|
أن يتداعى قوم مختلفون في وجهات النظر إلى مؤتمر أو اجتماع ليدلي كل بوجهة
نظره أمام الآخر، ويوضح جوانب من فكره، قد تكون خافية على الآخرين، لتكون
صورة الفكر الذي يحمله واضحة أمام الناس لا لبس فيها ولا غموض؛ فهذا لا
مانع منه، ولا بأس فيه. حيث إن هـذا لا يـعـدو أن يـكون تجليـة للـحق
المـنشود، وإزالة لأوهام قد تعلق في أذهان الآخرين بفعل مؤثرات شتى سابقة.
ولكن الذي ينعم النظر في كنه ما يسمى بدعوات التـقـريب بين النحـل والأديان،
ويستبطن حقيقتها سيجد أن هذه الدعوات - إن لم تكن ترمي إلى عكـس ما تـدعو
إليه - فهي على الأقل مشبوهة مدخولة.
وحتى يقـام الـدلـيـل على هذه الـدعـوى فلابد من تحليـل الأجـواء التي
تنبعث منها هذه الدعوات، ومن نظرة في حالة من يدعو إليها، ومن ينتدب
للمشـاركة فيهـا، ومن دراسـة جدوى هذه الدعوات سواء في صفوف من تعقد باسمهم؛
أو الجهة التي تنظم وتشجع مثل هذه التظاهرات.
لـو تتبعنـا الـظـروف والأجـواء التي تنشـط فيهـا دعـوات التقريب لسهل
علينا أن نرى أن الداعين إليها والذين يرجون قطف ثمرتها يعيشون في "مأزق"
وتحيط بهم "أزمة"،ويظنون أن دعوتهم قد تخرجهم من هذا المأزق وتنتشلهـم من
هذه الأزمـة. فمـا هو المأزق عند دعاة التقارب الإسلامي المسيحي مثلاً؟
إن دعوات التقـارب والحـوار الإسلامي المسيحي كلها تقريبًا نشأت في الجانب
المسيحي، ومع أن هذا الجـانب هو الغـالـب غلبة مادية؛ لكن من السهل إدراك
الأزمة التي يعيشها من يمثلونه، فقد وجدوا أن قرونًا طويلة من الصراع
والصدام مع الإسلام لم تحل مشاكلهم معه، ولم يلمحوا أن حملة العقيدة
الإسلامية يمكن أن يلينوا على العسف والقهر، ولم تبدُ عليهم آثار من تعب
المصاولة في حلبـات الـتذويب أو الـتشويه، بل يفاجأ هؤلاء - وهم في عنفوان
تسلطهم المادي وهيمنتهم - بالإسلام الذي عملوا على تجريده من كل قوة،وسخروا
لـحـرب أهـلـه كل أنـواع الأسلحـة، فنهبوا مقدراتهم، وضربوا وحدتهم، وبثوا
بينهم كل سموم العصبيات، وتجاهلوا ثقافتهـم، وأبـرزوا عـيـوبهـم، وكـبتـوا
محاسنهم، بل أظهروا محاسنهم في ثوب العيوب، وضربوا بين شعوبهم وبين الإسلام
بـالأسداد، على الـرغم من ادعائهم حرية الفكر يفاجئون بهذا الإسلام لا زال
حياً له نفس يعلو وجسم يتحرك. فكيف السبيل وما العمل؟!
هنـا يلبسـون جلـد الحَمـَل، ويقدمـون أنفسهـم على أنهم يريدون أن يفهموا
الإسلام، فقد اكـتشفوا كثيرًا من النقاط الإيجابية فيه وفي أهـلـه، ومن
الخسـارة أن تضيـع الـجهود في الحروب والصراعات، ولابد من اكتشاف نقاط
الالتقاء، وتضييق الفوارق، فتجوز الخدعة على بعض مفكري المسلمين، فيكتبون
البحوث التي غالبًا ما تكون مملوءة بالنفاق والتشويه والتمييع.
ومما له دلالة يحسن التوقف عندها أن الداعين لمثل هذه الندوات تجمعهم صفة
واحدة وهى خدمة المفاهيم الغربية، فهم إما أن يكونوا من السفراء السابقين
في الدول الإسلامية، أو من الـذين يدرسـون الإسلام في بعض الجامـعـات
الغـربية التي تقدم خدماتها لوزارات الخارجية هناك، أو من رجال الكنيسة
الذين يقومون بمهام التنصير في البلاد الإسلامية.
أما فيما يتعلق بالجانب الإسلامي فإن الذين ينتدبون للمشـاركـة غـالبـاً ما
يكونون إما من الـمفتين الرسميين، أو أصحاب مناصب لها شبهة تعلق بدين
الإسلام من الـذين تـرسـلهـم دولـهم كـي يدفـعـوا عنهـا تهمـة التعصب
والانغلاق، ويبرزوا بالنيابة عنها وجه الإسلام المتطور!
أما من حيث النظر في نتائج دعوات التقارب وندوات الحوار فإنها لا تؤدي إلى
شيء مما يسمى التقارب أو تضييق شقة الخـلاف، ولا تعطي أي نتـيجة عـمـلـية
على هذا الصعيد، اللـهـم إلا تحـقـيـق أهـداف الأذكيـاء من الـداعـين
إلـيها، كجمع المعلومات عن المسلمين، وتسجيل الشهادات التنازلية التي
يقيدونها عندهم كسـابقة يستشهدون بها فيما يستقبلون من أحـداث ومـشـاكـل مع
الـمسـلمـين، فتكـون هـذه الـشهـادات زيـادة في رصيدهم الذي يـستخدمونه
لـشـق الصفوف وزيادة الهوة بين إسلاميين: إسلام هو الإسلام، وإسلام آخـر
متطور يجتهـدون في إحـلالـه مـحـل الإسلام الشَّموس الذي ضاقت بهم السبل
والحيل في تأهيله وترويضه.
وتبقى وراء ذلك الخلافات كما هي، وهذا أمر طبيعي، فالقفز فوق الخلافات
العقائدية لا يحـلـهـا ولا يـذيـبـهـا، وتجاهـل قـرون متطـاولة من العداء
والصراع ذر للرماد في العيون، واستهانة بتاريخ كل من الإسلام والمسيحية،
فـضـلاً عن أنه من المستـحيـل الـتبرؤ من أي تاريخ إلا بالتبرؤ أولاً من
العقيدة التي انبثق منها وعنها ذلك التاريخ.
وقل مثل ذلك في ما يطرح من دعوات لإزالة الخلاف السني- الشيعي، فهي دعوات
كثيرًا ما تنبثق من الجانب الذي يواجه طريقاً مسدودًا، وتهدف إلى تسويق
أصوله لتكون مقبولة عند الـطـرف الآخر، هذا مع ملاحظة التساهل إلى درجة
السطحية والغفلة - إن لم نقـل الغباء - عند من يخـتـارون نـاطـقيـن باسم
أهل السنة، والمداورة والإيهام والعناد الذي لا يخفيه لحن القول عند محاوري
الشيعة.
على أن المثير فيما يتعلق بالحوار السني - الشيعي هو الجهل المطبق الذي يلف
الداعين إلى ذلك، لا الجهل فيما ينبغي أن يـكـون عليه تصـور المسلـم في هذا
الـعصـر، بل الجهل بحقيقـة عـقـيدة الآخـر وأسسهـا، والنظر إلى الخلاف على
أنه لا يعدو خلافًا على قضايا فرعية، أو على أمـور أخـرى عفّى عـليهـا
الـزمـن، فـمـاذا عـسـانا أن نقول فيمن يطرح - كمنطلقات لإزالة الخلاف -ما
يلي:
* نحن والشيعة متفقون على أن السنة هي المصدر الثاني بعد القرآن للتشريع.
*وأنه لا يمكن طرح مسألة الإمامة كمشروع معاصر.
*وأن مشكلة المهدي المنتظر ليست من الأهمية بمكان.
إلى غير ذلك مما يعكس عقيدته وفكره هو، ونظرته إلى سلبيات العقيدة الأخرى.
كيف يقال إن السنة والشيعة متفقون على أن السنة هي المصدر الثاني للتشريع؟
أية سنة؟! هل يعتد أحد الطرفين بما يسميه الآخر سنة؟! وترك البحث في
الخلافات وإثارتها يرضى به أهل السنة، ولكن هل هناك عاقل يظن أن الشيعة
ترضى به؟ إذن؛ لانهار أساس مكين من أسس عقيدتهـا، فلـو وقـع ظلـم على
شيـعـي من أي جهة حتى لـو كانت يهـودية أو مسيحية سرعان ما يتناخى القوم بـ
"يالثارات علي والحسين!"ولا حاجة للقول أن التشيع - كما آل معناه في هذا
العصر - يقوم على جملة أركان منها: البراءة واللعن، البراءة ممن، ولعن من؟!
وكيف يمكن التخلي عن فكرة الإمامة؟ أليست أصلاً من أصـول الـدين عند
الشيعـة تعـادل الإيـمـان بـالله وملائكتـه وكتـبـه ورسلـه واليوم الآخر
والقدر؟ والمنطق الإيماني يقول: إن الإيمان بهذه الأمور كل لا يتجزأ، وإن
كل الأصول الشيعية تنبع من مشكلة الإمامة وإليها تعود، وكذلك قضية المهدي
المنتظر، لو ترك القوم الاعتقاد بالمهدي لانهار ركن "الرجعة" وما ينبني
عليه ويتفرع منه - وهو كثير- عندهم..
ليس من مقصود هذه الكلمة أن تستقصـي الأصـول الـتي يخالـف فيها الشيعة أهل
السنة، ولكن الـهـدف هو إظهـار أن مقولة التقريب أسطورة من الأساطيـر، لـو
أنتجت نتـائجهـا المنطقية لجعلت كل طرف يتخلى عما هو أساسي في عقيدته،
ولتشكل من ذلك فريق ثالث لا هو سني ولا هو شيعي، فهل يمكن تصور وجود هذا
الفريق في المجتمع الإسلامي؟ نعم، إنه فريق "الإلحاد"، وإلا فالمشاهد أن
قضية "التقريب بين المذاهب لا تروج إلا في صفوف أهل السنة، نظرًا للكثـرة
العدديـة والانفـتـاح الـذي يعيشون فيه - إن لم نقل التسيب - والتعصب
والخوف من الآخر لم يوجد إلا في صفوف الطوائف الأخرى سواء على صعيدها
الشعبي أو الرسمي. وأمامنا تجارب من الماضي والحاضر على سبيل المثال لا
الحصر.
فدار التقريب التي كانت يشرف عليها مرجع إيراني هو العلامة "القمي" كانت في
مصر، في حين أنه لم يكن لهذه الدار ولو فرع واحد في أي جـزء من إيـران، وقد
يقال، من بـاب التذاكي والشطارة: إن حكومة إيران على أيام سيء الذكر الشاه
السابق لم تكن إسلاميــة، ولكن نقول: هل تغير الحال على عهد طيبي الذكر
حكـام إيران الحـالـيين؟ إن الـدستـور الإيراني منَّ على أهل السنة حين
اعترف بهم وجعلهم على سوية واحدة وفي مرتبة اليهود والـنصـارى والـبهائيين
والـزرادشتين، هذا في الـوقت الـذي لا نلحظ فيه هذا التفريق بين المسلمين
أنفسهم ولا بينهم وبين غيرهم في الماضي والحاضر في أي دستور آخر غير
الدستور الآنف الذكر.
وبعد...
فإن هذا الكلام لا يتوجه إلى أصحاب الأهواء والأغراض، وإنمـا يتجـه إلى
الـذين تسوءهـم حـال المسـلـمـين ومـا هـم عـليـه من الفرقة والضعف والتخلف
الذي نرى أن أسبابه ترجع بالدرجة الأولى إلى الجهل بعدة أمور:
* الجهل بحقيقة ما هم عليه من ديـن، وخلطهـم بين الأصـل والـفرع والواجب
والمسنون.
*الجهل بأعداء هذا الدين وتاريخهم ونفسياتهم ودوافعهم التي تحركهم.
*الـجهـل بـالـماضي كيف وقع، وبالحاضر كيف يسير، وعدم القدرة على ربط كل
حدث بالآخر ربط الأسباب بالنتائج، حتى طمع فينا كل طامع، ونعق بين ظهرانينا
كل ناعق.
إن بدعة التقريب والتقـارب شـأنها شأن البدع جميعًا، تقدم نفسها على أنها
خدمة للحق والحقيقة، وجهد في سبيل الله، ولكنها - علم ذلك مبتدعوها
والمدندنون لها أو لم يعلموا - جهد في سبيل الشيطان.
مجلة البيان، العدد (12)، شوال 1408،يونيو
1988 . |