جنوب السودان ..

أسف قديم وأخطاء تتكرر

 

إبراهيم الأزرق

ولئن كان تيه بني إسرائيل في الأرض بعد عبور البحر أربعين سنة قبل أن تقوم لهم دولة في أرض العماليق؛ فإن الإسلام ما مات رسوله # حتى قرَّت عينُه بشموله أرض الجزيرة، وما خرجت السنة الخامسة من الهجرة حتى فتح الله في عهد عمر بيت المقدس، ثم قطع البحرَ إلى أرض الكنانة في سنة عشرين، وما هي إلاّ بضع سنين حتى بلغ على يد عبد الله بن سعد بن أبي السرح ـ رضي الله عنه ـ السواد من أرض النوبة(1)، فدخل ما يُعرَف اليوم بشمال السودان في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان.

وإذا قارن منصفٌ المدَّ الإسلامي في عهد الإسلام الأول إلى آخر العهد العثماني ـ رضي الله عن صاحبه ـ مع تيه بني إسرائيل في الأرض بضعة عقود بان له البون الواســع، ولا شك أن الفرق شاسع بين من آذوا موسى ـ عليه السلام ـ وبين أصحاب محمد #، يبينه ما ذكره الله ـ سبحانه ـ عن الأوائل: {قَالُوا يَا مُوسَى إنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ، وما قاله المقداد بن عمرو لرسول الله #: «امضِ إلى حيث أمرك الله؛ فنحن معك. واللهِ لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} [المائدة: 24] ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون! فوالذي بعثك بالحق لئن سرت بنـا إلى بـرك الغمـاد ـ يعني: مدينة الحبشة(1) ـ لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه»(2)!

ولم تكن تلك الكلمات ألفاظاً حماسية لا يعي قائلها معناها، ولـم تـكن مـشاعر جـياشة يـبديها اللسـان ثـم لا تطاوعه الأركـان، بل هـن كلمات خرجن من سويداء قلب يعتقدهن، فمات المخاطَب #، وبقيت تلك الكلمات يحكيها لسان حال جيل شرَّق وغرَّب فاتحاً قلوب الناس بالأخلاق، مخترقاً سائر الأوطان والآفاق.

إن المفـارقة بـين الصـدريــن من أصحاب النبيـين الكريمـين ـ صلى الله عليهما وسلم ـ واضحة جلية. بَيْدَ أن المثل المضروب يبين كذلك الفرق بين صدر هـذه الأمـة وبـين الأجـيال التاليات ولا سيما النابتة في دبر الزمان.

فبعد مقتل الخليفة الراشد عثمان ـ رضي الله عنه ـ نشب الخلاف، وحدث الافتراق الذي كان له أثره على سرعة انتشار الإسلام؛ فلما نجم وتفاقم كاد أن يوقفه، وفي بعض الأمصار والأعصار ولا سيما المتأخرة أرجعه القهقرى، فحق للشاعر أن يقول:

أَسَفِي على الإِسلامِ هَانَ عَرينُه

وعَدَا عليه الفاتِكُ المُسْتَأسِدُ

إنَّ الذي جَمَعتْ سيوفُ مُحمّدٍ

أَمْسَى بأيدي المُسلِمينَ يُبَدَّدُ

وتأمل ـ على سبيل المثال ـ إحدى أكبر بلاد الإسلام اليوم، وعاشر دولة من دول العالم في امتداد المساحة، وأكبر الدول العربية في اتساع الساحة، وثالثتها في تعداد المسلمين بعد مصر والجزائر، تجد أن الإسلام قد دخل شمالها في أواخر العقد الثالث من عمر الأمة، أي قبل نحو ألف وأربعمائة عام، ثم بفعل عوامل عدداً من أهمها الانشقاقات داخل الصف الإسلامي بُعَيْدَ جريمة اغتيال الخليفة الراشد عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ شلت يد الفتح الإسلامي الآسية، فلم يخلص إلى أعماق تلك الأصقاع فضلاً عن أدغالها غير نفر قليل من حَمَلَة مشعل الهداية، فكانت النتيجة أن حرم قطاع عريض من نور الإسلام، فما قامت دويلات وممالك إسلامية إلا أثر قرون عدداً، وعلى الرغم من قيام تلك الممالك إلاّ أن سلطانها على ما يعرف اليوم بجنوب السودان كان ضعيفاً، وكذلك أثرها الدعوي. وعلى الرغم من امتداد نطاق الدولة الإسلامية في عهد محمد علي باشا ومن بعده حتى إبَّان الحكم الثنائي الإنجليزي المصري إلاّ أن العلاقة بين ذلك الامتداد وبين امتداد الدعوة الإسلامية في الآفاق كانت علاقة شبه عكسية، اللهم إلاّ ما قام في منطقة بحر الغزال جنوبي غرب السودان على حساب سلطنة الفور الإسلامية، ولما لم تكن الغاية إذ ذاك من القتال إعلاء كلمة اللـه ـ إلاّ قليلاً ـ شغل الناس بفتن وحروب وثورات متتابعة، انتهت بإخراج من لم يحسبه الشعب سوى مستعمر بل محتل هو وظهيره الإنجليزي.

واليوم يأتي على الناس نحو نصف قرن من الزمان بعد استقلال السودان، وقضية جنوب السودان لا تزال مضطربة، ولا تزال الأغلبية العظمى من سكانه تدين بالوثنية.

ونفس الخطأ القديم يتكرر؛ فقواعد الإسلاميين مع بعضهم البعض في عزة وشقاق، إلاّ من رحم ربك. وساسة الشمال في حرب مستعرة مع الجنوب المتمرد منذ بدايات الاستقلال في حرب لا يختلف كثيراً هدفها عن هدف من أخرج من البلاد قبلهم، اللهم إلاّ ما أعلن في العهد الأخير من جهاد ـ على عُجَر وبُجَر ربما اعترته ـ وما تبعه من عمل دعوي لا يتناسب مع حجم الجنوب، ولا سيما مع فتح باب التنصير الذي كان مؤصداً إبَّان الاستقلال وحتى عهد الحكم قبل الأخير.

وفي الحاضر بعد أن اختلت موازين القوى العالمية، فاستبدت بها الولايات المتحدة الأمريكية، التي توجهت تلقاء السودان في إطار خطة بعيدة، بعد أن أحكمت نسج واقع يأذن لها في التدخل بحجج لن تعوز آلاتها الإعلامية العالمية وأبواقها المنتشرة إشاعة نبلها وسموّها، شارعة بذلك في تنفيذ أجندتها التي وضعت بناء على مصالحها ومبادئها وثقافتها بالإضافة إلى عقيدة الإنجيليين المتحكمة. في ظل هذا الواقع يعيش السودان فترة حرجة انتقالية يتقرر بعدها مصير الجنوب، بل مصير السودان، وهذا بدوره مؤثر على مستقبل مصر، بل العالم العربي بل الإسلامي.

وأمامه، بل أمام الذين يعون الأثر المترتب على قيام دولة برعاية ومبادئ وأسس أمريكية في الجنوب قريباً من منابع النيل، مليئة بالثروات، توشك أن تكون سندان مطرقة إسرائيل، أمامهم ست سنوات خضر ربما تلتها سنون عجاف.

وعلى العاملين في الحقل الإسلامي أن يراعوا خلال تلك الفترة أموراً منها:

ـ ليس الجنوب هو الجرح الوحيد الذي يوشك أن يتفتق، فقد نُكئت في جسد السودان بثور قابلة للتضخم والتكاثر، وكلها تحتاج إلى جهود أهل الدعوة، ولذا فإن ترتيب الأولويات، وتقديم المهمات، من الأمور اللازمة.

ـ انفتاح المجال أمام الجميع؛ فليست الساحة حكراً لدعاة الحق وحدهم، بل الميدان مفتوح للجميع من أقطارها؛ وقد سبقوا يتوافدون أرسالاً.

ـ مطلوب من العالم الإسلامي وبالأخص السودان حكومة وعلماء وشعباً بذل الجهد في استصلاح أرضٍ طالما أُغفلت من الدعوة المناسبة لحجمها قروناً عدداً. وليست الدعوة وظيفة مناطة بفريق أو فئة دون غيرهم، إلاّ أن حجم العبء قد يتفاوت.

ـ من الأهمية بمكان التعقل وحسن إدارة الحوار مع جميع الأطراف الرسمية ذات الصلة ومنها حكومة الجنوب.

ـ المسلمون ينتظرون من الدعاة والمعنيين الحفاظ على وحدتهم وتماسكهم والسعي الحثيث إلى إخماد كل ما من سبيله تشعيب الجهود وتشتيتها بحكمة.

ـ من جملة الالتفات لشأن الدعوة في الجنوب، الالتفات لأبناء الجنوب المقيمين بالعاصمة الخرطوم، وكذلك الأقاليم ـ وهم كَمٌّ مقدر ـ مسلمهم وكافرهم، متعلمهم وجاهلهم، وإن مما يؤسف له أن تتولى الكنائس أمر هؤلاء في مدن ترتفع فيها المآذن حيث توجهتَ. ولو التفت المسلمون إلى أولئك أولاً لما غُرست في نفوس كثير منهم النفرة من الإسلام وأهله، بل لما أحدق بالبلاد الخطر الذي يحف بها اليوم.

ـ إن الحفاظ على الشمال، وضمان وحدته وتكامله مع الشرق والغرب والوسط، أمر ضروري ينبغي الحفاظ عليه، ولو بذلت المهج في سبيل ذلك، وأما الجنوب خـلال المـدة المرتقبـة فلا أقل من نشر بَذْر الإسلام في كل شبر من أرضه الخصبة؛ فقد تثمر يوماً.

مـع التأكيد على أهمية الحرص على مقدرات البلاد، وفـداحـة خطـأ التنازل لمصالح متوهَّمة بحـجة أنها قـد تصرف سوءًا؛ فـقد أثبـتت الأحداث أن الغرب يُحَصِّلُ مكسباً لينتقل إلى آخر، ولن يرضي اليهود والنصارى إلاّ بأن يكون غيرهم ذَنَباً. ثم إن الصبر على الأذى والثبات على الحق هو الأصل، فلا يُصـار إلى غـير ذلك ولا يُتعلل بالإكراه، إلا إذا تحقق الإكـراه بالفـعل، وليـس مجرد التهـديـد أو الوعـيد إكـراهـاً، ولا شـك أن مراعاة المصالح والمفاسد أصل عظيم في هذا الشأن، شريطة أن تنضبط المصلحة بحكم الشرع فتكون المصلـحة الدينيـة هـي المعتبـرة أو المقـدمـة، ويكـون تقريرها إلى أهـل الحـل والعـقد الشـرعيين، وعلماء الملة المرضيين. وبـعد ذلك تـقدر الضــرورات بقـدرهــا، فلا يصبح الاستثناء هو القاعدة.

وعَوْداً على بدء: لقد كان الهدف وراء فتوح المسلمين في أول صدرهم إعلاء كلمة الله، ومدُّ مَعين الإسلام الصافي إلى البشرية الظمأى، ومن نبل أولئك أن جادوا بالأنفس رخيصة لأجل ذلك الهدف الموصل في كِلا احتمالي سبيله إلى جنة عرضها السموات والأرض، أفيحق بعدها لمن يزعم الائتِساء بهم، والسير على نهجهم أن يرى أرضاً بأمتها قد تقتطع من أرضه ثم لا يحرك ساكناً غير اللسان بالحوقلة، وباب العمل أمامه مشرع؟ فما أعظم المفارقة بين الصدر والعجز إذاً، وما أقبح أولئك الذين شابهوا مِنْ وجهٍ مَن قالوا: {فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ} فبينما رفض أولئك دخول أرض ليست لهم فاتحين، يقعد بعض الأمة اليوم عن دخول أرض لهم معلِّمين، في حينٍ يتدفق فيه أصحاب الأغراض المشبوهة بل والسيئة إليها من كل فج بعيد.

وإذا كان هذا تنكُّباً ظاهراً للصراط السوي الذي سار عليه رعيل هذه الأمة الأول، إلى صراط سلكه أوائل المغضوب عليهم ثم عدل عنه متأخروهم.

فيتوجه حينها بل يتوجب أن ينظر من لم ينظر فيما يجب عليه وما ينبغي أن يفعل؟

ولعل التعبير بالنظر والعدول عن التساؤل ههنا مقصود؛ فليس بالوسع ولا في حيز الإمكان، وفقاً لمعطيات الواقع، أن يضع أحد برنامجاً لآخر هو أعلم بقدراته وما حباه الله من ملكات، وأعلم بما يمكنه سده في الواقع الذي يعايشه من ثغرات.

ولهذا كان المطلوب الأول في هذه المسألة هو النظر، وكل امرئ حجيج نفسه، مع أهمية التناصح والتشاور ولا سيما بين أهل الهم الواحد من أهل تلك البلاد حكومة وعلماء ودعاة وقادة عمل إسلامي، بل وشعباً.

ولا يسع الناظر من بعيد إلاّ أن يُذَكِّر بمحددات شرعية عامة معروفة لعل الذكرى تنفع المؤمنين، وتنبه الغافلين، ولعل من تلك المسائل التي ينبغي التذكير بها:

ـ ضرورة الاعتصام بحل الله المتين، والاستمساك بمنهجه القويم الذي ارتضى؛ فالحياة خلقت لابتلاء الناس في هذا، وخير معين على بلوغ الغاية المحمودة تقوى الله والصبر والمصابرة؛ فبها تتحقق السلامة، ويكون الفلاح، كما قـال اللـه ـ تعالى ـ: {وَإن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120]، وقال ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

[آل عمران: 200].

ـ أهمـية تعـاضد أهل القبلة هناك وتفاعلهم سوياً في مشـروع كبيـر يهـدف إلى بذل أقصـى ما يمـكن بذله تجاه قضية الجنوب وجراح السودان الأخرى. وليست هذه دعوة لذوبـان الكيانات وانصهارها جميعاً في بوتقة معينة، بل ليست دعـوة للاتفـاق علـى كلمـة حـق ونبذ الاختلاف كله، ولكنها دعوة إلى أول ذلك الطريق؛ الاتفاق على مشروع دعوي كبير يتهدد الخطر ويتوزع المسؤولية حال فشله الجميع. إن من الأهمية بمكان اجتماع الإسلاميين في السودان ـ وهم كم مقدر ـ على كلـمة سـواء وتنسـيق مشـترك من أجل إسهام فعال للخـروج من الأزمـة، والقيـام بواجـب الدعـوة؛ فالتيار الإسلامي في السودان يتمتع بمزيتين: الأولى: انفساح مساحة الرأي والعمل، نظراً لانفتاح الدولة وحرية الدعوات فيها. والثانـية: أن له كمّاً مقدراً من القوى البشرية، والعقول الناضجة الذكية.

ولكنّ الدسـائـسَ فـرّقَتها

فصارت كالنبالِ بلا قِِسيِّ

وضعفُ العزمِ والأخلاقِ أودى

بآلافٍ من النـفرِ القويِّ

وفي صدقِ العزيمةِ كلُّ صعبٍ

يهونُ على الشجاعِ الأريحيِّ

ثم إن كثيراً من اتجاهات التيار الإسلامي في السودان، تمثل امتداداً لتيارات متعددة لها وزنها الشعبي في العالم الإسلامي، وهذا بدوره كفيل بأن يجعل التنسيق تنسيقاً شعبياً على مستوى العالم الإسلامي، شريطة أن تحل عقدة التنسيق بين التيارات الداخلية، ولا سيما في مثل هذه القضايا المشتركة التي يمكن من الناحية النظرية أن تتفق عليها، ولذا فإن الواجب على رؤوس تلك التيارات عظيم، والمسؤولية جسيمة، ولعل كثيراً منهم لهم من الوعي والإدراك ما يؤهلهم لتفهم ذلك، ومما يحمد لأهل السودان عموماً نسيجهم الاجتماعي المتقارب، والذي قد يسهل بوادر التآلف.

ـ ومـن المهم أيضاً وضع تحسبات لاحتمال مآل الأمر في المستـقبل، مع التـعامل مـع الواقـع بحكـمة وبُعد نظر، بعيداً عن الانفعالات العاطفية غير المحكومة بالعقل المحكوم بالشرع، وهذا يتطلب أن يعرف المرء نفسه، ويراجع قواه، ويستعد للصراع، ويبدأ في الكفاح، ولا يستمع إلى صوت خادع يوسوس بالثقة في ضمير الغرب المدخول، أو كافر مخذول إلاّ بحبل من الناس. وأما من كان يبغي الراحة والسلامة تحت رحمة وبراثن الوحش الغربي أو آلاته البشرية برهة إلى حين فترة، فأمامه طرق كثيرة ذات شُعب ومسالك، وذات منعرجات ودروب؛ وحينها بإمكانه أن يخلد للمفاوضات، والمحادثات، وجس النبض واستطلاع الآراء. ويركن للدبلوماسية الناعمة الرقيقة، والكلمات اللطيفة الظريفة، وهناك الانتظار الذي لا ينتهي، والاستجداء الذي لا يغني. وهناك المؤتمرات الحافلة، والموائد المستديرة، التي سوف يؤكل عليها في خاتمة المطاف من وضع رجاءه فيها! وقد ثبت أن في هذا العالم نسبة مقدرة من أكلة اللحوم المسلمة.

إن مـن إشـكالات الدعـوة الإسلاميـة في أحـيان كثـيرة عـدم وجـود تنسـيق بين قيـاداتها، وعـدم انسـجام رجالاتها علـى الرغـم من أن هدفهم واحد، وطاقاتهم محدودة، ومع ذلك لا تكـاد تجد ميثاقاً محرراً مشتركاً ورؤية واحدة محكمة توحد جهدهم وتستثمر طاقاتهم، ومن ثم تتشتت الجهود وتتباين الاجتهادات. ولعل من أعظم أسباب ذلك أن كثيراً من مشاريع الدعوة تجيء في ربوع عالمنا الإسلامي كردة فعل للواقع الماثل، ردة فعل غير مرتـب لها مـع أن الساحة واضحــة المعالـم ســهلة القـراءة، ولا سيما على المختصين، وقد يكون من أسباب ذلك أيضاً عدم تصور أن نقاط الاختلاف بين العاملين يمكن تجاوزها ولو مرحلياً في سبيل توحيد الجهود في إطار مشروع مشترك، جاء وقته المضيق، ويقع واجب القيام به على عاتق الجميع.

فهل نعي هذا الدرس المتكرر فنخرج من تقوقعاتنا وذواتنا مؤجلين خلافاتنا إلى حيز عمل مشترك يكفل تجاوزاً لمحن مرتقبة؟

أسأل الله أن يكون الناس أهلاً لذلك.

ومن يعـشْ يرَ، والأيامُ مقبلـةٌ     يلوحُ للمرءِ في أحداثِها العَجَبُ!

للعودة للصفحة الرئيسة