الدور الجديد في الصراع بالمنطقة

 

د. يوسف بن صالح الصغير

إن اغلب الحروب الحديثة تبدأ بمبررات غير حقيقية، بل إن السبب المعلن هو مجرد حدث بسيط يتم تضخيمه أو حدث مفتعل يتم استثماره لتنفيذ خطط معدة مسبقاً. فمثلاً لتحقيق هدف السيطرة على أمريكا الجنوبية وطرد الأسبان منها تم افتعال حادث تدمير سفينة أمريكية في ميناء هافانا، وقد تبين فيما بعد أن حادث السفينة الذي قتل فيه كثير من البحارة الأمريكيين مفتعل لتبرير حرب شعواء هدفها الاستيلاء على المستعمرات الأسبانية، وتمكنت أمريكا من تنفيذ المخطط والوصول حتى إلى الفلبين. إنها خطة إستراتيجية نفذت بعد حادث مفتعل. أما مبرر دخول أمريكا الحربين العالميتين الأولى والثانية فهو إغراق الألمان لسفن أمريكية؛ مع العلم أن أمريكا كانت تقف ضد ألمانيا منذ البداية، ولم تكن هذه الأحداث سوى مبرر ضخم إعلامياً لدفع الناس لتأييد الدخول المباشر في الحرب. وبعد أن اتفقت ألمانيا والاتحاد السوفييتي على تقاسم بولندا تم تنفيذ المخطط عام 1939م بعد حادث حدودي مفتعل، وقبل هذا التاريخ بمائة سنة نفذت فرنسا مخطط احتلال الجزائر بعد أن قام السفير الفرنسي بإثارة غضب باي الجزائر الذي قـام بضرب السفير بمروحة يدوية، وقل مثل ذلك عن الحرب الـيابانية ضد الصين. ولم يعد أحد يصدق أن سبب الغزو الأمريكي للعراق هو تدمير أسلحة الدمار الشامل غير الموجودة أصلاً أو تخليص الشعب العراقي من الطاغية؛ فالطغاة في العالم كثـر، والبـديل الحالي أكثر طغياناً. إنها مجرد مبررات دعائية ليس إلا، لتسويق مشاريع كبيرة. ونحن الآن نعيش مسرحية جديدة في فلسطين ولبنان؛ فعملية تصفية حماس واجتياح غزة أطلقت بدعوى تحرير جندي تم أسره بعملية عسكرية بطولية، وكذلك عملية القضاء على حزب الله وتصفية الحساب مع سورية بدأت بمبرر إطلاق سراح جنديين صهيونيين أُسِرا في عملية مشابهة لعملية حماس في غزة.

إن ما يجري هو صراع عسكري سياسي أطرافه متعددة؛ فما يجري في فلسطين هو قيام حماس بدفع العدو أن ينفذ محاولة تصفيتها التي كانت موكلة للسلطة. وفلسطين تعيش حالياً تحت الحصار والقصف المستمر، ولكنها تخلصت من خطر الاقتتال الداخلي، إنها تمر بمرحلة (ما بعد أوسلو) مرحـلة انسـحاب من غـزة وإعـادة احتـلال الضـفة ورفض للاحتلال وانكشاف الهدف الصهيوني من قيام السلطة فلسطينياً. لا شك أن دولة العدو ما زالت تتولى زمام إدارة الأزمة مع الفلسطينيين، ويقتصر الدور الغربي على الدعم والمشورة ولكن هل ينطبق هذا على الصراع الذي يجري مع لبنان؟ إنه سؤال كبير يطرح مزيداً من التساؤلات؛ فمثلاً:

هل هذه حقاً الحرب العربية الصهيونية السادسة؟

هل يمكن اعتبار ما يجري امتداداً للاجتياحات السابقة للبنان؟

هل تمثل الحرب الحالية دخول العدو في المشاريع الإقليمية بصورة مباشرة؟

< الصراع العربي الصهيوني:

لقد مر مشروع توطين اليهود في فلسطين بعدة مراحل تخللتها حروب نوجزها فيما يلي:

الحرب الأولى: إن إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين هو مشروع مشترك بين الغرب الذي يتبنى المشروع لأهداف استعمارية ودينية، وبين الحركة الصهيونية التي كانت تحلم بإقامة دولة لها، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف قام الإنجليز بحملة عسكرية كبرى ضد القوات التركية المرابطة في فلسطين أثناء الحرب العالمية الأولى، وتم احتلال فلسطين بقوات إنجليزية قادمة من مصر وقوات الثورة العربية القادمة من الجنوب، وهذه هي الحرب الأولى التي يغفلها الباحثون والهدف منها تهيئة الأرضية المناسبة لتوطين اليهود وتجميعهم من أنحاء العالم وخاصة أوروبا الشرقية.

الحرب الثانية: هي حرب 1948م، وكانت أطراف الصراع المباشر هي القوات الشعبية الفلسطينية والمتطوعين العرب، واشتراك سبعة جيوش عربية وهي أقسى الحروب في تاريخ دولة اليهود؛ حيث إنها كانت صراع وجود بالنسبة للفلسطينيين واليهود، ونتيجة الحرب كانت استيلاء اليهود على 78% من فلسطين وقيام دولة الصهاينة بناء على قرار التقسيم الذي ينص على قيام دولتين: عربية ويهودية في فلسطين. إن عام 1948م هو تاريخ إعلان قيام دولة اليهود وبداية المعاناة الفلسطينية العامة؛ فلم تقم لهم دولة، وبدأت الموجة الأولى من اللاجئين الذين فقدوا ديارهم في الأراضي المحتلة، وانتشرت المخيمات في الضفة الغربية وقطاع غزة وسورية ولبنان.

الحرب الثالثة: جرت عام 1956م وتسمى (العدوان الثلاثي) الذي تحالفت فيه بريطانيا وفرنسا والصهاينة ضد مصر بدعوى الرد على إعلان مصر تأميم قناة السويس، ولا شك أن هذه الحرب تمثل بالنسبة لليهود فرصة لتأكيد تحالفهم مع الغرب والتأكد من قدرات جيشهم الوليد، ونجح اليهود هذه المرة في احتلال غزة وسيناء والوصول إلى قناة السويس، وقامت أمريكا بالتدخل وإجبار الدول الثلاث على الانسحاب من المنطقة لتأكيد نهاية عصر الدول الاستعمارية القديمة وبداية عصر القيادة الأمريكية الجديد للغرب.

أما الحرب الرابعة: فهي مشروع توسعي إسرائيلي أتم فيه اليهود احتلال ما تبقى من فلسطين مع الجولان وسيناء وعادت إلى ضفاف قناة السويس من جديد. ومن أسماء هذه الحرب (نكسة 1967م) أو (حرب الأيام الستة) مع أن نتيجتها حسمت في ست ساعات فقط. لقد أفرزت هذه الحرب مزيداً من المعاناة الفلسطينية وسيلاً جديداً من اللاجئين، ولكنها أفرزت بروز المقاومة الفلسطينية وتراجع الدور العربي مع فقدان الأفكار القومية العربية بريقها وبداية ظهور المد الإسلامي المتزامن مع عودة الأنظمة إلى الشعارات الوطنية.

كانت الخسارة المهينة للأنظمة العسكرية للحرب السابقة دافعاً لقيام الحرب الخامسة عام 1973م وعلى الرغم من الجهد العسكري الذي بذل؛ فإن الهدف هذه المرة لم يكن تحرير فلسطين ولكن بداية مرحلة السلام مع اليهود؛ ولذا فإن الصراع التالي كان مع الفلسطينيين وحلفائهم من سُنَّة لبنان ويمكن تسميته بـ (مـرحلة الاجتياحات) وتم على أثره خروج القوات الفلسطينية من لبنان، وتصفية الميليشيات السنية، وتراجع السيطرة المارونية؛ مع دخول لبنان في مرحلة العصر الشيعي تحت السيطرة السورية؛ إنها مرحلة جديدة تميزت بشن الميليشيات الشيعية المدعومة من سورية حرب إبادة وتصفية لبقية القوى الفلسطينية المسلحة، وتم تدمير المخيمات الفلسطينية على يد حركة (أمل الشيعية) وفي هذه المرحلة دخلت إيران على الخط، وبدأت في بناء نفوذها في لبنان عن طريق تكوين حركة شيعية جديدة منشقة عن حركة أمل ذات التوجه العلماني تؤمن بولاية الفقيه؛ وبقدر ما كانت حرب المخيمات القذرة محرضاً على الانشقاق عن أمل فإن الوجود الصهيوني في الجنوب كوَّن دافعاً قوياً لتمدد الحزب الجديد الذي أطلق عليه (حزب الله) في جنوب لبنان، والسيطرة على الشارع الشيعي. وبقدر ما كان شعار أمل المدعومة سورياً تصفية السلاح الفلسطيني شعاراً غبياً فإن شعار حزب الله تحرير الأراضي اللبنانية جاء ذكياً، وبقدر ما عملته إيران بثقلها السياسي والمالي والعسكري لتقوية الحزب؛ فقد تعاظم دوره في لبنان، ونجح في تكوين شبكة من العلاقات مع السنة والفلسطينيين تحت (مظلة المقاومة الإسلامية) التي تتيح للحزب السيطرة على العمليات العسكرية وتوجيهها مع ما يخدم أهداف الحزب ومنحه القدرة على التغطية على منعه أي عمل عسكري ضد اليهود إلا عن طريقه. لقد كان شعار المقاومة أساسياً لاستمرار الحزب، وكان تعنت اليهود ومحاولتهم الحفاظ على سيطرتهم على الشريط الحدودي فرصة ذهبية للحزب لتطوير قدراته العسكرية حتى تمكَّن من إجبار القوات الصهيونية على الانسحاب في أول هزيمـة حقيقية لليهود، وهنا انتهت مرحلة الاجتياحات. نعم! لقد خرج اليهود من جنوب لبنان وحل محلهم من أخرجهم الذي لم يكن من الغباء بحيث يعلن تحقيقه النصر الكامل، ومن ثَم انتفاء مبرر وجود جناحه العسكري وبسط الحكومة اللبنانية سيطرتها علـى الجـنوب، لقد كـان احتـفاؤه بالنـصر عظيماً، ولكن المهمة لم تنتهِ؛ فهناك منطقة لبنانية يحتلها العدو إنها (مزارع شبعا) وهي منطقة لبنانية كانت تديرها سورية، واحتلها العدو عام 67م. إنه تخطيط عالي المستوى؛ فإننا في مرحلة تعجز فيه الأنظمة عن التحرير، وأثبت الحزب قدرته. وهنا نتساءل: كيف يمكن توصيف المرحلة الحالية التي تتميز بارتباط أحداث لبنان بالأوضاع الإقليمية أكثر من ارتباطها بقضية فلسطين التي لم تعد مطروحة بصورة أساسية؟

< قضية أسرى أم ماذا؟

لقد خرجت القوات الصهيونية من لبنان بقناعة عجزها عن تحمل نتائج احتلال مناطق جديدة تنشط فيها مقاومة مدعومة، وهذه القناعة موجودة لدى حزب الله؛ ولذا فإن الحزب حرص على إبقاء أسباب المقاومة موجودة ولم يكن أمام الصهيونية بعد عجزها عن التعامل مع الحزب إلا أن تطرح قضية تصفية الحزب على الولايات المتحدة الأمريكية التي حرصت على التأكيد على تصفية سلاح الميليشيات اللبنانية واعتبار حزب الله منظمة إرهابية، وتم تجاوز هذه الأطروحات بالتأكيد على استثناء سلاح المقاومة، ولم تستطع حكومة لبنان الجديدة التي يسيطر عليها المناوئون للنفوذ السوري مواجهة الحزب الذي يشارك في الحكومة، وهنا تجاوزت القضية حزب الله والصهاينة بدخول أطراف أخرى؛ فالمشروع الأمريكي المتعثر في المنطقة يحتاج إلى الجهد العسكري الصهيوني المباشر ضد سورية وإيران؛ حيث إن ضرب إيران وسورية عن طريق العدو الصهيوني أسلم بمراحل من عملية أمريكية مباشرة تحتاج إلى جهد كبير من الإدارة الأمريكية لإقناع قيادات الجيش والشعب الأمريكيين بإمكانية نجاح المغامرة الجديدة مع أنها إلى الفشل أقرب؛ لأن ضرب إيران سيؤدي بالضرورة إلى امتداد الصراع الأمريكي الشيعي إلى العراق؛ وهذا يكفي لفشل المشروع برمـته؛ إنـه مشـروع أمريكي يسمى (الشرق الأوسط الكبير) أو (الجديد) لا فرق؛ ولكن بتنفيذ صهيوني مدعوم بقوة من أمريكا؛ وبالطبع فإن أول مرحلة لهذا المشروع هي تصفية حزب الله، ومن ثم التفرغ لسورية وإيران. وهنا نفهم الرد السوري الإيراني باستباق الضربة بعملية تخلط الأوراق وتعطي العدو فكرة عن تكلفة هذا المشروع. ليس صحيحاً أن تدمير لبنان رد على عملية خطف جنديين، بل هو كما قالت (كوندا ليزا رايس) الشرق الأوسط الكبير، وأيضاً ليس صحيحاً أن العملية لفك أسرى لبنان لدى العدو، بل هي عملية لجر الصهاينة للمعركة قبل الأوان. وباختصار: فإن الدولة الصهيونية تخوض حرب أمريكا بالنيابة، كما أن حزب الله يخوض حرب سورية وإيران بالنيابة، إنه مشروع حرب إقليمية طاحنة، هي ثمرة مُرَّة لذلك المشروع الخبيث. عسى أن يعرف قومنا مدى حقيقة مثل تلك المشروعات المشبوهة ليحذروها قبل أن تتوالى عليهم شرورها المنتظرة.


(*) أستاذ مساعد في كلية الهندسة، جامعة الملك سعود، الرياض.

للعودة للصفحة الرئيسة