والشكليات المكبلة - سواء من الإمبراطوريـة
الـبـيـزنـطـيـة المغلوبة ، أو من الشعوب الكثيرة التي انضوت تحت حكم
العثمانيين - ما أثر في بقائها ، وساعد على ضعفها فيما بعد ، ثم على
انتهائها.
ونحن إذ نذكر ذلك نذكره لاستـنـباط الدرس الذي يفيد في الدعوة الإسلاميـة ،
فلن تنجح هذه الدعوة إلا بمنهج يشكل نبذ التكلف أحد أعمدته الرئيسية ،
اقتداء بـسيـرة محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- ، التكلف الذي يقيد
العمل ، ويهمل الـجـوهر ، ويلتفت إلى ما لا ينفع، إما لسهولته، وإما لسهولة
خداع الناس واسـتـرضـائـهـم بـواسطـتـه، هذا التكلف المقيت الذي يهدر طاقات
الأمة فيما لا يجدي ولا يثمر غير الخـيـبـة والـغـفـلـة ، التكلف الذي يجعل
أمة تنفق الألوف المؤلفة على الجوانب التافهة ، وتقتر إلى أبعد حدود
التقتير على الجوانب المهمة.
إن الأمم التي تبنى المسارح والمسابح ومدن الملاهي ، وتستورد الفرق الفنية
من كل جهات الأرض من جهة ، وتهمل التفكير الجدي في حل معضلة إطعام شعوبها
حتى لا تلجأ إلـى استجداء البنك الدولي والدول الغنية من جهة ثانية؟ لهي
أمم غارقـة في بـحـار الـتـكـلـف مكبلة بأغلاله ، وهى حين تخسر الملايين
على مثل هذه الترهات التي تشغل شعوبـها بها لا تخسر مالها ومدخراتها فقط؛
بل تخسر شعوبها وكرامـتـهـا، ولا يـبـقـى لـهـا من شيء تفتخر به إلا
الأكاذيب التي لن يصدقها أحد.
لا مخرج لنا، ولا أمل في تحسن الحال ما لم ننفض عنا أردية التـكـلـف،
وأثـواب الزور، وأن نصـدق مـع الله ثـم نكـون صادقـيـن مع أنـفـسـنا فنبحث
عن عللنا ونعترف بها، وإلا فالبديل عن ذلك هو الفضيحة.
ألم يشر النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلـك بقـولـه: »المتشبع بما
لم يعط كلابس ثوبي زور«؟!.
ونختم ما نحن فيه بما علقه الشيخ محمد حامد الفقي في كـتـاب (اقتضاء الصراط
المستقيم) ص 150 ، من كلمة حق مشرقة ، حيث قال:
(.. والحق الذي لاشك فيه: أن الشيطان ما ركب إلى الأمة الإسـلامـيـة
لإفسادها إلا مطايا منافقي العجم ، من فرٍس، وهند ، وروم ، حتى أكبهم على
وجوههم فيما هم فيه اليوم ، من انحلال ووهن ، في العقول والقلوب ،
والاختلاف في العقائد ، والتفكير ، والأعمال. ولا صلاح لهم؛ ولا علاج مما
هم فيه إلا بأن يعودوا عربا في لسانهم،وتفكيرهم،وأخلاقهم، ليفقهوا القرآن ،
ويعرفوا هداية الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فيكونوا بها مـسـلـمـيـن
يستحقون أفي يحقق الله لهم ما وعد المسلمين الصادقين).
مجلة البيان، العدد (22)، ربيع
الأول 1410،اكتوبر
1989 . |