إن الحمد لله نحمده
ونستعينه ونستغفــره ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات
أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا
إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد:
فإن الدعوة إلى الله هي
مهمة الرسل عـلـيـهـم الصلاة والسلام ، ثم هي مهمة أتباعهم عبر القرون ،
فما بعث الله نبياً قط إلى قومه إلا بـادأهـم بهذه الكلمة المدوية: ((اعْبُدُوا
اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إلَهٍ غَيْرُهُ)) ، ثم ينطلق في تغيير جميع
الانحرافـات الـسـيـاسـية أو الاقتصاديـة أو السلوكية أو غيرها ، من منطلق
العقيدة.
ومنذ وجدت البشرية على
الأرض ، والصراع بين الحق والباطل ، والخـيـر والشر قائـم لا ينقطع ،
والصدام بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان دائم لا يزول ، فريق نـصـب
نـفـسـه داعية للنوازع الأرضية ، والشهوات النفسية والجسمية ، ورهن حياته
من أجل إرساء كل ما له علاقة بتقديس الذات ، وبعث غرائز الأثرة والتسلط
والقهر لغيره ممن يستـضـعفـهم، وفريق - وهو القلة والصفوة - نصبوا أنفسهم
للوقوف في وجه تيار المفاسد المندفـعـة الـتـي تحط من قيمة الإنسان -
كمخلوق كرمه الله - وأنـفـقـوا حـيـاتهم وما يملكون من أجل أن يصعدوا بهذا
الإنسان إلى القمة ، وينقذوه من الضلال عن مـنـهـج الله ، ومـن الـشـهـوات
وعواقبها التي تتمثل بالشقاء الناتج عن فقدان الطمأنينة والأمن عـنـدمــا
يعجب الإنـسـان بعلمه ورأيه ويكتفي بذلك منقطعاً عن توجيه الله وهدايته.
هذا الفريق هم الأنبياء
والرسل والمصلحون الذين ساروا على طريقهم واتخـذوهم قدوة ومثلاً أعلى لهم.
وإن جوهر دعوة الرسل
وأتباعهم واحد لا يتعدد ، وكل ما أمروا به من صـالـح العـمل وما نهوا عنه
من فاسده مرتبط بهذا الجوهر ارتباط النتيجة بالسبب ، وجوهر هذه الدعـوة هو
إثبات وجود الله عز وجل ، وإفراده بالعبادة:
((ولَقَدْ بَعَثْنَا فِي
كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ واجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
فَمِنْـهُــم مَّـنْ هَــدَى اللَّهُ ومِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
المُكَذِّبِينَ)). (النحل 36).
((ومَا أَرْسَلْنَا مِن
قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إلاَّ نُوحِي إلَيْهِ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ أَنَا
فَاعْبُدُونِ)). (الأنبياء 25).
ولقد كانت الوظيفة الأساس
للدعاة والمصلحين هي تبليغ الناس وإرشادهم إلى هــذه الطريق التي سلكها
أنبياء الله ورسله ، وكانت هذه الوظيفة نتيجة تـفـاعل حي بين هذا الـركــب
الكريم وبين المجتمعات التي عاشوا فيها ، فقد برزت عـنـاصـر الـدعــوة
مـتـمـثلة بنماذج واقعية للعمل الصالح.
ورسالة الإسلام ليست بدعاً
بين الدعوات ، بل هي الرسالة المتضمنة لكل ما في الـرسالات السابقة من
عناصر ليست مرتبطة بزمن معين وجماعة محددة ، فجاءت رسـالــة الإســلام
حينما بلغت البشرية سن الرشد ، لتكون شاملة للنشاط البشري برمته من جمـيع
زوايـــاه، سواء من جهة العقيدة أو السلوك أو التشريع.
وإن الذي ينبغي أن يتنبه
إليه الدعاة من المسلمين هو هذه الحقيقة البسيطة الـواضـحـة في معناها ،
والكبرى في دلالتها ، وهي أن الإسلام هو الحق ، وأن ما عداه هـو الـباطل
وقــد حسم الله في كتابه هذه الحقيقة فقال:
((ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ
الإسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ
الخَاسِـرِينَ)) (آل عـمـــران 85).
((وأَنَّ هَذَا صِرَاطِي
مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ولا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ
عَن سَبـِـيـلـِهِ ذَلِكُـمْ وصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)) (الأنعام
153).
وقد أناط الله كلمة إنقاذ
البشرية بهذه الأمة فقال:
((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ
المُنكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ...)) (آل عمران110).
وإذا لم تكن هذه الأمة
على مستوى المسئولية التي أنيطت بها ، والأمـانـة التي أسـنــدت إليها ،
فإن هذا نذير لها بالضعف والاضمحلال.
غير أنه من فضل الله على
هذه الأمة أنه لا يخليها من طائفة قائمة بـالحــق تدعـو إليه لا يضرهم من
خالفهم أو من خذلهم حتى تقوم الساعة وهم على ذلك.
هذه الطائفة هي الدعاة
إلى الله ، الذين امتلأ بهم تاريخ هذه الأمة ، وحـفــلـت بـأخبارهم
صفـحـاتـه المـجـيـدة ، وهــم ورثـة الأنبياء الـذيـن يحملون هذه الدعوة
جيلاً بعد جـيـل، ويبلغونها بكل أمانة ، لا يعبأون بالصعاب التي تـعـتـضهم
، ولا بالشياطين والطغاة الذين ينصبون لهم شتى أنواع العداوة والكيد
والإرصاد.
وإن مهمة الدعاة الأولى
هي التبليغ ودعوة الناس إلى هدي الله ، وهذه المهمة العظيمة لا بد أن
يرافقها وعي دائم ومتجدد بحاجات الناس وتغير أساليب مخاطبتهم.
وفي هذا العصر نجد أن
الدعوات الهدامة قد استخدمـت كــل الوسائل المعروفة في مخاطبة الناس
والتأثير على عقولهم ، بل استحدثت وسائل جديدة هـدفـهــــا الهيمنة على
حرية التفكير والاختيار ، في الوقت الذي تدعي فيه تَبَنِّي هذه الحرية
والـعـمــل مـن أجلهــا في الوقت الذي لا تزال فيه أساليب الدعاة مقتصرة
على الوسائل التقليدية ، ولا يزال الجهد الأكبر للدعاة منصباً على الخطب
والمواعظ التي تستهلك الجهد ، وتستنفذ الوقت بـعـيـداً عن التخطيط والإعداد
ودراسة حاجات كل مجتمع على حدة ، وعناصر تكوينه ومحاولـة الكشف عن أنجح
الوسائل التي تفيد في جعله أكثر استجابة.
ونحن لا نريد التهوين من
شأن الخطب والمواعظ ، ولكننا نقصد الـتـنـبـيـه إلى أن الاقتصار على هاتين
الوسيلتين فيه هدر للطاقة ، وتضييع للجهود وتخلف عن ركــب العـصر وعدم
تلاؤم القضايا المطروحة - مهما كانت مهمة ومصيرية - مع تفكير الناس
وشـعـورهم إذا ما اقتصر عرضها على مثل هذه الوسائل.
ونظرة فاحصة إلى حصاد
الدعوة الإسلامية في العصر الحديث ؛ ترينا كـيــف أن تخـلــف الدعاة في
استخدام الوسائل الفعالة نتج وينتج عنه تخلف في تحقيق الأهداف.
وبينما نجد إعلام الكفر
بشتى أشكاله إعلاماً منظماً مدروساً ؛ يؤسـفـنـا أن نــرى الإعــلام
الإسلامي إعلاماً قائماً على الفوضى ، مستغلاً في بعض جوانبه من أجـل خدمـة
أهداف لا علاقة لها بجوهر الدعوة ، وفي أحسن أحواله إعلام يصدر عن نوايا
حسنة ولكنه بعيد عن كل تخطيط أو دراسة.
في هذه الأجواء ، ومن
خلال هذه الظروف تصدر »البيان«:
1- لتكون صوتاً من أصوات
الحق في الأرض ، ولساناً معبراً عن الإسلام كـرسـالــة خاتمة تخاطب الناس -
كل الناس - في الأرض - كل الأرض.
2- ولـتـكــون بياناً
يتضمن توضيح الأهداف والغايات التي يتطلع إليها الدعاة والمخلصون ويـسـاعـد
فـي الـبـحــث عـن الوسائل الصحيحة التي غرق في دوامتها كثير من الكتابات
الإسلامية في عصرنا هذا.
وهي إذ تعتمد هذا
الـسـبـيــل فإنها تسترشد بالبيان القرآني ، وأدب التعبير النبوي الذي وازن
موازنة دقيقة بين دقة الخـطــاب وعـمقه ووضوحه وبين سمو تعبيره وأخذه
بمجامع القلوب والعقول معاً.
3- ولتكون منبراً للمنهج
الأصولي الذي مثله جيل السلف الأول ، الذي كان امتداداً لمنهج الأنبياء
والمرسلين ، وسار عليه التابعون لهم بإحـسـان، وتمسكوا به حين ذر قرن
الفـتنة، ولم ينصرفوا عنه في ظلمة الفرقة ، ولم يتيهوا عنه في ظلام الفتن.
4- و »البيان« منبر من
منابر أهل السنة والجماعة تعبر عن منهجهم ، وتدعو إلى أصولهـم، وتذكر
بطريقتهم السليمة من الغلو والانحلال ، وهي - مع هذا - ليست مـنـبـراً
لحـزب، ولا دعــوة إلـى طائفـية ، ولا إلى إقليمية تخاطب قطيعاً من الناس
حدد له أعداء الإسلام حدود حظيرته وقُضي عليه منهم أن لا يتجاوزها.
5- وهي مجلة كل مـسـلــم
، مـهـما كان لونه أو جنسه ، وأياً كان موقعه ، وهي بهذا لا تدعي أنها صوت
المسلمين الوحـيــد ، ولا تــزدري الأصـوات الأخرى التي تقف معها في ساحة
العمل الإسلامي ، ولا تنظر بمنظار ذي جهتين ، يـكـبــر لهـا نفسها ، ويصغر
لها الآخرين ، كما أنها لا تدعي - ولن تدعي - الوصاية على الدعوة ، ولا
تـحـتـكـر - ولن تحتكر - معرفة الحق ، بل تضم صوتها إلى جانب كل صوت يدافع
عن القضايا الإسلامية بصدق وإخلاص ، وسوف تبتعد - بإذن الله - عـن كـل مـا
يجـعـلـهـا تتورط في مشادات عقيمة ومهاترات رخيصة تلهيها عما نصبت صفحاتها
من أجله.
وهي مجلة تعتقد أن ساحة
العمل الإسلامي تتسع لكل الـجـهـود ، وهي ساحة مشرعة لا يضيق صدرها بعمل
صادق ، وجهد مشكور.
وسوف تتوسل المجلة - في
سبيل أداء رسالتها - بقراء الـتـاريــخ قــراءة مـتـأنـيـة هادفة
والاسـتـفــادة مــن دروسه وعبره ، والاستفادة من رصيد التجارب التي مرت
بها الدعــوة الإسلامية عبر مسيرتها الطويلة ، والتعرف على سنن الله في
الأنفس والمجتمعات والتعامل مع القواعد الشرعية المستخلصة من المنهج
القرآني.
وإننا عبر هذه المجـلـة
نرى أن الخطأ غير المقصود صفة ملازمة للإنسان ولا يتعارض ذلك مع التقوى
التي هي الـصـفة الأساسية للمؤمنين ، ولا نقول بعصمة أحد ما خلا الأنبياء -
عليهم الصلاة والسلام - ولـكــن الـذي يخل بالتقوى ويخلخل الصف والمسيرة هو
الإصرار على الخطأ ، وعدم مراجعة النفس ، والاستنكاف عن التوبة.
وإن من أعظم القواعد
الإسلامية الـتـي تركنا العمل بها ، فوقعنا في براثن الاعتداد بالرأي
والإعجاب بالنفس ، والاستبداد الـذي يـدمـر عناصر الإبداع على كل صعيد
بينما وجدت لها تطبيقاً عريضاً في المجتمعات الـغـربـيــة فـآتـت أحسن
النتائج والثمار القاعدة العمرية الإسلامية: »الرجوع إلى الحق خير من
التمادي في الباطل«.
لقد تركنا العمل بهذه
القاعدة العظيمة - مـع الأسـف الـشـديد - ونحن أحق بها وأهلها، فتحكم بعضنا
في بعض ، وأسلسنا قيادنا لمن لا يصلح لذلك ، ولم نستفد من التجارب علي
تكرارها وكثرتها.
وأخيراً فإن من أهم
السمات التي نرجو أن تتسم بها هذه المجلة:
1- البعد عن الغلو فهماً
وتطبيقاً ، والالتزام بالوسطية ، وقوفاً عند قوله تعالى: ((وكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ
ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً...)) (البقــرة 143).
2- الالتزام بالدليل
الشرعي فيما نذهب إليه ، والبعد عن انتحال أهل الباطل وتأويلات الجهلة التي
لا تستند إلى دليل صحيح.
((رَبَّنَا لا تُزِغْ
قُلُوبَنَا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنَا وهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً
إنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ)).
والحمد لله رب العالمين.