دافور وتوطين الأزمة

 

د. مصعب الطيب بابكر

«إن السودان بلد بِكْر كما كان وادي الميسيسيبي قبل مائة عام كذلك، في الحقيقة أن السودان يعتبر حقلاً كبيراً لقيام الصناعات الزراعية والتجارية. إن كثافة السكان في مصر تبلغ 400 شخص لكل كيلو متر مربع، أما في السودان فهناك شخصان فقط لكل كيلو متر مربع، الأراضي الصالحة للاستثمار بالسودان 200000000 مائتا مليون فدان، بينما يوجد في مصر فقط 8000000 ثمانية ملايين فدان. . ألا ما أكبر الفرق»(1).

هذه مقولة لأمريكي «ذكي» زار السودان عام 1905م استشهد بها الباحث الصهيوني (أبراهام جلنتيه) في رسالته إلى رئيس المنظمة الاستعمارية اليهودية بتاريخ 18/1/1907م والتي أرسلت بصدد اقتراح «وطن» يستوعب يهود الشتات بعد إلغاء مقترح كينيا وأوغندا وزائير في المؤتمر الصهيوني السادس في بازل عام 1903م(2). كان السودان وما يزال على مائدة الجشع الأمريكي والصهيوني.

منطقة دارفور ساحة واعدة من الناحية الاقتصادية؛ إذ تشير وثائق ديوان الحكم الاتحادي في السودان إلى أن أقاليم دارفور الثلاثة تمتاز بوجود حوالي 40 مليون فدان من الأراضـي الخصـبة لم يسـتـغل منـها إلا الثـلث، وأكثر من 24 مليون فدان من الغابات والمراعي الغنية، وتستحوذ على 16% من الإنتاج العالمي للصمغ. وفي دارفور قرابة 30 مليون رأس من الماشية، كما تحتوي المنطقة أيضاًً على كميات كبيرة من الثروات المعدنية أهمها اليورانيوم، وقد قال الرئيس البشير في مخاطبة سياسية ببورتسودان في 19/4/2006 بأن «دارفور تزخر بأكبر كمية يورانيوم في العالم». وقال «إن الدوائر الغربية تمتلك إحصائيات ووثائق عن الثروات الكامنة في دارفور» ـ وهذا ما أسال لعاب الغربيين ـ والنحاس والحديد والرصاص والجرانيت والكروم، والعديد من الصخور النادرة والرسوبيات وأحجار البناء، وتشكل منتجات الولايات الثلاث مـا يصل ـ أحياناً ـ إلى نسبة 45% من صادرات السودان غير البترولية. بيد أن الأمر الأكثر أهمية في دارفور هو أنها تطل على منطقة البحيرات الكبرى، وتجاور ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى.

ü حقيقة السلام:

بـدأت المفـاوضات بين حاملي السلاح في دارفور والحـكومة السـودانـية بعـد تنـامي الأحـداث بوقـت يسـير عبر محادثات مدينة «أبّشي» شرق تشاد في سبتمبر 2003م، ثـم في «أنجمـينا» عـاصـمة تشاد في أبريل 2004م والتي وقّـع فـيها اتفـاق وقـف إطلاق النار للأغراض الإنسانية بتاريخ 8 أبريل 2004م، ثم انتقلت حلبة المفاوضات شرق القـارة إلى «أديــس أبـابـا» في يوليو 2004م، ثـم استـقر بـها المقـام فـي أقصــى غــرب القـارة في العـاصمة النيجيرية «أبـوجـا» منـذ أغسـطـس 2004م خلال سـبع جولات متعثرة.

في وقت متأخر من مساء الثلاثاء 25 أبريل 2006م حدث ما يمكن وصفه بـ «اختراق» مهم في رتابة سير المفاوضات؛ إذ طرح فريق الوساطة التابع للاتحاد الأفريقي مسودة اتفاق شامل مكونة من 85 صفحة تتضمن 511 بنداً تعالج كل الموضوعات خصوصاً تقاسم السلطة والثروات، ووضع إقليم دارفور، وتسريح المقاتلين من المتمردين والجنجويد، وألزمت طرفي المفاوضات بتوقيعها في مهلة محددة.

الاتفاق رتب على أن يعطي متمردي دارفور منصب مساعد لرئيس الجمهورية، يكون في موقع الرجل الرابع في الدولة، و3 وزراء ومثلهم من وزراء الدولة، إلى جانب سلطة إقليمية موحدة لدارفور يترأسها مساعد الرئيس، وينوب عنه ولاة دارفور الثلاثة في غيابه، بالإضافة لوزير في حكومة ولاية الخرطوم، ووالٍ في إحدى ولايات دارفور.

ويقضي الاتفاق ببدء عملية نزع الأسلحة بعد أسبوع من توقيع الاتفاق، بإشراف قوة السلام التابعة للاتحاد الأفريقي في دارفور، وبدمج المتمردين في الجيش الوطني. كما تنص الوثيقة على تحمل الخرطوم مسؤولية تحييد ومراقبة الجنجويد، ونزع أسلحتهم مع نزع أسلحة الميليشيات المتمردة التي توجد في مناطق سيطرتها.

ويشير الاتفاق للنقل السلمي للسلطة على أساس انتخابات تتسم بالحرية والشفافية وضرورة أن تعكس نسبة التوظيف الحكومي والقوات المسلحة الوطنية والشرطة وأجهزة المخابرات التمثيل العادل والسليم لكل المواطنين بما فيهم سكان دارفور.

الاتفاق الموقع بين الأطراف ـ التي هي في جملتها أطراف مسلمة وتتناول إقليماً مسلماً خالصاً ـ نص على نحو ملفت ومريب إلى ضرورة احترام «الحق في حرية الاعتقاد الديني»!! والكف عن «تحريض البغض الديني» وعدم «التمييز على أساس الدين» وأن تتعامل أجهزة تطبيق القانون بحساسية مع «التنوع الثقافي والديني» وصياغة سياسات الاقتصاد «بدون تمييز يقوم على العنصر أو العرق أو الدين».

يتضمن الاتفاق برنامجاً زمنياً للاستفتاء حول وضع دارفور الإداري وتقسيمه لثلاث ولايات.

وتطالب الوثيقة الخرطوم بتخصيص 300 مليون دولار من أجل إعادة الإعمار في دارفور، إلى جانب حصته العادية، ثم 200 مليون دولار في السنتين التاليتين.

وكيفما كانت نصوص الاتفاق فإن المعضلة الكبرى تظل هي لوثة التوزيع العرقي والجهوي للمناصب الدستورية والذي سيصبح وباء لا فكاك منه إن انجرت بقية الأقاليم والأعراق في المطالبة به ورفع السلاح من أجله. ومعضلة أخرى تكمن في الإغراق في الفيدرالية والمبالغة في إضعاف السلطة المركزية في ظل الوضع المتوتر أمنياً وسياسياً والمفكك اجتماعياً والهزيل اقتصادياً، وفي ظل تنازع القوى على الموارد الإفريقية والأسواق البديلة وسياسات بناء التحالفات الإقليمية والتكتلات الضخمة.

ü يد مشبوهة في دارفور:

بالنسبة للعدو الصهيوني لا يمثل السودان محوراً ثانوياً في جدول اهتماماتها، بل هو مرتكز حيوي لأنشطة المخابرات والدفاع والخارجية الصهيونية؛ ذلك لما يلي:

أولاً: يـشــرف السودان علـى البـحر الأحـمر بحدود طولها 309 كيلو مترات هي الثالثة بعد السعودية ومصر، وهو يوافق هوى العدو الصهيوني في كسر احتكار العرب لسواحل البحر الأحمر وسعيها للاستحواذ على السواحل الشرقية القريبة من المضايق وإبعادها عن التحكم الإسلامي(1).

ثانياً: يتصل السودان بدول القرن الأفريقي عبر روابط تاريخية وعرقية وسياسية (إستراتيجية) مهمة بالإضافة للعامل الجغرافي، ومن ثم فإن السيطرة على السودان والحد من نفوذه يعزز استقرار الأوضاع في منطقة القرن على النحو الذي يروق للكيان الصهيوني وبشكل لا يعكر خططها في التحكم بمضيق باب المندب الذي يمر من خلاله ما يقرب من ثلث إنتاج العالم من النفط.

في حرب أكتوبر 1973 أغلقت القوات البحرية المصرية باب المندب أمام الملاحة الصهيونية مما أدى لشل ميناء (إيلات)، وهو الأمر الذي دفع الصهاينة للإسراع بتوطيد علاقاتهم مع إثيوبيا وإقامة قاعدة عسكرية في جزيرة (دهلك) عام 1975م، ثم جزر (حالب وفاطمة وأرخبيل وودمـيرا) على السـاحل الغربـي. وتستند العلاقة مع أثيوبيا ـ فيما تستند أيضاًً ـ على وجود طائفة اليهود الفلاشا الذين تنحدر منهم أسرة (منليك) الحاكمة تاريخياً في إثيوبيا وأسطورة وجود (التابوت) اليهودي تحت كنيسة أكسوم الحبشية في منطقة (ميكلي)(1). وحينما ناصر السودان والدول العربية قيام الثورة الإريترية(2) في إثيوبيا هُرعت الصهيانية لإقامة علاقة إستراتيجية مع الدولة الوليدة حال دون انضمامها للجامعة العربية، وحافظت ـ بل فاقمت ـ بعده من وجودها العسكري(3) على الساحل الذي آل لإريتريا، وشجعتها لاحتلال جزيرة (حنيش) اليمنية المطلة على المضيق عام 1996م. وبالوكالة عن العدو لعبت إريتريا من بعد ذلك دوراً كبيراً في استنزاف السودان عبر احتضان حركة التمرد الجنوبية والمعارضة الشمالية والفصائل العسكرية لشرق السودان، وعبر تسهيل احتلال المناطق الحدودية، ثم أخيراً عبر دعم ومساندة حركات التمرد في دارفور.

وقد عبر وزير الخارجية السوداني السابق د. مصطفي عثمان في 8/8/2004م صراحة عن ذلك بقوله: «إن المعلومات التي لدينا تؤكد ما تردد في أجهزة الإعلام من وجود دعم صهيوني لحركات التمرد نشطت مؤخراً للدخول في قضية دارفور من عدة جوانب سواء كان من خلال وجودها النشط في إريتريا، أو من خلال نشاطات بعثاتها في المناطق التي التهبت مؤخراً» وهو ما دلت عليه تصريحات (الصادق هارون) المنشق من حركة تحرير السودان(4) واعترافات بعض أعضاء حركة العدل والمساواة في تلقي التدريب في معسكرات الجيش الصهيوني بالأراضي المحتلة(5)، ومضابط اجتماعات أسمرا بين الجنرال (بنيامين يوشع) نائب مندوب الموساد لشؤون القرن الأفريقي، وقائد الحركة الشعبية، وقادة تمرد دارفور، والرئيس الإريتري(6) وهو أيضاً ما اكتشفته المخابرات الأردنية عند توقيف (داني ياتوم) الابن الأصغر لمدير الموساد السابق، وهو الذي أدلى بمعلومات كاملة عن تورطه مع (شيمون ناور) وهو صاحب شركة استيراد وتصدير صهيونية في تهريب الأسلحة لإقليم دارفور بغرب السودان، ومساعدة بعض الأفراد من حركات التمرد في الإقليم السوداني بتلقي التدريبات العسكرية من المتمردين بصفة رسمية(7)، وما يدل عليه أيضاً الهجوم على منطقتي (وقرو وتني) بشرق السودان ـ على الحدود مع إريتريا ـ في 10/4/2006م باشتراك حركة العدل والمساواة الناشطة أصلاً في دارفور.

ثالثاً: قضية المياه(8) التي تمثل الهاجس الاقتصادي الأكبر للعدو؛ إذ يبلغ العجز المائي حوالي 30% من حجم الاستهلاك الكلي الذي قد يصل إلى 2 ملياري م3 سنوياً، وينتهج الصهاينة سياسة (نصف المحيط) أو (الضلع الاستراتيجي الثالث) التي تتلخص على حقيقة أن 60% من المياه العذبة التي تصل إلى الدول العربية تنبع من الخارج وهو ما يشكل فرصة للضغط على دول الطوق والمصب كمصر وسورية والأردن من خلال دول المنبع والممر مثل تركيا وإثيوبيا وربما السودان؛ مما قد ينعش أمل العدو في شراء مياه النيل من مصر وحل ضائقتها.

رابعاً: إن عناية الكيان الصهيوني بمنطقة البحيرات الكبرى ودول وسط إفريقيا الفقيرة يعكس إلى جانب الرغبة في تعطيل التمدد والنفوذ الإسلامي إلى وسط القارة والالتفاف على الأمن المائي للعرب(1) يعكس أيضاًً توجهاً صهيونياً ملحّاً لكسر العزلة الاقتصادية والسياسية لها، وشراء أصـوات تلك الـدول فـي المجـامـع الـدولـية. يـقـول (أبا إيبان) وزير خارجية الكيان الأسبق: « إن (دولتهم) كانت في أمسَّ الحاجة إلى إنشاء علاقات مع أفريقيا تعطي ثماراً سياسية تضمن منح أصوات التأييد على المسرح الدولي»(2).

خامساً: نظرية التخوم؛ سياسة شد الأطراف؛ تحالف المحيط؛ من المركز للمحيط؛ كلها أسماء لإستراتيجية صهيونية واحدة مفادها إحاطة الدول العربية (خصوصاً دول الطوق) بطوق من الدول والمجموعات الموالية للعدو وتهشيم الفناء الخلفي للقوة الإسلامية التي قد تتصادم معها يوماً ما.

يقول رئيس هيئة الأركان الصهيوني السابق الجنرال (حاييم لاسكوف): «إن نجاح دولتهم في تطور علاقاتها مع الدول الإفريقية في غرب القارة خاصة تلك الدول التي تقع جنـوب الصحراء والمناطق المتاخمة للدول العربية سيحقق لهم مـكاسـب إسـتراتيجية كبـيرة، ويسـاعد على تلافي نقاط الضعف الاستراتيجي المتمثلة في إحاطتها بطوق عربي محكم، والوصول إلى الظهر العربي المكشوف في ميدان لا يتوقعه العرب»(3).

ويصرح بهذه السياسة أيضاً (يوسي آلفر) مستشار رئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق (إيهود باراك) ومدير سابق لمركز جافي للدراسات الإستراتيجية قائلاً: «إن تكلفة طائرة ميراج مقاتلة واحدة أو ميزانية سرية واحدة من الجيش الصهيوني إذا خصصت لتمويل وتسليح وتدريب السودانيين الجنوبيين أو الأكراد من الممكن أن تؤدي إلى استبعاد فيلق عسكري كامل من المشاركة في الحرب ضدهم»(4).

ويتضح جليًا أن خطتهم الأساسية حول السودان تتمحور في قلب نظام الحكم وتغيير معادلة النفوذ فيه لصالح كيانات موالية له كما جاء على لسان (بنيامين نتنياهو) رئيس وزراء الكيان السابق. أما لجنة شؤون الإدارة في الكونغرس الأمريكي في 17/9/2002م حين قال: «إن الوسيلة للقضاء على شبكة الإرهاب العالمية هي حل 6 أنظمة (سلطة عرفات، إيران، العراق، سورية، لبنان، والسودان) وحل 24 منظمة إرهابية»(5). أما الخطة البديلة فهي في تقسيم السودان لدويلات ضعيفة متناحرة تستجدي منها الدعم والمساندة والتمويل، وتكون خصماً للأمة الإسلامية وسنداً لأطماع المستعمرين. أما الخطة الثالثة البديلة ـ إن لم تفلح خطة التقسيم ـ فهي في إضعاف وشرذمة السودان واستهلاك كل موارده وخيراته، وإثارة النعرات العرقية والطائفية والجغرافية؛ بحيث يتم إغراقه تماماً في هموم مصطنعة، وبحيث لا يهنأ أبداً بإبرام أمر ذي بال، ولا يتفرغ مطلقاً لتشكيل قوة داخلية فاعلة أو تكوين تحالف خارجي مستقر، أو التأثير على دول الجوار بما يحفظ له مكانته الإقليمية.

ومن هنا يمكن أن نفهم سر «التشنج» الذي تحظى به قضية دارفور في أجندة اللوبي الصهيوني وقادة العدو، وسر الهرولة لتدويل المسألة وتوسيع مسارات توظيفها.

ü أمريكا والرضا المستحيل:

لا تختلف أمريكا عن الدولة العبرية في إستراتيجية التعامل مع السودان، بل توشك أن تكون أداة طيّعة لقادة اللوبي الصهيوني الذي يروِّج لنفسه بأنه حامي حمى المصالح الأمريكية في المنطقة، وعرّاب الديمقراطية، والمناضل من أجل صد الإسلام وصحوته القادمة، وهو ما يمكن أن يُقرأ من تصريحات بوش في مفتتح ولايته الثانية أمام مستشاريه قائلاً: «لا أريد أي حكومة إسلامية في الشرق الأوسط، كفانا ما حل بنا من هذه الحكومات الدكتاتورية التي تستمد بقاءها في الحكم من معاداة أمريكا والدولة الصهيونية. إننا لا يمكن أن نكون أصدقاء لحكومة تحكم باسم الدين الإسلامي؛ فهم متعصبون ومتزمتون ويرفضون الانفتاح». غير أن الملاحظ هو كثرة تداول أطروحة (التقسيم) في الأروقة الأمريكية بما يوحي أن المسألة ربما لا تزال قيد البحث والدراسة أو قيد التطبيق الهادئ المتدرج.

نقلت (أ. عايدة العلي) عن دبلوماسي غربي عام 1988م أنه قد «أعرب عن اقتناعه بأن السودان في طريقه للتقسيم، لكن ليس لدولتين، بل إلى أربع أو خمس دول تحكمها إثنيات قبلية في غالبيتها»(6).

وفي ورقة أعدها ثمانية مستشارين بتكليف من (كونداليزا رايس) حين كانت ـ آنذاك ـ مستشارة للأمن القومي تحدثت عن الرباط الاستراتيجي بين الدول العربية في شمال إفريقيا والدول الأفريقية، وعن تقسيم محتمل للسودان إلى ثلاث دويلات قالت الورقة إن الأولى سترتبط بمصر، وأن على الولايات المتحدة أن ترتبط بالدولة المنفصلة في جنوب السودان، بينما ترتبط الدولة العبرية بالدولة الثالثة بغرب السودان(1).

لقد كان مفهوماً أن يتحرك اللوبي الصهيوني لإخراج مظاهرات احتجاج باسم دارفور في أكثر من 15 مدينة أمريكية في حىن أن بعض المنظمات الكاثوليكية التي اشتركت في التخطيط للمظاهرة اشتكت من سيطرة جماعات يهودية عليـها بحسـب ما تشير الواشنطن بوست(2)، وامتلأت ساحات التظاهر باللافتات والشعارات اليهودية من جمعيات وجامعات ومدارس يهودية في واشنطن ونيويورك وفيلادلفيا ومدن أخرى.

ü عرقنة السودان:

قد يبدو أن الولايات المتحدة غير متحمسة ـ أو غير قادرة ـ في الوقت الحاضر على القيام بتدخل عسكري مباشر، وقد صرح زعيم الأغلبية الجمهورية (بيل فيرست) الذي لعب دوراً مهماً في تصنيف المجلس لأحداث دارفور على أنها «إبادة جماعية»، صرح إبان زيارة له لنيروبي بأن «حكومة الولايات المتحدة لن ترسل جنوداً لدارفور؛ لأنها لا تعتبر التدخل العسكري مناسباً»(3). وحتى تدخل حلف الناتو الذي تضغط باتجاهه الخارجية الأمريكية هو خيار مشوب بالقلق والتردد، وإن حدث فإن مداه قد لا يصل لما دعا إليه بعضهم وتوقع حـدوثه مــثل إرسال قـوات بريـة تـابـعة للـحلف إلى الإقلـيم أو تنظيم دوريات وطلعات جوية مهمتها حماية قوات حفظ السلام المرابطة هناك فضلاً عن حماية مواطني الإقليم أنفسهم من عمليات القصف الجوي التي تستهدف حياتهم وقراهم. وعلى حد تصريح أحد المسؤولين في الإدارة الأميركية فقد جرى استبعاد هذه الخيارات الأخيرة في الوقت الحالي، بينما ترمي الخطط الأميركية الجارية لإرسال أقل من 500 مستشار من حلف «الناتو». والفكرة هي أن يتم إلحاقهم بوحدات القيادة العامة للقوات الإفريقية، وأن يقدموا مساعداتهم في المهام اللوجستية والاتصالات والاستخبارات(4). لا شك بأن سوابق الناتو والولايات المتحدة في أفغانستان والعراق غير مشجعة، ولا تتيح الدخول في مغامرة جديدة في ظل وضع متردٍّ أمنياً وغير مُوَاتٍ سياسياً، لكن الآليات البديلة للتدخل الأمريكي مثل دعم المتمردين، ومحاصرة الحكومة وتحريك دول الجوار وإثارة القلاقل الأخرى كما يحدث الآن في شرق السودان تسير بهمة ونشاط ريثما تتمكن الولايات المتحدة من توفير الظرف المناسب لحشر نفسها في مأزق جديد.

من جانب آخر فإن الوضع الدولي لقضية دارفور يميل إلى غير شق الحكومة السودانية؛ ذلك لأن تورط فرنسا وألمانيا في ملابسات القضية يحول دون ممارسة أي دور يرضي الخرطوم. وروسيا لا تملك مصالح حقيقية تدافع عنها في السودان؛ أما الصين فهي تملك حجم تبادل تجاري ضخم مع الولايات المتحدة الأمريكية بلغ عام 2005م مبلغ 245.6 مليار دولار؛ بينما لا تتعدى مجموع استثماراتها في السودان 9 مليارات فقط فضلاً عن أن الصين تسعى لتنويع مصادر الواردات النفطية بمشاريع متفرقة في أنجولا وفنزويلا وكندا وروسيا وإيران، وهو ما سيؤخر كثيراً نسبة الـ 7% التي تستوردها الصين من نفط السودان، وهو أمر يعلل التراخي الصيني في تبني مواقف جريئة لعرقلة مشاريع البيت الأبيض في مجلس الأمن وصدور سلسلة القرارات عن السودان بلا تحرك صيني. إن المعوَّل الوحيد لتدارك المحنة لا يتأتى مطلقاً من أحضان دول تتعامل من وحي مصالحها وحساباتها الخاصة، وهي الورقة التي تجيد واشنطن التعامل بها.

أما المنظمات الدولية العاملة في دارفور فقد تجاوز عددها 80 منظمة أجنبية (نصفها عبارة عن منظمات كنسية) يعمل فيها أكثر من ألف موظف أجنبي بحسب إحصاءات وزارة الشؤون الإنسانية، وتملك هذه المنظمات صلاحيات استثنائية جرى استخدامها مراراً لإعادة إشعال الأوضاع أو رفع تقارير مشوشة تُستخدم بشكل يدر عليها أموال المتبرعين، ويضر بموقف الحكومة السودانية خصوصاً في ظل غياب المنظمات الإسلامية الفاعلة.

ü تشاد تحت حمى الصراع:

ليس خافياً أن معظم التغييرات الكبيرة التي تجري في تشاد ـ في تاريخها الحديث ـ تصنع في دارفور؛ فالجبهة الوطنية لتحرير تشاد (فرولينا) تأسست في نيالا بدارفور في 22 يونيو 1966م، وهو تحالف محسوب على مناطق الشمال والوسط ذات الأغلبية المسلمة والفقيرة والذي دخل في مقاومة مسلحة مع حكومة الحزب التقدمي التشادي بقيادة (ناغارتا تومبلباي) الذي كان يمثل مجموعة (السارا) وهم سكان الجنوب الأكثر ثراءً ثم (فلكس مالوم) تمخضت عـما يعــرف بـ (اتفاقية الخرطوم) في عام 1978م بين فرولينا بقيادة (حسين هبري) من قبيلة (القرعان) والحكومة التشادية برئاسة (فلكس مالوم) صار بموجبها حسين هبري رئيساً للوزراء ولكنه لم يلبث أن استبدل به (جوكوني عويدي) بعد المصالحة الوطنية في 1980م، ولكنه عاد لرئاسة تشاد بتحرك عسكري صنع في دارفور وبدعم أمريكي فرنسي مصري سوداني استلم به السلطة في 7 يوليو 1982م، وسمح لفرنسا بإقامـة قـواعد عسكـريـة علـى الحـدود مـع ليبيا وهو ما حدا ـ آنذاك ـ بتكوين حلف ليبي إثيوبي يمني شمالي وسوفييتي ضد الحلف الآخر لم تستقر الأوضاع بعدها إلى أن احتضنت دارفور مجموعة (إدريس دبي) من قبيلة الزغاوة التي تشكل 10% من سكان تشاد المستشار السابق لحسين هبري الذي درس بمدارس مدينة (كتم) بدارفور بعد أن منحه السودان اللجوء السياسي، ووفر له الدعم وبعد عدة محاولات فاشلة أبرزها عام 1984 تم إخمادها بتدخل فرنسي تمكن أخيراً من استلام السلطة في أول ديسمبر 1990م هدأت بعده التوترات على الحـدود بـين تشاد والسودان الذي يضم جالية تشادية تصل لـ 3 ملايين فرد.

بعد وصول (دبي) ورغم بقاء القواعد العسكرية الفرنسية وقرابة 3000 جندي فرنسي بدأ ما يشبه عملية (إحلال) للنفوذ الأمريكي بدلاً من النفوذ الفرنسي؛ ففي مارس 2000 طلبت تشاد من السفير الفرنسي «آلان دوبوا سبيان» مغادرة أراضيها، على خلفية تمتعه بعلاقات مميزة مع رئيس حركة «العدل والمساواة» المعارضة آنذاك (يوسف توجويمي) الذي استضافته باريس، وأصدرت خريطة فرنسية للمنطقة تشكك في تبعية إقليم (أوزو) لتشاد، ودعت البنك الأوروبي للاستثمار إلى تعليق مساهمته (44 مليون دولار) في مشروع حوض (سيديجي) النفطي، ثم أصدرت السفارة الفرنسية في أنجمينا بياناً أعلنت فيه عن انسحاب شركة «ألف» الفرنسية النفطية من الاستثمار في تشاد، وتبعها انسحاب «شل» البريطـانية فـي الوقت الذي سارعت فيه شركة النفط الأمريكية الكبرى (إكسون موبيل) بجانب شركتي (شـفرون) و (تكساكو) الأمريكيتين لبسط مشاريعها في تشاد.

ويرى المحللون أن تشاد تقع تحت وطأة ثلاثة محاور للصراع: محور يتعلق بالصراع الأميركي الفرنسي على غرب ووسط أفريقيا، ومحور يتصل بالصراع الإقليمي الذي تدخل على خطه ليبيا والسودان ونيجيريا، ومحور ثالث حول النزاع القبلي العرقي.

لقد كان من المنتظر أن يكون لأزمة دارفور تداعياتها على تشاد من واقع الترابط الكبير بين الإقليمين من الناحية الجغرافية والعرقية والاقتصادية والسياسية.

ترافق ظهور الأزمة في دارفور بتصاعد التوتر بين تشاد والسودان والذي بدت أكثر وضوحاً بعد أحداث الفاشر في 25/4/2003م، واتهام الحكومة بان من بين المتمردين أفراداً غير سودانيين دون أن تحدد جنسيتهم لكن الوضع تأزم أكثر بعد 23 ديسمبر 2005م عندما أعلنت أنجمينا عن (حالة الحرب) مع السودان، وسلمت شكوى ضد السودان اتهمته فيها بتقديم الدعم المادي للقوات المتمردة التشادية في شرق تشاد ومحاولة إحداث انقلاب عسكري على ديبي» وتأزم الأمر أكثر فأكثر بعد وصول (التجمع من أجل الديمقراطية والعدالة) بقيادة النقيب (محمد نور عبد العزيز) لأطراف العاصمة في 13 أبريل 2006م. ويتشكل التجمع من (التامة والقمر والعرب والقرعان) وبعض فروع الزغاوة، وقد اتهمت الحكومة التشادية السودان بدعم التجمع، وقامت بقطع العلاقات الدبلوماسية مع السودان وتسليم السفارة لأحد جناحي تمرد دارفور في مسلك انتقامي. وهكذا وصل الجرح لأكثر علاقات الجوار السوداني استقراراً وتعاوناً.

إن الناظر لأحداث أزمة دارفور وتداعياتها سيلحظ أن ثمة تواطؤاً واسعاً ومكشوفاً لتوطين الأزمة في دارفور أولاً، ثم في السودان ثانياً، ثم أقاليم القارة الفتية الفقيرة ثالثاً. إنها البيئة التي تمتلئ فيها حصالات المنظمات ومصانع الحرب وصناديق الانتخابات، وتنتعش فيها المؤامرات والمخططات، وتنتزع فيها السيادة، وينتقص القرار، وتفرض فيها الوصاية على مصير الأمة ومكتسباتها، وتشترى فيها الذمم والضمائر والمعتقدات، وتشيع فيها روح الأنانية وفساد الطباع.

لا يـبدو أن محــنــة دارفـــور سـتـكون آخـر الأزمـات، ولا مفاوضاتها آخر المفوضات. فها هي الحكومة السودانية تعلن رسمياً في 3/5/2006م عن القبول باستضافــة إريتريــا ـ إريتريا بشحمها ولحمها ـ لمفـاوضات شرق السودان التي تقرر أن تبدأ بالعاصمة الإريترية أسمرا خلال شهر مايو 2006م. فهل سيفلح مخططو السياسة السودانية في إنهاء هذا المسلسل الخبيث وقلع جذوره وحفظ بيضة الدولة، أم أننا كنا وما نزال ضمن مخططات الآخرين؟

نسأل الله أن يلطف بالسودان وشعبه ويقيه شرور المفسدين.

 


(1) السفير صلاح محمد أحمد ـ الجالية اليهودية في السودان ـ مركز الراصد للدراسات ، ص 56.

(2) محمد النحال وفراس النعيمي ـ تطور الإستراتيجية الإسرائيلية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر مطابع السودان للعملة 2003م.

(1) شمس الهدى إبراهيم ـ التدخل الإسرائيلي في السودان كيف ولماذا؟ مطابع العملة 2005 ص 61.

(1) د. حسن الساعوري ـ التغلغل الإسرائيلي في القرن الأفريقي ـ الراصد للدراسات ص 13. ونقل المؤلف قول موشي ديان عام 1952م: «إن أمن أثيوبيا وسلامتها هو ضمان إسرائيل».

(2) نالت الاستقلال في 24مايو 1993م.

(3) تحتفظ إسرائيل بوجود حوالى 650 مستشاراً أمنياً وعسكرياً، يرابط معظمهم في ميناء مصوع، لمراقبة التحركات في البحر الأحمر، ويتولى مهمات عديدة منها تدريب وتسليح القوات الإريترية والأجهزة الأمنية الإريترية كما لها تجهيزات لاستخدام معظم جزر إريتريا، ولها محطة رادار على قمة جبل سور كين، وتحتفظ بحرية مطلقة لحركة رجال الموساد وعملياتهم. راجع فصل (الدور الإسرائيلي في البحيرات العظمى وشرق أفريقيا) ـ التقرير الإستراتيجي العربي 2005 م.

(4) صحيفة البيان 4/1/2004م.

(5) الأهرام 30/8/2004م.

(6) بروفيسور حسن سيد سليمان ـ صحيفة الحياة 28/3/2004م عن التدخل الإسرائيلي في السودان كيف ولماذا؟ ص 120.

(7) صحيفة الوطن العمانية 11/12/2004م.

(8) انظر: محمد النحال ـ دور مياه النيل في صياغة المخططات الإسرائيلية ضد السودان ـ الراصد للدراسات ص 55.

(1) تشكل هضبة البحيرات 15% من مياه النيل.

(2) عاصم سليمان ـ الأطماع المائية الصهيونية في مياه حوض النيل ـ جامعة أفريقيا ص 57.

(3) شمس الهدى إبراهيم ـ سابق ـ ص 73.

(4) محمد النحال ـ قضية دارفور في ضوء النظرية الإسرائيلية (من المركز إلى المحيط) مركز الراصد 2005 ص 128.

(5) د. أسامة الأشقر ـ قراءة استشرافية للسياسة الإسرائيلية تجاه السودان ـ الراصد للدراسات ص 35.

(6) عايدة العلي ـ السودان والنيل بين مطرقة إسرائيل وسندان الانفصال ـ دار الآفاق 1998م ص 214، وتشير مصادر أخرى إلى أن الدبلوماسي الغربي هو السفير البريطاني في بيروت انظر: غسان مكحل ـ التجديد العربي ـ أزمة دارفور بين المآسي الإنسانية والأطماع الخارجية 30/4/2006م.

(1) صحيفة الصحافة 1/2/2005م.

(2) واشنطن بوست عدد 1/5/2006م.

(3) الصحفي نورم ديكسون مقال في دورية (اليسار الخضر) الأسترالية 15/8/2004م.

(4) مقال كولن لينش وجراهام برادلي في (الواشنطن بوست) 10/4/2006م. وهو ما صرح به الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (باب دي هوب شيفر) في 6/3/2006م: «ليس مطروحاً أن ينشر الحلف (قوات على الأرض) في إقليم دارفور غرب السودان».

للعودة للصفحة الرئيسة