عواقب التبذير

هـل المـسـلـمـون فقـراء ؟ وهل صحيح أن الله حرمهم حيـث وسَّع على غيرهم؟ ، سـبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
إن فضل الله على المـسـلمـين لا حـدود لـه ، ولا يحـيـط به وصف ، وإن ما حباهم به من الخير تتحلب له نفوس غيرهم ، وتتكالب على الظفر ببعضه القُوى من شرق وغرب.
إذن ، فما سر هذا الضنك الذي يعيش به المسلمون ، ومـاذا وراء هـذا الهـوان الذي يلفُّهم حينما تُطرح قضاياهم على موائد المساومات؟!
إن هذا السؤال يقضّ مضجع كل مَن يحمل قلباً من المسلمين ، ويؤرقه ليل نـهـار بحثاً عن الجواب.
وعلى كثرة الأجوبة وتشعبها ، ومن خلال تجميع الأسباب للخروج بنتيجة يمكن إبرازها ؛ فـإن هـنـاك ظـاهـرة تصـب في أسـبـاب الـضـعـف والـتـراجع ، ألا وهي ظاهـرة التبذير
والإسراف.
وحينما نقول: ظاهرة ؛ فإننا نعني أن الأمر خرج عن أن يكون مسلكاً فردياً لقلة من الأفراد لا تأثير لهم في المجتمع الكبير. ولو كان الأمر كذلك لما استحق أن يُنَوَّه به كسبـب رئـيسي من أسباب التخلف والانحطاط.
ونـريـد أن نـتـقدم خطوة أخرى فنقول: إن من شأن البعيدين عن هدْي الإسلام والقرآن إذا اغتنوا أو ملكـوا شـيـئـاً من أسباب القوة أن يدفعهم ذلك إلى الإسراف والبطر والتعالي على خلق الله ، وعيش اللحظة الراهنة دون تفكير بالعواقب ، ولا وضْع النهايات في الاعتبار.
ولكن حديثنا لن يتجه إلى هؤلاء ، وإنما يعنينا أن نتوجه إلى من يفترض فيهم بُعد النظر ، وعدم الاغترار باللحظة الـعـابـرة ، وهم الـذيـن يهـمـهم أمـر المسلمين ، ويعيشون من أجل الفكرة الإسلامية ، لها يعملون ، وفي سبيلها يضحون.
يحسن بالمسلم أن يفرق بين الكرم - الذي هو خلق أصيل من الأخـلاق الإسـلامـية - وبين التهور في التبذير.
فكثير من فضلاء المسلمين يدفعهم الخوف من وصفهم بالبخل ، وحرصهم على أن يوصفوا بالكرم إلى أن يتكلفوا في المأكل والمشرب والملبس والمركب ، ويقلدوا من يطفون على صفحة المجتمع من محدثي النعمة ، وعندما تتحول القيادة الفكرية في مجتمع ما إلى مثل هؤلاء الذين يضربون أسوأ الأمثلة للآخرين ، في غيبة المبادىء التي تعمل على تماسك المجتمع في وجه الرياح التي تهب عليه من كل جانب ؛ فأي خير يبقى في الحياة ، وأي أمل في تحسن الأحوال؟!
إن المجتمع المسلم بحاجة إلى مثل أعلى في هذا المجال غير من تمــلأ أخـبارهـم أعـمـدة الصحف والمجلات ، مثل أعلى في الحكمة والتعقل في مجال الإنفاق ، والبعد عن تضييع الأموال في ما لا يُجدي.
وعلى عقلاء المسلمين الانتباه إلى حسن التدبير والنظر إلى مستقبل الدعوة الإسلامية ، فهذه الدعوة إذا تحسن حالها بما يبذله المحسنون في سبيلها عن طريق التبرع والإحسان ؛ فإن حالها سيكون أحسن إذا قامت مشاريع ومؤسسات صلبة قادرة على الـوقـوف بذاتـهـا دون الاعتماد المتواصل على الصدقات والهبات - وهذا ليس تعريضاً أو تشهيراً بالصدقات - وأول خطوة في سبيل ذلك أن ينهض بهذا الأمر أناس ينفرون من المظاهر ، ويتحرون البعد عن التنطع الذي يمحق البركة.
فـالـبـركة في المفـهـوم الإسلامي ليست أمراً خيالياً يصعب تعليله ، وإنما هي ثمرة الجهد الذي يصدر من أنـاس أخلـصـوا نـيـتهم لله ، وتبرؤوا من كل حول وطوْل إلا من الاعتماد عليه في كل شأن من شؤونهم ، وبذلـوا وسعهـم ، وحـيـن يعـلـم الله - سبـحـانه - صدق تجردهم ، وبذلهم جهد طاقتهم يجعل الله لقليلهم ثمرة ، ويـبـارك جهدهـم ، كـمـا قـال تعالى: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ومَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُـهُ فَلْيُنفِقْ مِـمـَّا آتـَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً))[الطلاق:7].
فما بالك بالكثير المثمَّر؟ ، في حين يمحق - سبحانـه - جـهـود من يحادّونه ويصدون عن سبيله ولو كان القناطير المقنطرة التي تُنفق من أجل ذلك ؛ مـصـداقـاً لقوله - عز وجل -: ((إنَّ الَذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ والَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ))[الأنفال:36].
إننا لا نأتي بجديد إذا دعونا المسلمين إلى الاقتصاد في النفقة والـبعـد عن تبديد نعمة الله فيما لا يعود بالفائدة ؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"إن الله يرضى لكم ثلاثاً ، ويكره لكم ثلاثاً ، فيرضى لكم أن تعبدوه ، ولا تشركوا به شيئاً ، وأن تعتـصـموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ، ويكره لكم قيل وقال ، وكثرة السؤال ، وإضاعة المال" [رواه مسلم 5:130].
وما لم يعلنها المسلمون - وأخص العرب مـنهم الذين أكرمهـم الله بـهـذا الـديـن ، وامـتـنَّ عليهم بأن جعلهم في سرة العالم ، وأتمـنهم على تبليغ هذه الرسالة للعالمين - أقول: ما لم يعـلنـهـا المسلمون حـربـاً على الـتـبذير في كل مجال فإن اليوم الذي ستغزوهم فيه منظمات الإغاثة قريب ، والساعة التي ستجعلهم في عـداد الـدول التي تتناوشها هذه المنظمات من كل جانب ، والبنك الدولي من جانب آخر تلوح في الأفق ، ومن يدري عندها ؟ فقد يحقق هؤلاء فتنة المسلمين عن دينهم ، وهو ما عجزوا عن تحقـيـقـه قـبلاً بقوة السلاح ، وأمامنا أمثلة حية من بنغلاديش وموزمبيق والحبشة وغيرها.


مجلة البيان، العدد (13)، ذو الحجة  1408،أغسطس 1988 .