ليس تدميراً لغزة إنما مؤامرة لتدمير حماس

 

ممدوح إسماعيل

لم تهنأ حركة حماس منذ صعودها السياسي وتشكيلها الحكومة الفلسطينية، فتكالبت عليها المؤامرات من كل حدب وصوب، فلم يرض كل ألوان الأعداء للتيار الإسلامي في الداخل والخارج أن تصعد حماس الإسلامية إلى قمة القرار السياسي في فلسطين، وبات هذا الصعود مؤرقاً لجميع الأعداء، فتحركت جميع الخطط في اتجاه واحد ألا وهو ضرب وتدمير حركة حماس، فكان داخلياً ـ مؤامرات منها:

1 ـ الاستجرار للحرب الأهلية.

2 ـ وسحب القرار السياسي.

3 ـ وشل القوة الأمنية للحكومة.

وخارجياً:

1 ـ كان عدم الاعتراف السياسي الدولي بحكومة حماس.

2 ـ الحصار الاقتصادي.

3 ـ التشويه الإعلامي والسياسي لحماس.

4 ـ وصمها بالإرهاب لتنفير العالم منها.

وفي ظل تلك المؤامرات كان المحتل اليهودي الغاصب مستمراً في الاغتيالات ومذابح التصفية الجسدية المروعة التي أبكت العيون أنهاراً من الدموع على مشاهد مقتل الأطـفال والأبريـاء. ولكـن صمود حماس رغم كل هذه المؤامرات أقلق أعداءها، فبات ظاهراً في الأفق أن المرحلة الأخيرة في المؤامرة ستأتي عن طريق اجتياح يهودي صهيوني لمديـنة غزة يدمر بنيتها التحتية، ويوغل في القتل وسفك الدماء مما يظهر فشل وعجز حماس عن إدارة الصمود أمام هذا الاجتياح. وفي المقابل كانت حركة حماس أمام اختبار صعب في حتمية رد الاعتداءات الدموية وخاصة مذبحة الشاطئ المروعة التي قتل فيها اليهود المحتلون أسرة كانت تتنزه على الشاطئ.

ونظراً لأن حماس اختارت الطريق السياسي فكان لا بد من عمل يضمن لها غطاء سياسياً، فعملت على أن:

1 ـ تتحالف مع حركتين من المقاومة كي لا تكون وحدها.

2 ـ استهدفت عسكريين إسرائيليين حتى لا تشعل حرباً إعلامية ضدها إذا ما استهدفت ممن يطلق عليهم مدنيين إسرائيليين وفي الحقيقة هم مغتصبون.

فقامت بعملية نوعية استهدفت موقعاً عسكرياً يهودياً استشهد فيها اثنان من المنفذين ورجع الباقون سالمين بعد أن قتلوا وجرحوا من جنود العدو وأسروا جندياً، وكأن هذه كانت الفرصة التي ينتظرها العدو اليهودي ومن يحالفه من أعداء حماس لتنفيذ المؤامرة؛ فهم يعلمون أن المقاومة سوف ترد بعمل عسكري.

فتحرك الجيش الصهيوني اليهودي وحاصر غزة وأطلق صواريخه لتدمر البنية التحتية لغزة من مرافق الماء والكهرباء، وانطلقت آلة العدو المحتل العسكرية تسفك دماء الأبرياء الطاهرة دون هوادة، وحوصرت غزة. وهنا لا بد مـن وقفة: هل كان الحصار من أجل الجندي الأسير وهو عمل تقره المواثيق والأعراف الدولية لأي مقاومة ضد جيش المحتل في العالم؟ الحقيقة أن هذا كان الظاهر وكان المراد الحقيقي هو:

1 ـ حصار وتدمير حكومة حماس لإفشالها وسقوطها بعد أن رفضت التنازل عن الحقوق الفلسطينية وفشلت المؤامرات الداخلية والخارجية في إسقاطها.

2 ـ ابتزاز حكومة حماس سياسياً والضغط على خطابها السياسي ليقدم صورة ضعيفة مرتعشة أمام الشعب الفلسطيني فتسقط حماس شعبياً أمام الشعب في المحنة.

3 ـ دفع حماس إلى خطاب أهوج ورد عنيف وقوي غاضب متمثل في تفعيل جناحها العسكري على مختلف الجبهات والأماكن، فيستغل خطابها في تشويهها أمام المجتمع الدولي المتوجس خيفة من حماس، أو استغلال ما يقع من حوادث من المقاومة في التأكيد على أن حماس مصرة على ما يدعونه عنفاً في رأيهم الأعمى، وهو حق تقره الأعراف والمواثيق الدولية.

ورغم أن مطالب المقاومة مقابل الإفراج عن الأسير الصهيوني المجند في جيش الاحتلال كانت عادلة؛ إذ طلبوا الإفراج عن الأسرى من النساء والأطفال في سجون الاحتلال؛ إلا أن العدو المحتل رفض القبول بالمطالب واستمر في لغة القوة وإطلاق الصواريخ ومدفعية الدبابات وسفك دماء الأبرياء الفلسطينيين. وهنا عدة وقفات:

أولاً: السلطة الفلسطينية وقفت في هذه الأزمة تتفرج على الحدث وتنتظر النتائج التي يرجوها كل أعداء حماس ألا وهو سقوطها فتَلْتَهِم السلطةُ الحكومةَ الفلسطينيةِ، وقد وضح ذلك في:

1 ـ قول أحد قادة فتح واسمه (عزام الأحمد) حيث علق على اختطاف العدو المحتل لوزراء من حكومة حماس وأعضاء في المجلس التشريعي إنه لا بد من حل الحكومة لافتقادها النصاب القانوني.

2 ـ إلغاء رئيس السلطة عباس قرار وزير الداخلية في حكومة حماس لجميع القوات الأمنية بالتأهب والاستعداد ومقاومة العدو، وهو إلغاء يشل قدرة الحكومة في التفاعل مع الشعب في محنته.

3 ـ تراخي السلطة في عمل فعال يحرك الحصار ويوقف الحرب اليهودية بما يملكونه من علاقات سياسية دولية ومصالح خاصة خفية وإن كانوا أظهروا التفاعل الغاضب علانية أمام أجهزة الإعلام فقط.

ثانياً: وضح في تلك الحرب على غزة ملامح مؤامرة كما سبق من السلطة ثم عربية يهودية على حكومة حماس؛ حيث كانت رائحة فساد الدور العربي واضحة للآتي:

1 ـ صمتت كثير من الدول العربية ولم تحرك ساكناً أمام الحرب والمذابح والحصار الصهيوني، فلم يُدْعَ إلى أقل شيء ألا وهو اجتماع عاجل لمؤتمر القمة العربي في دولة المقر.

2 ـ لم تستخدم الدول العربية ذات العلاقة سواء السياسية أو الاقتصادية بدولة الاحتلال حقها في قطع العلاقات أو التلويح حتى بالتهديد بقطعها.

3 ـ لم يقم النظام في مصر؛ وذلك بصفتها أكبر الدول العربية وذات علاقة خاصة مع دولة الاحتلال بخلاف علاقة الجوار والأهمية الإستراتيجية، بالدور الذي ينبغي القيام به إلا ما أعلن عن دوره في المفاوضات والوساطة بين الطرفين وهو دور تقوم به أي دولة؛ وكان يُتَطَلَّع لدور مصري قوي.

أما المشاركة اليهودية الصهيونية في المؤامرة فقد وضحت في تلقيهم الإشارة بالاجتياح لغزة عندما صمت العرب، وقد كان بإمكانهم بسهولة الإفراج عن بعض الأسرى مقابل الجندي الصهيوني الأسير، ولكنها المؤامرة؛ فهي ليست على حماس كاسم، ولكنها المؤامرة على المشروع الإسلامي أياً كان وفي أي أرض؛ سواء في فلسطين في الصومال في كشمير في الشيشان أو في أفغانستان... ويبـقى سـؤال فـي هذه الوقفة: لماذا صـمت العرب؟ الإجابة أن بعـض الدول العربية تخشى من نجاح حماس السياسي وما يمثله من نموذج إسلامي ناجح للشعوب، فيدفع الشعوب إلى الرغبة في صعود الإسلاميين للحكم بعدما زكمت رائحة الفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي من العلمانيين أنف الشعوب العربية المسلمة.

ثالثاً: الوقفة الأخيرة مع حماس حكومةً وقيادةً: فرغم الشهور القليلة التي مرت على حكومة حماس إلا أن تلك الأيام شهدت حرباً لم تتوقف ضدها وهي ـ بحمد الله ـ صامدة، ولكن هناك نقاط ووقفات هامة مستخلصة من تلك التجربة وهي نصيحة محب:

1 ـ إن الجهاد بالسلاح ضد العدو المحتل هو حق يؤكده الشرع والعقل والتجارب والتاريخ والقانون الدولي، وإن الهدنة والسياسة أحياناً تكون واجبة، ولكن فى ضوء ظروف فلسطين لم يعط العدو المحتل ولو ساعة واحدة للهدنة؛ لذلك كان اختيار السياسة والهدنة يحتاج إلى إعادة نظر في بعض الأوقات وإلا فقدت حماس رصيدها بأيديها لا بفعل المؤامرات.

2 ـ وضح للمراقب المحب أن القيادة في حماس داخل فلسطين تأثرت باستشهاد قادتها العظام وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين والرنتيسي وصلاح شحادة رحمهم الله، وقد وضح ذلك في التغيير الإستراتيجي الذي طرأ على عمل وخطاب الحركة.

3 ـ إن خطاب حماس السياسي المعجون بالدبلوماسية في ظل أشد حالات المحنة لا بلائمها تماماً كحركة مقاومة، وأنه مقصود إدخالها في هذا الخطاب الضعيف ليسقط رصيدها الجهادي لدى الشعب الفلسطيني، ومن ذلك التصريح بحتمية العودة لمربع الهدنة في ظل سفك الدماء وعدم وجود حتى ملامح هدنة مطلقاً من العدو.

4 ـ يجب أن تفطن القيادة في حماس إلى أن الضغط الإعلامي الأمريكي الصهيوني على أن حركة حماس إرهابية هو مقصود لابتزاز حماس ولو على أقل تقدير بتصريحات ضعيفة تضعف من قوتها في الشارع الفلسطيني؛ لذلك وجب الانتباه إلى أن قوة الالتفاف الشعبي أقوى ألف مرة من بعض عبارات التأييد من المجتمع الدولي؛ فهذا المجتمع ومؤسساته هـو الذي أعـطى العـدو المغتصب الشرعية، وهو الذي أيده وما زال ضد العرب أصحاب الأرض والحق في فلسطين بخلاف أن هذا المجتمع الدولي كل ما يريده من الإسلاميين هو المداهنة: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]، ومهما داهن الإسلاميون فهو لن يعطيهم حقهم إلا إذا كفروا؛ لأن الحق يقول: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا} [النساء: 89]، لذلك كان إجبار هذا المجتمع المسمى دولياً على احترام الحقوق يتم عبر الثبات عليها وقوة الالتفاف والتأييد الشعبي للحركة القائدة وعندها يجبر المجتمع الدولي على احترام الشعوب وحقها.

5 ـ كان اختيار أسر الجندي عملاً محل نظر عند البعض؛ حيث إن غزة أرض مكشوفة في وسط دولة احتلال غاشمة ولا يوجد في غزة أي مقومات لحرب العصابات التي تسمح بمثل هذا العمل؛ لذلك كان يجب قتله في الحال، ولكن مع اجتهاد المجاهدين في أسره ـ جزاهم الله خيراً ـ ينبغي الثبـات علـى المطـالب؛ لأنها ستكون وقفة حاسمة مع العدو في إدراكـه لقـوتكم وصمودكم كمقاومة سوف يأتي بالفرج إن شاء الله.

وأخيراً: يبقى أن حركة حماس قدمت نموذجاً فريداً في الصمود، ومن خلفها صمد الشعب الفلسطيني في غزة رغم الدمار والقتل والحصار، ومهما كانت نتائج أسر الجندي الصهيوني فقد نجحت حماس على ضوء القدرات الواقعية والمؤامرات أن تصمد، ولكن حتى متى ستظل صامدة والهدف الأول والأخير لأعداء حماس والتيار الإسلامي تدمير حركة حماس. أسأل الله العلي الكريم أن يثبتهم على الحق، وأن يجعل كيد أعدائهم في نحورهم.


(ü) محام وكاتب إسلامي من مصر.

للعودة للصفحة الرئيسة