المرأة.. وخطوات نحو التربية

علياء بنت عبد الله

ثلاثة عشر عاماً هي تلك التي أمـضــاهــــا النبي صلى الله عليه وسلم في مكة باذلاً جهده ووقته وثمين دعوته في تربية جيل الصحابة أثمرت أفراداً قلائل.. وشخصيات معدودة.. ولكنها قلة ضربت أروع الأمثلة في الثبات يـوم كـثـر الـنـفـاق بعد بدر.. قلة ولكن كتب لها النصر دون عشرة آلاف من الطلقاء الذين انهزموا في حنين.. قــلـة ثـبـتت على عهدها يوم ارتدَّت قبائل العرب بعد موته صلى الله عليه وسلم.. لقد كان النبي صـلـى الله عليه وسلم عميق الفكرة.. بعيد النظرة.. حين صرف الوقت الذهبي من دعوته في تربـيـــة ذلك الجيل الأول من الصحابة.. كيف لا!! وهم نجوم النور.. وخير أهل الأرض.

فـلـنـتـجاوز أربعة عشر قرناً من تاريخنا الممدود لنصل اليوم إلى منظر هذه الجموع النسائية التي تتوجـه يومياً إلى مراكز تحفيظ القرآن الكريم وغيرها من المراكز الإسلامية لسماع كلمة حق في تـفـسـيـر آيــة أو شرح حديث.. والتي تدفع إلى الابتسامة والتمتمة بكلمات الحمد والثناء لله.. ثم الإعجاب بتلك الجهود والتضحيات التي ـ ولا شك ـ كانت وراء كل قلب اهتدى وكل رِجْل قدَّمتِ الخُطا..

إن هذه الجموع التي تـصــمُّ آذانها عن نعيق الغربان معلنة التحدي أمام كل مغريات الزمن وفتنه.. لهي جموع تنظر بعين الحاجة والافتقار إلى من يأخذ بيدها ويحسن توجيهها.. وهنا بالذات يأتي دور التربية.. فإننا لا نعاني من الكم! وإنما من الكيف!

خطوات نحو التربية:

لو أخذت أي بذرة من بذور الأرض ووضـعـتـهــا في إناء زجاجي أو على رف من الخشب فإنها لن تنبت مهما طالت المدة حتى تضعها في أرض خـصـبـة وتـتـعـاهـدهـــا بماء وسقيا وتعرضها لحرارة الشمس، ثم ما تزال معها تهذبها وتشذب أطرافها وتحسن توجـيـهـهــا وتـزيـل عـنـهـــــا ما يؤذيها حتى تشتد وتخضر وتقف على ساقها.. وهذا ما تعنيه عملية التربية.

أولاً: تطوير المنبع:

كلما كان ماء النبع عذبــاً كان أروى للظمأ.. وعلى قدر خصوبة الأرض يكون جمال النتاج.

إن فقه المربية لعقيدتها الـتي تـدعـو الناس إليها وعلمها بمداخل النفوس واقتناص الفرص يزيد من فرصة قبولها لدى الناس ونجـاحـهــــــا في دعوتها إياهم إلى الخير والتزام طريق الحق.. ولذلك كان لزاماً على كل مؤسسة أو مركــز إسلامي أن يهتم بالعاملات فيه تطويراً وأداءاً ونقترح في هذا الصدد عدة نقاط:

شرح أهداف المركز لجميع العاملات فيه سواء الأهداف المرحلية (مختصة بفترة محددة) أو الأهـداف طويلة الأجل التي تحتاج إلى سنوات لتحقيقها ومتابعة تطبيقهن وسعيهن لإتمام هذه الأهـــــداف؛ فــــإن ذلك مما يعزز الشعور لدى كل واحدة منهن بأنها لبنة لو نزعت لانكسر الجدار.. وأيضاً فالـمـتـابـعــة تساعد في التنبؤ بالخطأ قبل وقوعه، وبالسيطرة على المشكلة في مراحلها الأولى.

تنظيم دورات تأهيلية تطويرية تـكــون مــوجـهــة خاصة للعاملات في المراكز والمؤسسات تتشعَّب إلى ثلاثة محاور رئيسة:

1- دورات شرعية: تـعـطـي الأســس والقواعد في كل علم من علوم الدين الأساسية مما لا يسع مسلمة أن تجهلها فضلاً عن عــامـلــة فـي الـمركز ينبغي أن تكون قدوة الناس ومحط أنظارهم.

2 - دورات تربـويـة: تسهم في فهم رسالة هذا الدين الفهم الصحيح، وأن مهمتنا لا تقف عند البلاغ وتغيير الأفــكــــار فقط، بل تتجاوز ذلك إلى مساعدة الناس على أن يغيروا من سلوكهم ويتغلبوا على مشكلاتـهم وأن يتخطوا جميع العقبات من المجتمع والنفس.. وذلك لن يتسنى لنا حتى يكون لدينا أســس تـربـويـــــة صحيحة نتعامل بها مع الناس. وسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وكيفية تعامله هي المنهج للتربية والمنبع الذي لا ينضب.

3 - دورات دعوية: يُتناول فيها مستجدات الساحة ومـا يـجـــب علينا إدخاله وإدراجه ضمن مناهجنا الإسلامية، وطرح الحلول لبعض مشكلاتنا الدعوية، ووضــع جداول زمنية لتوسيع نطاقات الخطاب مع مختلف شرائح المجتمع ودراسة الأفكار والـمـقــتـرحـــــات الجديدة. والأهم من ذلك: وضع تصور عام للدعوة في المنطقة يهيب بكل العاملات الوصول إليه ولو بعد حين.

ولـمـزيـد مــن الفاعلية فإن هذه الدورات يجب ألا تكون عشوائية أو كلما سنحت الفرصة لإقامتها، وإنـمــا يجب أن تكون جميعها مدرجة ضمن جدول محدد (مثلاً: دورة شرعية كل ثلاثة أشهر، ودورة تربـويـــة كل أربعة أشهر، ودورة دعوية نصف سنوية) وعلى كل مركز أن يحدد حاجة منسوباته دون الـمبالغة في جانب على حساب جانب آخر، وإدراج لجنة خاصة (لجنة التطوير) ضمن لجان الـمركز تكون مسؤولة عن تنظيم هذه الدورات من حيث اختيار المواضيع ودعوة المقدِّمات واسـتـشارة المشايخ والعلماء وذوي الخبرة والتجربة في ساحة العمل الدعوي قبل الشروع في هذه الدورات.

ثانياً: البحث عن الراحلة:

قال صلى الله عليه وسلم: "الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة"(1).

إن بين هذه الجموع أشخاصاً ما أن تـحــكَّ قـشـرتهم حتى يبرق لك الذهب، وهؤلاء قد لا يأخذون من الداعية جهداً طويلاً حتى يحس بسرعة النتاج؛ بخلاف الصنف الآخر الذي قد تبذل معهم جهداً مضاعفاً ولكنهم، (مكانك راوح)، ومـــن ثَمَّ فإن من الخسارة أن يأتي أمثال هذه الشخصيات في مراكزنا الإسلامية ويبقين معنا سـنـيـن طويلة دون أن يُكتشفن أو يسعى إلى استخراج مكنونهن أحد!! وأحياناً كثيرة نشعر بتميزهن ووجــــــودهن؛ ولـكـن برامـجـنا تخاطب الشريحة العامة ولا تتسع لأمثال هذه الشخصيات. وها هنا ثمة نقاط لا بد من مراعاتها:

اهتمام الـمعلمات ومن هن في خط المواجهة مع الناس بالبحث عن الحريصات على دينهن المتميزات في علمهن وغيرهن ممن يظهر عليهن سِيما التنبه والنبوغ، وتوجيه رسائل خاصة لهن أثناء الـشـــرح والتفسير، وبذل الجهود لاحتوائهن لا سيما إذا كُنَّ ممن يحضرن لأول مرة.

إيجـــاد بـرامــــــج خاصة لهؤلاء يشرف عليها أهل الاختصاص، تعطى فيها المواد بشكل مدروس، وتختار فيها السُّور والأحاديث والمواضيع بشكل دقيق.

تكليف المربيات بمـتـابـعــة أحوالهن وتفقُّد حياتهن لا سيما خارج المركز، ومدى تقدمهن وتخطِّيهن العوائق والعقبات، وتـقـديـم النصح والتوجيه اللازم ليتكون لنا من مجموع ذلك شخصيات مؤهلة مربية ملتزمة غير ضعيفة ولا ازدواجية.

ثالثاً: وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح:

قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: "أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهـم فـي أمـــــر الله عمر، وأصدقهم حياءاً عثمان، وأقرؤهم لكتاب الله أُبيٌّ، وأفرضهم زيد، وأعلمهم بالحـــــــــلال والحرام معاذ، ألا وإن لكل أمة أميناً، وإن أميننا أيتها الأمة أبو عبيدة بن الجراح"(2).

لم يكــن مجتمع الصحابة مجتمعاً مكوناً من نسخ مكرورة بعضها من بعض، بل كان فيهم العالم والزاهد وطالب العلم والتاجر والساعي لرزقه والفارس والمجاهد؛ بل ومنهم الأديب الذي يعـلــن النبي صلى الله عليه وسلم له التأييد بروح القدس؛ لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يـتـقــــــن فن توزيع الأدوار، ولم يكن يهمِّش من دور هذا أو ذاك، بل لم يكن يفاضل بينهم إلا بالتقــوى وما وقر في النفس عبداً كان أو حراً عالماً كان أو أمياً عابداً كان أو تاجراً!!

إن الأمة التي لا يحسن أفرادها إلا شيئاً واحداً أمة سهلة الانهزام.

وحين نتحدث عن العصــر الذهبي لمجد الإسلام الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها يتبادر إلى ذهننا العدد الهائل مـــــن المدارس والجامعات والثورة العلمية من طب وهندسة ومعمار وإحصاء وغيرها من العلوم التـي بــرع فـيـهــا المسلمون بأمر وإرشاد من دينهم. ومن تصفح القرآن استشعر مسؤوليته في خلافة الأرض والتي تعني إصلاحها وإصلاح أهلها من جميع الجوانب.

وما علاقة المرأة بذلك؟

إنـنــا في مراكزنا نخاطب شريحة من النساء تريد أن تسمع وتريد أن تفهم؛ وبلغنا ـ بحمد الله ـ شــوطـــاً فـي ذلـك ولـكـن ما زال هناك صنف من الناس خارج الأسوار وهؤلاء على اختلاف أسباب عزوفهم إلا أنهم يشكلون شريحة كبرى من المجتمع، وطموحاتنا الدعوية لا تقف عند حد ذلك الـصـنـف الأول، بــــل إننا نريد أن نوسع نطاقات الخطاب ليصل صوتنا إلى كل بيت وكل فرد.

إن الـجـمـعـيات النسائية التي أسهمت ـ بل أدارت ـ الحركة المشبوهة حركة تحرير المرأة وسَّعت أنشـطـتـهـا ليصل خطابها إلى كل امرأة في المجتمع، فكان لديها أنصار من مختلف التخصصات والـطـبـقـــــات.. ليصلوا بالمرأة إلى ما وصلوا إليه الآن! ولذلك فإن حصر دور المراكز الإسلامية النسائية بــأن تــدور أنشـطـتـها حول الأنشطة التلقينية واستعمال مهارة السماع فقط هو اختصار مخل لرسالة المركز الأصـيـلــــــة العالية.. ولو أحصينا عدد مراكز تحفيظ القرآن الكريم المنتشرة في كل حي ومنطقة مثلاً ثــم تلمسنا آثارها الإيجابية لوجدنا أن الآثار الملموسة في حياة الناس لا تتناسب أبداً مع عدد المراكز المتزايد في الأحياء!! وهذا يعني أن رسالتنا لم تصل بعدُ بالصورة الكافية.

إن هذا الدين الذي يدعو إليه المركز يجب أن يكون له أنصار ينافحون عنه وينشرون لواءه في كل مكان في شتى الطبقات ومختلف التخصصات.. فمثلاً: لا بد أن يكون لدينا معلمات واعيات يحملن لواء الدعوة في المدارس، ويربطن أهداف التـعـلـيم بأهداف هذا الدين ـ ولا تضاد بينهما ـ وإبراز أنفسهن قدواتٍ ونماذجَ حية لما يمكن أن يـصـنـعـــــه الدين في حياة الناس، ودعوة الطالبات والمعلمات إلى امتثال القيم العليا والأخلاق الفاضـلـــــة التي يدعو إليها هذا الدين، ومثال آخر: لا بد أن يكون لنا كاتبات وأديبات يكتبن أدباً إســـلامــيـاً رفـيعاً يكفيننا مؤونة البحث عن قصص إسلامية هادفة أو مجلة خالية من المنكرات، ولعل من أنـجـــــع الأســاليب في توسيع نطاق الدعوة وأنسبها للمرأة هي المشاركة الإعلامية في المجتمع.. في المجـــلات والـجــرائـــد.. والكتب والدوريات.. وذلك إعلاءاً لصوت الحق ليتسنى لكل فرد سماعه، وليتعرف الناس على أنشطة المراكز وأهدافها.. وطرح تجاربنا في معايشة العصر لا سيما في تربية الأطفال والمراهقين، وخططنا لتربية هذا الجيل الناشئ.. فلماذا دائماً تتوارى تجاربنا الناجحة وتقـتـصر على فئة محدودة من الناس؟! هناك مئات القلوب التائهة التي تبحث عن الحق.. بل مــئـات العقول الواعية التي لو فهمت الحقيقة لما ترددت في سلوك الدرب.

الهوامش:

(1) رواه البخاري، ح/ 8946، ومسلم، ح/ 7452.

(2) رواه الترمــــــذي، وابن حبان وإسناده صحيح. قال ابن حجر في فتح الباري في باب مناقب أبي عبيدة بــن الجراح ـ رضي الله عنه ـ: أورد الترمذي وابن حبان هذا الحديث من طريق عبد الوهـــــــاب الثقفي عن خالد الحذاء هذا الإسناد مطولاً، ثم ذكر الحديث، وإسناده صحيح إلا أن الحُفَّاظ قالوا: إن الصواب في أوله الإرسال والموصول منه ما اقتصر عليه البخاري، 7/264 والله أعلم.

إغلاق