هل يتواطأ الاتحاد الأفريقي مع أمريكا لتمرير مخططاتها ضد السودان؟

 

رضا عبد الودود

بالرغم من بيانات الشجب والإدانة التي أعدها القائمون على أمر القمة العربية التي انعقدت في الخرطوم خلال الفترة من 28 ـ 29 مارس الماضي، إلا أن السيناريو الامريكي الموضوع للسودان بدأ يتحرك بقوة نحو احتلاله بأموال عربية أو على أقل تقدير إقامة قواعد عسكرية أمريكية تقطع أوصال السودان بدلاً من شد أطرافه (كما كان في عهد كلينتون)، ولعل قرار الاتحاد الافريقي يوم الجمعة 10 مارس 2006 مثَّل مرحلة فاصلة في هذا السيناريو بطلبه من الأمم المتحدة نقل مهام حفظ السلام إلى قوات دولية لعجزه عن ضبط الأمور في دارفور، بعد ستة شهور من مهامه وقبيل نهاية 2006 بالرغم من أن كل المعطيات الرقابية في الإقليم تشير إلى التحسن الملحـوظ بنص تقارير عديدة لمنظمات إغاثية أشارت إلى تحسن في الحالة الأمنية والإغاثية في دارفور، منذ شهر يوليو 2004، وأعلنت الخرطوم عن محاكمة العشرات من أفراد (الجنجويد) وتقديم كشف بأسمائهم للأمم المتحدة للتأكيد، والإيفاء بالتزامها بنسبة 100% في مجال الانتشار الأمني، ونشر أكثر من ألفي شرطي خلال سبتمبر 2004 لتوسيع دائرة الأمن حتى تشمل كل مناطق وولايات دارفور، إضافة إلى ذلك اتفاق الخرطوم والأمم المتحدة على ما يسمى «خريطة طريق» لحل أزمة دارفور، كما أعلن (ريتشارد أرميتاج) نائب وزير الخارجية الأمريكي أنه لاحظ «تعاوناً أفضل كثيراً» من جانب حكومة السودان في موضوع المساعدات الإنسانية إلى اللاجئين، كذلك نجحت مفاوضات القاهرة بين وفدي الحكومة والمعارضة السودانية على كثير من القضايا التي كانت مثار خلافات بين الطرفين في الماضي، كمقدمة للوصول إلى اتفاق كامل يكون من حصيلته عودة التجمع بكافة فصائله للسودان وممارسة نشاطه السياسي داخل بلده، واتفق على دستور البلاد الانتقالي ونظام الحكم في المستقبل، وقضايا الحريات العامة، وشكل الانتخابات القادمة، وغيرها... إضافة للتدخلات الإيجابية من قِبَل ليبيا ومصر لتقريب وجهات النظر لحل الخلافات الشائكة بين المتمردين والحكومة التي تدفع بكل قواها في دعم الحوار مع المتمردين بإسناد ملف التفاوض لعلي عثمان طه النائب الثاني للرئيس.

إلا أن كل ذلك لم ولن يرضي اليمين الامريكي المتصهين الذي يبغي تفكيك التواصل الإسلامي في السودان، ويخطط لتفكيكه إلى أقاليم منفصلة يسهل اختراقها عبر منظمات الإغاثة الدولية ذات التوجهات التنصيرية والتبشيرية، أو عبر القواعد العسكرية الأمريكية المزمع إقامتها في جنوب البلاد عقب الانفصال المتوقع لتأمين النفط الأفريقي الذي يمثل 14% من إمدادات الطاقة الأمريكية، مع احتمال تصاعد النسبة لنحو 25% في عام 2015 بما يجعل بترول الشرق الاوسط والخليج العربي مجرد ماضٍ أمريكي في 2025م نظراً لتكلفته السياسية الباهظة.

وقد بدأت الحلقات الاخيرة من سيناريو الاحتلال، ثم التفكيك للنظام الحاكم، ثم التمركز والسيطرة الأمريكية والأوروبية عقب نجاح الضغوط الأجنبية الغربية في إقصاء السودان عن رئاسة منظمة الوحدة الإفريقية؛ حيث أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية خطة لاستقدام قوات أجنبية للتدخل في إقليم دارفور غرب السودان بدلاً من قوات الاتحاد الإفريقي. وكانت المفاجأة هي موافقة قيادة الاتحاد الإفريقي على الخطة الأمريكية رغم رفض السودان (نائب رئيس الاتحاد) للخطة.

ولكن أصل المشكلة السودانية يكمن في مشروع استعماري غربي متكامل يستخدم كل أدوات الضغط الإعلامي والسياسي والاقتصادي والعسكري، وقد توحدت فيه مواقف واشنطن مع أوروبا مستخدمة الأمم المتحدة غطاءً لفرض هذا المشروع؛ إذ يتم تركيز الأضواء على محنة السكان في دارفور، وحبك القصص والتقارير الإعلامية التي تبرز الحكومة السودانية كمتهم أول في ما يجري من عمليات إبادة، مع أن محنة أهالي دارفور قائمة منذ عشرات السنين، وشاركت فيها الولايات المتحدة بفرضها حصاراً اقتصادياً على السودان منذ عقد من الزمن، وتم تجديد ذلك الحصار الظالم في ديسمبر من عام 2004م، مع أن المنطق السياسي يقول: إنهم لو كانوا صادقين في شعاراتهم الإنسانية لساعدوا السودان لإنقاذ دارفور من المجاعة، ولكن تم الضغط على السودان لفتح المجال أمام منظمات الإغاثة الدولية على مصراعيه، وثبت بالدليل القاطع أن تلك المنظمات كانت جسراً لتسلل الصهاينة وجحافل المنصرين إلى دارفور، وتسريب شحنات كبيرة من الأسلحة إلى المتمردين؛ حيث كشفت الحكومة السودانية يوم 21/12/2004م عن ضبط متورطين صهاينة في تهريب أسلحة للمتمردين في دارفور. كما أكد (د. مصطفى عثمان إسماعيل) وزير الخارجية في ذلك الوقت، أن لدى السودان وثائق تؤكد تورط الكيان الصهيوني في دارفور سياسياً وأمنياً، وأن هناك منظمات صهيونية تعمل ظاهرياً تحت غطاء إنساني في منطقة شات بدارفور، وتعمل على تدريب الكثير من الأفراد المتمردين في الكيان الصهيوني، وهنالك عشرات المنظمات التنصيرية التي تتحرك تحت الغطاء الإنساني الدولي، محاولةً تنصير أبناء الإقليم الذي يعتنق كل سكانه الإسلام.

ولعل ما ساعد على تمرير تلك المخططات على أرض الواقع إضافة إلى حالة الضعف العربي والهوان الاسلامي الدور الذي يلعبه المتمردون من أبناء دارفور وقوى المعارضة السودانية في المماطلة والابتزاز السياسي في أسوأ صوره بعدما أصبحوا ضيوفاً دائمين على الموائد والمنتديات الأمريكية والغربية، والتي تحرض بلا شك على التشدد إزاء المفاوضات الدائرة وكأنها تمتلك أوراق التفاوض جميعها استناداً إلى الدعم الغربي والخارجي لها، وليس أدل على ذلك من اهتمام الخارجية الأمريكية والأمم المتحدة بالتصريحات الصادرة عن المتمردين، ولم تكترث لقول الحكومة السودانية: إن الهجمات على أهل دارفور يشنها «خارجون على القانون» وأنها ليست مـسؤولة عـما يقـومـون به. كـما لم تهتم كثيراً بطلبات (مفوضية العون الإنساني) التي تدعو الاتحاد الأفريقي لفرض عقوبات على متمردي دارفور بسبب الخروقات المتكررة لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع بين الحكومة والمتمردين، مثل خطف متـمرديـن من حركة العدل والمساواة يوم 31 أغسطس 2004 لـ 22 سودانيّاً مكلفين من قِبَل حكومة الخرطوم بالقيام بحملة تلقيح صحي في ولاية جنوب دارفور، إضافة لحالة التسخين التي يشهدها ملف الشرق الذي يجهز للفوران على الحكومة السودانية بهدف حصر نظام الإنقاذ في الخرطوم وضواحيها، مع احتمال تحريك ملف النوبة وسكان مناطق كوش في الشمال من أجل اكتمال السيناريو الأمريكي لوقف الامتداد الاستراتيجي للتوجهات العربية والإسلامية عند الخرطوم لافتراس خيرات القارة البكر، وتعميق الوجود الصهيوني بالقرب من مياه النيل والعمق الاستراتيجي لمصر، ومعاونة واشنطن في الحفاظ على يورانيوم وماس دارفور وبترول الجنوب المتنامي.

ولعل غياب الدور العربي والجامعة العربية وتسليم أمر الخرطوم للاتحاد الأفريقي الذي يتعاطف ضمناً مع مطالب المتمردين باعتبارهم من العنصر الأفريقي الذي تروِّج الدعاية الغربية أنهم مضطهَدون من جانب العنصر العربي، يسهم في تحكم أكبر للأطراف الغربية في توجيه دفة أحكام مجلس الامن والأمم المتحدة على السودان؛ خصوصاً أن واشنطن دعت من البداية لعقوبات ولكنها قبلت إعطاء الخرطوم مهلة دون أن تنفي عزمها تصعيد العقوبات، على الرغم من أن القمة العربية أكدت في قراراتها كالمعتاد على رفض تدخل أي قوات دولية في السودان دون موافقة مسبقة من الحكومة السودانية، ودعت لإعطاء قوات الاتحاد الإفريقي الحالية هناك فسحة من الوقت ومزيداً من الدعم المالي لإنجاز مهمتها.

ü الاتحاد الأفريقي محلل شرعي للاحتلال الأمريكي والأوروبي:

لعـل قـرار (مجـلس السـلم والأمـن) الـتابع للاتحاد الأفريقي بقبول مشاركة 800 فرد من قوات الناتو أو قوات دولـية في تأمين الأوضاع في دارفور يكشف لنا بُعداً هاماً يسـاعد في فـهم تـطورات الأحـداث في أفريـقيا عمـوماً وفـي السـودان خصوصاً، هذا البعد يتضح من نشأة (مجلس السـلم والأمـن الأفريـقي) التـابع للاتحاد الأفريقي الذي سبقت نشأته عدة هيئات في ربوع القارة الأفريقية سواء كانت هيئات أفريقية خالصة، أو هيئات غربية فرنسية، بريطانية، أمريكية تحت غطاء أفريقي، ولعل أشهر هذه الهـيئات الغربيـة المبـادرة الأمريـكية لمواجـهة الأزمات الأفريقية African Crisis Response Initiative، التي أُنشئت نتيجة لما حدث لأمريكا في الصومال. فأنشئت هذه الهيئة بهدف تكوين وحدات عسكرية أفريقية تأتمر بأمرها في حل النزاعات في القارة، وتفرض أمريكا من خلالها هيمنتها على القارة، بعيداً عن حلفائها الأوروبيين، وحينما أدركت الولايات المتحدة سواء في عهد كلينتون أو بوش الابن أن الهيـمنة الأمريكـية على القـارة الأفريقـية ليست أمراً سهلاً ولا تتم بالقوة العسكرية وحدها، لجأت إلى وسائل متعددة، وجعلت من القوة العسكرية إحدى الخيارات وليست الخيار الوحيد كما حدث في الصومال، واتجهت نحو دعم هذا المجلس، أي (مجلس السلم والأمن الأفريقي) الوليد دعماً مادياً، واستطاعت أن توجه هذا المجلس حسبما تشاء، ولذا سعت بكل قواها الإعلامية والسياسية والاقتصادية لإسناد رئاسة الاتحاد الأفريقي لرئيس الكونجو أحد عملائها ومن أكثر الحكام فساداً في القارة، بدلاً من الرئيس السوداني الذي كان من المفترض أن يتسلم الرئاسة وفقاً للإجراءات الروتينية المتبعة في الاتحاد الأفريقي، بضغوط مختلفة على عدة دول في القارة، حتى يتسنى لها تنفيذ خططها بعيداً عن المناوشات. ومن أهم هذه الخطط تفتيت السودان إلى دويلات، وتفتيتها كذلك عرقياً وطائفياً، بل ومذهبياً، خدمة للمصالح الأمريكية والصهيونية والغربية، والتي غالباً ما تستغل عمليات قوات حفظ السلام أو المراقبة الدولية إلى تقعيد قواتها في مناطق العالم المختلفة مثلما هو في العراق والبوسنة وشرق أوروبا وآسيا.

ولهذا لاحظ كل المراقبين باستغراب، إصرار الولايات المتحدة على إرسال قوات عسكرية، دولية إلى دارفور رغم معارضة الحكومة السودانية القاطع، وهي القوات التي ستكون تحت إشراف الأمم المتحدة إسماً، وتحت إدارة الولايات المتحدة حقيقة.

ü الهدف وراء الإصرار الأمريكي على إرسال القوات الدولية:

لا بد من التأكيد على أن هناك العديد من القوى الغربية التي كانت تقف وراء مسلسل التصعيد والعقوبات ضد النظام السوداني، خاصة بعد تشكيل ما سمي «تحالف إنقاذ دارفور» الذي يضم 150 جماعة دينية وإنسانية ومدافعة عن حقوق الإنسان، بدأت في فبراير 2006 جولة تشمل 22 مدينة أمريكية لإلقاء الخطب لزيادة الوعي وحشد الرأي العام الأمريكي للضغط على إدارة بوش للتحرك في قضية دارفور؛ وذلك في إطار حملة موسعة لإرسال مليون بطاقة لبوش متعلقة بمشكلة دارفور. ويقود هذا التحرك (تشارلز كولسون) وهو من الإنجيليين المتشددين، و(الحاخام ديفيد سالبرستاين) وهو رجل دين معروف في واشنطن بالدفاع عن قضايا ليبرالية، ويركز هؤلاء في سلسلة حواراتهم مع إدارة بوش على ما يسمونه «الكنيسة المضطهدة» خارج أمريكا وضرورة التدخل في السودان، وهو ما يكشف عن وجود مخطط إنجيلي صهيوني لتفكيك السودان لأسباب معروفة منها أن السودان يمثل أكبر عمق إسلامي في إفريقية، ويمتلك قدرة إنتاجية عالية يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي في الغذاء للعرب، وربما للعرب والمسلمين، والسودان بالنسبة لمصر هو عمقها الحيوي ومن يسيطر على السودان يمسك مصر من خصرها الحيوي؛ كما يقول أحد الخبراء الاستراتيجيين.

والسودان ـ كما هو معروف ـ يتصل بحدوده الجنوبية مع أوغندا وزائير، وغرباً مع تشاد وإفريقية الوسطى، وشمالاً مع مصر وليبيا، ومن ثم فإن تفكيك السودان واحتلاله أو السيطرة عليه أمريكياً، ومن ثم صهيونياً يؤدي إلى أهداف إستراتيجية خطيرة؛ فهو يفتح الباب واسعاً أمام عمليات السيطرة والتنصير في إفريقية، ويحقق حاجزاً بين الشمال العربي الإفريقي المسلم وباقي إفريقية، وهذا هدف أمريكي صهيوني معروف. كما أنه يحقق لأمريكا نفوذاً في القرن الإفريقي، مما يضمن لها وجوداً بحرياً وعسكرياً في محيطات وبحار يمكن أن تكون بديلاً للإخفاق الأمريكي في السودان.

وعلى المستوى اللوجستي تسعى واشنطن إلى إيجاد منطقة نفوذ أمريكية جديدة يتم نقل القوات إليها بعد تصاعد الهجمات والانتقادات ضد القوات الأمريكية في الخليج، وأنسب مكان هو منطقة القرن الإفريقي لأهميتها الإستراتيجية في التحكم في مداخل ومخارج بحار ومحيطات، فضلاً عن كونها منطقة بترولية بكراً لم يبدأ الإنتاج الحقيقي فيها.

ü مخاطر التدخل العسكري:

وتحمل خطة التدخل الأمريكية الأوروبية في دارفور الكثير من المخاطر؛ ربما لا تستهدف التدخل في غرب السودان فقط؛ بزعم وقف الإبادة الجماعية في دارفور، بل قد تكون مركزاً للانطلاق منه إلى السيطرة على منطقة القرن الإفريقي، بالنظر إلى الخطط الأمريكية المتعلقة بتوسيع نفوذها في إفريقيا إستراتيجياً، والسيطرة على مناطق النفط الجديدة هناك، حتى إن خطة التدخل الأمريكية في دارفور ـ والتي طُرحت خلال جولة وزيرة الخارجية رايس الأخيرة ـ أقلقت القاهرة لكونها تدخلاً في «الساحة الخلفية» لمصر وتمس أمنها القومي وهو ما دعا النظام المصري لإعلان رفضه وتحركه على المستوى العربي لتدارك الموقف خلال رحلات الرئيس مبارك الخليجية والأوروبية، مما دفع واشنطن بدورها لتحريك ورقة الأقباط ضد مصر بقبول لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة شكوى دولية قدمها ممثل أقباط المهجر (عدلي أبادير) تتهم النظام المصري باضطهاد الأقباط، والتي يعد قبولها بمنظمة دولية وطرحها للنقاش لأول مرة تلويحاً وتحذيراً شديد اللهجة ضد النظام المصري.

وعلى الصعيد الداخلي أدى قرار التدخل الدولي في دارفور إلى انقسام كبير داخل السودان بين الشماليين والجنوبيين، حيث دعا (رياك مشار) نائب رئيس حكومة جنوب السودان سلطات بلاده إلى القبول بإحلال قوات دولية في دارفور مكان القوات الإفريقية بحجة أن «الأخيرة فشلت في مهمتها» وهي حجة الغربيين نفسها، على حين أعلنت حكومة السودان والرئيس البشير وقادة جنوبيون آخرون رفضهم استبدال قوات غربية بالقوات الإفريقية؛ وهو ما يهدد التعايش السلمي الهش الحالي بين الشماليين والجنوبيين.

وعلى المستوى الأمني قد تتحول أفريقيا والسودان وإقليم درافور إلى ساحة قتال جديدة كالعراق تماماً ضد القوات الدولية، بعد تعهد قوى سودانية عديدة، بالتصدي للوجود الأجنبي، واحتمال استهداف تنظيم القاعدة القوات الدولية في الإقليم في حال وصولها وهو ما سيشعل المنطقة أكثر ولا يؤدي للهدوء المنشود، لأن دارفور ستبقى منطقة «منفلتة استخباراتياً وأمنياً»، ومفتوحة أمام الجميع للعمل على أرضها، كما أن السلاح متوفر في دارفور، وتصعب السيطرة على الحدود.

ü حرب التقارير:

وفي إطار استراتيجية تنويع الضغوط على الحكومة السودانية لاستخدامها فيما بعد، دعت منظمة «هيومن رايتس ووتش» الأمريكية المعنية بحقوق الإنسان في تقرير لها بعنوان «الحصانة المحمية.. مسؤولية الحكومة عن الجرائم الدولية في دارفور» يوم 11/12/2005 دعت مجلس الأمن الدولي إلى التحقيق مع الرئيس السوداني (عمر حسن البشير) و20 عضواً آخرين في الحكومة والجيش السودانيين كمشتبه بهم بالتورط في أعمال العنف التي وقعت في إقليم دارفور غرب السودان. وتضم القائمة التي أشارت إليها المنظمة: (علي عثمان طه) نائب الرئيس، الذي نال ثناء دولياً لتفاوضه في اتفاق السلام بين الشمال والجنوب، والذي أنهى قبل عام عقوداً من الحرب الأهلية، وكذلك وزير الدفاع (اللواء عبد الرحيم محمد حسين) وزير الداخلية السابق هو مبعوث (البشير) في دارفور في عام 1994م الذي يتهمه التقرير بأنه لعب دوراً مركزياً على ما يبدو في تنسيق ما زعمت أنه حملة «تطهير عرقي» مع نائبه (العقيد أحمد محمد هارون) المدرج أيضاً ضمن قائمة المنظمة.

ورفضت الحكومة السودانية التقرير في وقته، وقال المسؤول بالخـارجـية (مطرف صديق) إن التقرير «مسيَّس وسخيف ولا أساس له من الصحة، ويعتمد على دعايات وحملات الجماعات المتمردة». كما اتهم المنظمة بأنها تخدم أهدافاً تتناقض مع السلام وتتعارض مع المؤسسات التي أنشأتها الأمم المتحدة نفسها، رافضاً الإدلاء بأي معلومات بشأن ما إن كانت حكومته ستسمح لمحققي المحكمة الجنائية الدولية بدخول البلاد.

يذكر أن التقرير اعتمد على شهادات ميدانية لعدد من سـكان دارفور ولم يقدم أيه وثائق ملموسة. ويأتي التقرير الذي أصـدرته المنـظمة التي تتـخذ من نيويورك مقراً لها في 85 صفحة، وتقول المنظمة: إنه يوثق من خلال روايات لشهود عيان وصحف حكومية، وعبر تحقيقاتها الخاصة للدور المزعوم لهؤلاء الأشخاص في اقتراف جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور منذ منتصف عام 2003م. وأعد التقرير كي تستعين به المحكمة الجنائية الدولية التي أوكل إليها مجلس الأمن الدولي في مارس 2006 مهمة توجيه الاتهامات إلى المسؤولين عن ارتكاب انتهاكات. وتنفي حكومة الخرطوم على نحو قاطع خلال العامين الماضيين أي صلة لها بـ (الجنجاويد) المتهم الرئيسي بارتكاب جرائم وأعمال عنف في دارفور، وشكلت الخرطوم أيضاً محاكم خاصة تابعة لها لمحاكمة المشتبه بهم، لكن منظمة «هيومان رايتس ووتش» قالت: إن الحكومة السودانية لم تبذل جهداً «حقيقياً» للتحقيق مع المسؤولين عن تلك الجرائم أو معاقبتهم أو مقاضاتهم.

كما رفع (يان إيجيلاند) مساعد الأمين العام للأمم المتحدة منسق الإغاثة الطارئة تقريراً لمجلس الأمن يشكو فيه الحكومة السودانية لمشاركتها في قتل آلاف المواطنين في دارفور، وعرقلة أعمال الإغاثة في الإقليم. والغريب في الأمر أن ذلك الاتهام يأتي في الوقت الذي تثبت فيه تقارير فرق الاتحاد الأفريقي العاملة في دارفور تورط متمردي دارفور في أحداث العنف وخطف قوافل الإغاثة الإنسانية. ولكن استراتيجية حرب التقارير الرسمية التي تستخدمها واشنطن لدى المنظمات الدولية (مجلس الأمن والأمم المتحدة و...) تأبى إلا توصيل رسائل بنكهة حربية إجرامية ضد السودان لتقريب القرار الدولي كمظلة لعدوان مرتقب ضد السودان.

ويُعتـبر التـقريران الـصادران بحـق الخرطوم تحفيزاً لمجـلس الأمـن قـبل صـدور ثلاثـة تـقارير محورية بشأن دارفور وهـي: تقـرير الأمـين العام للأمم المتحدة، وتقرير هيئة الخبراء التابعة للجنة العقوبات، وتقرير مدعي المحكمة الجـنائية الدولـيـة؛ وهـو ما يمهد لفرض المجلس عقوبات جديدة على السودان مثلما حدث في 25/1/2006 حينما أوصت «هـيومان رايتس» بإحالة ملف دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولـية وهو ما وافق عليه مجلس الأمن في مارس الماضي مباشرة.

ü مراوغات المتمردين في أبوجا:

على صعيد المفاوضات التي دارت في أبوجا دفعت الحكومة السودانية نحو المزيد من التعهدات وجهود بناء الثقة مع متمردي دارفور، من خلال الإعلان الحكومي بالالتزام بوقف إطلاق النار على الرغم من الانتهاكات المتلاحقة لمتمردي دارفور والتي سجلتها فرق الإغاثة والمراقبة الدولية والأفريقية.

وعلى الرغم من المساعدات التي قدمتها الحكومة لإغاثة المشردين في الإقليم واتفاقها المبدئي مع المتمردين على ضرورة التوصل لسلام دائم في الإقليم وفي كل السودان، راهن المتمردون على إطالة وقت التفاوض لاستعداء الخارج على الحكومة السودانية؛ حيث رفضت الحركتان المتمردتان اقتراحات الاتحاد الأفريقي في ملف السلطة والثروة على الرغم من موافقة الحكومة السودانية على مشاركة إقليم دارفور في ثروات السودان وإدارة المشروعات التي تنفذ في دارفور؛ حيث رفضت حركتا «تحرير السودان» و «العدل والمساواة»، ورقة توفيقية تقدم بها الاتحاد الأفريقي لتجاوز الخلافات حول ملف قسمة السلطة، اقترحت إنشاء مجلس إقليمي تنسيقي لدارفور، تمثل فيه بصفة عادلة حركتا تحرير السودان، والعدل والمساواة، ويضم ولاة دارفور الثلاثة، وتكون رئاسة المجلس بالتناوب لفترة أربعة أشهر لكل واحد؛ على أن يحدد المجلس نظامه الداخلي، وأن يُعطى اعتباراً ملائماً لضمان التمثيل لمناطق السودان الشمالي التي لم تكن تتمتع بذلك تاريخياً في التشكيلة الرئاسية لما بعد الانتخابات. وهو ما تم التوقيع عليه تقريباً بعد الضغوط على الحكومة.

ü الحدود المفتوحة نيران موجهة للخرطوم:

على صعيد آخر تواجه حكومة السودان عراقيل عدة تقف في طريق السلام رغم إبرام الاتفاق، بل قد تجر البلاد لمستنقعات جديدة من عدم الاستقرار والحروب التي تكلف السودان الكثير في مرحلة أحوج ما يكون فيها لكل نقطة عرق.

فقد شهدت الفترة الأخيرة توترات سياسية عدة بين السودان وتشاد التي اخترقت قواتها الحدود السودانية خلال مطاردتها لفلول العسكريين المتمردين التي تقول تشاد إن الخرطوم تدعمهم، بينما تحتج السودان على اختراق أراضيها. وتلقى تشاد دعماً من الغرب وواشنطن التي تحاول ربط الحركات السياسية التابعة للحكومة والجنجويد في دارفور بالتنظيمات المسلحة في الصحراء بين تشاد والجزائر في محاولة لتدويل المخاطر الدولية لما يجري في دارفور بما يفتح أبواب التدخل الأجنبي على مصراعيها لاحتلال السودان.

وفي أقصى جنوب السودان يشكل جيش الرب الأوغندي الذي يخترق الأراضي السودانية عاملاً قوياً في عدم الاستقرار السياسي، حيث يقوم بتنفيذ هجمات على قوافل الإغاثة في الجنوب السوداني، ويعرقل جهود إعادة توطين اللاجئين؛ وذلك في محاولات للضغط على حكومة الجنوب السوداني التي تحاول التنسيق مع أوغندا للقضاء على معاقل جيش الرب في جنوب السودان... وهو الأمر الذي يمهد بدوره لسلسلة مرشحة من المشكلات الحدودية مع أوغندا.. بعدما قالت منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومان رايتس ووتش) أوائل العام الجاري إنها حصلت على تقارير حول تقديم الحكومة السودانية أسلحة لجيش الرب للمقاومة.

ü واقع السلام بين الشمال والجنوب:

ما زالت الشكوك والمخاوف في الشارع السوداني إزاء اتفاقية السلام مع الجنوب خاصة أهل الشمال الذين يخشون انفصال الجنوب، وتجسد هذا الخوف في ظهور تنظيم سوداني فريد هو الأول من نوعه أطلق عليه (منبر السلام العادل). فعلى مدى نحو نصف قرن توالت على المسرح السياسي السوداني عدة منظمات وأحزاب جنوبية تنطق بلسان أهل الجنوب حصراً، تعبيراً عن مطالبهم ومطامحهم. ولكن على خط موازٍ ظلت الأحزاب والمنظمات السياسية الشمالية بكل أصنافها الطائفية والأيديولوجية كيانات مفتوحة ذات هوية قومية.. فلم يقم تنظيم شمالي صرف يعبر عن الحقوق والمطامح الشرعية لأهل الشمال حصراً، في وجه الكيانات السياسية الجنوبية. «منبر السلام العادل» كما أعلن مؤسسوه عن توجهه وأهدافه، ليس تنظيماً حزبياً بالمعنى الضيق، وإنما هو تعبير عن حركة شمالية تتعالى على الأحزاب الشمالية القائمة قاطبة. وباستدراك هذه الحقيقة نفهم لماذا يمثل الأعضاء المؤسسون انتماءات متنوعة لأحزاب مختلفة بما في ذلك الأحزاب التقليدية الكبيرة.

ورغم أن الحكومة السودانية الجديدة التي تضم الجنوبيين قد تشكلت وأدت اليمين الدستورية يوم 22 سبتمبر 2005 بمشاركة وزراء من الحركة الشعبية لتحرير السودان لأول مرة بنسبة 28% من المناصب مقابل 52% لحزب المؤتمر الحاكم، و20% لأحزاب المعارضة الشمالية والجنوبية، إلا أن هذه الحكومة خلت من خمس قوى سياسية هامة هي: أحزاب المؤتمر الشعبي (حزب الترابي)، والأمة، والشيوعي، والتجمع الوطنـي، فضـلاً عن اسـتبعاد القـوى المحاربة في دارفور. وما تزال هناك خلافات ظهرت في أول خطوة بين الشماليين والجنوبيين، وتنبع خطورتها من أن هناك قنابل موقوتة أخرى يفترض الاتفاق عليها قد تنفجر لو استمرت حالة التربص والحساسية من جانب كل طرف للآخر، حول ما تبقى من قسمة السلطة بين الحكومة والحركة، مثل المفوضيات التي تم الاتفاق عليها (مفوضتي حقوق الإنسان وترسيم الحدود بين الشمال والجنوب). ومن القنابل الموقوتة كذلك عدم حسم ملف العلاقة بين الشماليين حكومة ومعارضة؛ فالتجمع الوطني الديمقراطي الذي كان يضع نفسه موضع الممثل لغالبية الشعب السوداني أصبح اليوم له 14% فقط من قسمة السلطة، وما يزال يرفضها، وهو ما قد يرشحه للبقاء في المعارضة مثل حزبي الأمة والمؤتمر الشعبي. ثم هناك ملف محاكمات أعضاء من الحكومة أمام المحكمة الجنائية الدولية، والذي يبدو كسيف مسلط على عنق الحكومة لتقديم المزيد من التنازلات في قضايا غرب وشرق السودان، والإذعان لمطالب واشنطن والقوى الغربية.

ü استثناءات المساعدات الأمريكية:

ولعل أخطر التحديات التي تواجه السودان هو ملف المساعدات الدولية الذي تستخدمه واشنطن كسيف آخر على رقبة الحكومة السودانية؛ حيث ظلت الإدارة الأمريكية ترفض تقديم المزيد من المساعدات لإقليم دارفور وشرق السودان وشماله الذي كان مهدداً بتطبيق العقوبات الدولية عليه دون الجنوب الذي يحظى بدعم عالمي لكونه مسيحياً في أغلبيته، وهو ما ينذر في حال عرقلة اتفاق السلام بمخاطر الصوملة وقيام الكيانات الجهوية التي تهدد قومية السودان، إلى درجة اصبحت فيه وحدة السودان مهددة واتفاقية سلام الجنوب تتعثر وتمضي في طريق الانفصال أكثر مما في طريق الوحدة المرتجى؛ ومطالب أهل الغرب والشرق كلها تنزع إلى العصبية والجهوية بعيداً عن أية نظرة قومية للسودان ككل.


(ü) صحفي مصري.

للعودة للصفحة الرئيسة