تداعيات حرب لبنان على القضية الفلسطينية والمسجد الأقصى

 

تحقيق: نائل نخلة

استغل العدو الصهيوني الحرب على لبنان في تصعيد القتل والتدمير وانتهاك المقدسات

وتمرير المخططات السياسية في الأراضي الفلسطينية

منذ بداية العدوان الصهيوني على لبنان، ورغم كثافة المعارك التي يشنها جيش الاحتلال في عدة مناطق استباحها هناك، إلا أن جبهة أخرى ظلت مفتوحة على جرحها في الأراضي الفلسطينية، وبوتيرة أعلى في ظل إهمال إعلامي أو تراجع في تركيز تغطية الحدث الفلسطيني أمام حجم الهجمة على لبنان.

ولم يتوقف ذلك العدوان في آثاره التدميرية على الجغرافيا اللبنانية، وإنما تعداه أيضاً ليلقي بظلاله على المنطقة، ومن أهمها تبعات هذا العدوان على الشعب الفلسطيني، سواء من ناحية تصاعد العدوان وسقوط الخسائر البشرية وتدمير البنى التحتية. أو من ناحية التأثير السياسي لتطورات الحرب على لبنان وتداعياتها على الفلسطينيين مقاومة وحكومة وشعباً، وعلى القضية الفلسطينية بعامة، خاصة في ظل الحديث عن نظرية «شرق أوسط جديد».

ويبحث هذا التحقيق في عدة محاور أهمها: تأثير العدوان الصهيوني على لبنان على مستقبل القضية الفلسطينية، ومن ثم يتناول هذا التحقيق جانب الانتهاكات التي تعرض لها الفلسطينيون منذ بداية الحرب على لبنان، إضافة إلى التطرق إلى مستقبل عمليتي حزب الله والمقاومة الفلسطينية التي أسفرت عن أسر 3 جنود صهاينة وإمكانية نجاح الفلسطينيين في استثمار هذين الحدثين في إبرام صفقات للإفراج عن أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني مقابل تسليم الجنود المأسورين.

< الآثار السياسية:

من الواضح أن الحرب على لبنان، لن تكون محدودة التأثير كما يبشر به الكثير من الساسة والمحللون؛ إذ إنها ستترك نُدَباً واضحة في السياسة العربية عامة، وفي سياسة ومصالح الدول الغربية ومنها الأمريكية في المنطقة. كما أن العدو لن يترك حرباً يشنها بكامل قوته دون استثمار كل جزء فيها وتحويله لصالحه.

ومن المتوقع أن تكون القضية الفلسطينية، أول المتأثرين بتداعيات هذه الحرب، وربما ستتخذ (أي هذه القضية) أشكالاً من التغييرات تنسجم بالضرورة مع نتيجة هذه الحرب.

وفي توقعه لنتائج هذه الحرب على القضية الفلسطينية، يقول (د. عبد الستار قاسم) أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس إن التأثير السياسي للحرب وتداعياتها يعتمد فعلاً على نتيجة هذه الحرب، فإذا كانت النتيجة لصالح حزب الله فالتأثيرات كثيرة.

ويتوقع (د. قاسم) في هذا السياق أن توازناً إقليمياً في القوى ستشهده المنطقة، كما أن الدولة الصهيونية لن تعود القوة الكبرى في الشرق الأوسط؛ لأن انتصار حزب الله هو انتصار لسورية وإيران، وهو الحدث الذي من شأنه أن يردع الدولة الصهيونية عن شن حروب جديدة مع العرب؛ على حين ستتوجه في سياساتها العسكرية نحو التركيز على الدفاع؛ بينما سيركز حزب الله على الهجوم مؤكداً أن من شأن ذلك ربما يؤدي إلى ازدياد النفوذ الإيراني والسوري في المنطقة.

أما على الساحة الفلسطينية فيتجه تحليل (د. قاسم) إلى توقع انتهاء ما اسماه «الحقبة العرفاتية». وكل ذلك في صالح بدء مرحلة جديدة من فكر المقاومة. في حين تصاب عملية السلام بضربة كبيرة. وكذلك يصاب أنصار التطبيع مع دولة الاحتلال على الساحة الفلسطينية بضربة كبيرة إذا كانت نتيجة الحرب لصالح (حزب الله).

وبناء على كل ذلك اعتبر (د. قاسم) أن هذه التطورات من هذه الرؤية، سيكون لها تأثير إيجابي وكبير على القضية الفلسطينية.

بينما يشير، بدرجة توقع النتيجة الإيجابية نفسها، إلى إمكانية أن يكون المردود سلبياً إذا ما حسمت الحرب لصالح العدو، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعزز من الهيمنة الأمريكية الصهيونية على المنطقة، على حد قوله.

وفي تعقيبه على موضوع تأثير دخول بعض الأطراف الفلسطينية في استقطابات جديدة، يقول (د. قاسم): لن يكون أمام حماس إلا أن تحسم أمورها لصالح المحور الذي سيعادل القوة الصهيونية.

من ناحية أخرى يرى المراقبون الفلسطينيون أن المشكلة الكبيرة بالنسبة للفلسطينيين كانت في فصل القضية الفلسطينية عن بُعدها العربي والإسلامي، وهو الأمر الذي شجع العدو على الاستفراد بهم وجعلهم أيضاً تحت رحمة الأموال الغربية. أما ما يتوقع من نتائج هذه الحرب؛ فإنها ستسهم في إعادة القضية إلى عمقيها العربي والإسلامي، وهذا يعني أن القضية ستعود إلى مسارها الصحيح بأن يكون العرب والمسلمون مع الفلسطينيين من أجل استعادة الحقوق، وهو الأمر الذي سيلقي بالعدو في مأزق جديد أمام تكتل عربي جديد ومن نوع جديد.

< شرق أوسط قديم... مفتت:

وفي الوقت الذي حملت وزيرة الخارجية الأميركية في زيارتها الأخيرة للمنطقة، رؤية أسمتها «شرق أوسط جديد» يقول (د. عبد الستار قاسم) إن هذا الطرح ليس جديداً، وهدفه تفتيت العرب وإشغالهم كلاً بنفسه دون أن يكون لهم تطلعات قومية أو إسلامية؛ وأن يكون هناك تكتل اقتصادي في المنطقة تهيمن عليه الدولة الصهيونية وتصبح من تملك العصا التي تحرك بها العرب والأتراك وإيران، وهو جزء من عملية العولمة الأمريكية.

من ناحية أخرى يحمل الفلسطينيون نظرة مختلفة لرؤية الشرق الأوسط الجديد. ويوضح المحلل السياسي (هاني المصري) أن المشروع الذي حملته وزيرة الخارجية الأميركية للمنطقة لم يكن سوى «استعادة الشرق الأوسط القديم» بعد أن فشل الأميركان والصهاينة في فرض رؤيتهم خلال السنوات القليلة الماضية، خاصة بعد احتلال العراق وأفغانستان ومحاولة تنصيب قيادات موالية بشكل أعمى للمصالح الأميركية في المنطقة.

ويضيف المصري: (إن التجارب الديمقراطية التي حاول الأمريكان والصهاينة لعب دور مهم فيها، لم تأت بالنتائج التي كان الطرفان يرجوانها في إنتاج قيادات موالية لهما، بل على العكس جلبت قيادات إسلامية مناهضة للمصالح الاستعمارية في المنطقة، وهذا ما يدفع أميركا والصهاينة اليوم إلى «استعادة الشرق الأوسط القديم» في مواجهة ما يسمونه قوى الشر «حماس والجهاد الإسلامي وسوريا وإيران»).

< تصاعد العدوان على الإنسان:

وكما تشير كثير من التحليلات المحلية فإن إخفاق جيش الاحتلال في تحقيق الانتصارات من خلال حربه العسكرية المفتوحة على لبنان، انعكس بشكل واضح على الأرض الفلسطينية، من خلال محاولة تعويض هذه الخسائر، وإبـراز جـيش الاحتـلال بالمنتـصر القـادر على تحقيق الإنجازات دوماً.

ومنذ بدء العدوان الصهيوني على قطاع غزة إثر عملية (الوهم المتبدد) التي نفذها عدد من قوى المقاومة الفلسطينية في الخامس والعشرين من حزيران الماضي، حتى يوم التاسع من آب قتلت قوات الاحتلال (190 شهيداً فلسطينياً) في قطاع غزة فقط، بينهم 57 من الأطفال (دون 18 عاماً) بينما كان عدد الشهداء من الإناث 25 شهيدة. وقد أصيب 28 شهيداً برصاص حي، بينما سقط 73 شهيداً نتيجة إصابتهم بشظايا الصواريخ، ووصل عدد الشهداء الذين سقطوا نتيجة إصابتهم بالقذائف إلى 81 شهيداً.

وقد وصل إلى المستشفيات الفلسطينية 67 شهيداً وكانوا في وضع أشلاء ممزقة. من جانب آخر توفي 5 مواطنين تم احتجازهم لأكثر من أسبوعين على معبر رفح.

ووصل عدد الجرحى خلال هذا العدوان إلى 779 منهم 278 من الأطفال، و85 جريحاً من الإناث، وكان بينهم 53 جريحاً برصاص حي، وكان من بينهم 604 أصيبوا بشظايا الصواريخ والقذائف، و84 جريحاً لم تتمكن الطواقم الطبية من تحديد نوع إصابتهم، وكان هناك 86 بترت أطرافهم.

ويتضح من المتابعة لعمليات استهداف الفلسطينيين أن أسلوباً جديداً اتبعته قوات الاحتلال في عمليات القتل، وكانت نتائجه مأساوية خاصة في إيقاع عدد كبير من الشهداء بينهم عائلات بأكملها، وإحداث أكبر قدر من التشوهات والأضرار في أجساد الجرحى.

ووصف (الدكتور معاوية حسنين) مدير عام الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية، حالات الشهداء الذين سقطوا في العدوان الأخير خاصة بعد الحرب على لبنان، بالأشلاء مؤكداً أن الغالبية تعرضوا إلى تقطيع للرؤوس ووجود قطع لحمية صغيرة بحيث صعب التعرف على هوياتهم، مؤكداً أن الاحتلال يرتكب مجازر حقيقية بحق الأطفال والشباب الفلسطيني.

وقد اتبع جيش الاحتلال أسلوباً قاسياً في تصفية من يسميهم بالمطلوبين عن طريق قتل عائلات بأكملها كما حصل مع عائلة (الدكتور نبيل أبو سلمية) حيث استشهد مع زوجته وأطفاله السبعة، وكذلك الشهداء من عـائلة حـرارة حـيث استشـهدت أم وثـلاثة شـبان، وكذلك عائلة عوكل التي استشهد فيها أيضاً أم وثلاثة أطفال، بالإضافة إلى عائلة فلسطينية تحمل الجنسية السويدية التي استشهد منها أب وثلاثة من أبنائه.

وما ميز العدوان الأخير على الفلسطينيين وبخاصة بعد اندلاع الحرب على لبنان وتصعيد الاحتلال لعملياته العسكرية في الضفة والقطاع، استخدام الجيش الصهيوني الأسلحة المحرمة دولياً حيث إن معظم المصابين والشهداء الذين وصلوا إلى المستشفيات عانوا من جروح من الدرجة الثانية والثالثة نتيجة استخدام مواد كيماوية وأحماض فسفورية وبعض الفلزات واليورانيوم.

وأكد حسنين أن طبيعة الجروح وعدم استجابتها للعلاج والمضادات الحيوية والمسكنات يؤكد أنه تم استخدام مواد مشعة وغير تقليدية. مشيراً إلى «أن الانتشار الكبير للشظايا على أجسام الجرحى والشهداء يؤكد أن القذائف التي استخدمت محرمة وممنوعة دولياً». وقال: «القذائف التي تطلق عبارة عن قذائف حارقة وقنابل مسمارية، وتحدث أذى بليغاً في الجسد» مشيراً إلى أن عدداً كبيراً من المصابين تعرضوا إلى تقطيع للأطراف نتيجتها. ووصلت حالات بتر الأطراف إلى 86 حالة.

وإلى جانب عمليات القتل المركزة، وإصابة أكبر عدد من المواطنين الفلسطينيين، كان التأثير النفسي أيضاً على نطاق واسع خاصة في صفوف المدنيين الآمنين في قطاع غزة، حيث رصدت المصادر الطبية الفلسطينية علاج 433 حالة اضطرابات نفسية نتيجة العدوان الإسرائلي؛ مؤكداً أن عدد الأطفال في هذه الحالات بلغ 285 طفلاً.

< الإعلام منشغل بلبنان... والمقدسات في دائرة الاستهداف:

وفي اعتداءات غير مسبوقة، تحولت الحرب على لبنان بالنسبة لليهود المتطرفين إلى وسيلة لتنفيذ مخططات تدميرية بحق المقدسات الإسلامية خاصة في القدس، حيث أعلنت جماعة «رفافا» الصهيونية المتطرفة عن نيتها اقتحام المسجد الأقصى في الثالث من آب، أي في وقت تصاعدت فيه الحرب ضد اللبنانيين، وانشغلت وسائل الإعلام كافة في تغطية أخبار القتل هناك.

وبالرغم من فشل هذه المحاولة بعد تكثيف الحضور الإسلامي والفلسطيني في القدس قبل أيام من الموعد المحدد، وبخاصة الهبّة الجماهيرية الفلسطينية من فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 48؛ إلا أن هذه المخططات لا زالت قائمة وعلى أعلى المستويات في الحكومة الصهيوينة.

وعلى سبيل المثال ورغم توجيه (مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية) بزعامة (الشيخ رائد صلاح) رئيس الحركة الإسلامية في الداخل الفلسطيني قبل أسابيع نداءً عاجلاً للمؤسسات والهيئات العربية والإسلامية الفاعلة والمهتمة بشؤون المسجد الأقصى للعمل على وجه السرعة لإنقاذ المسجد الأقصى من مخطط صهيوني لهدم باب المغاربة الملاصق للجدار الغربي للمسجد الأقصى والذي يعتبر جزءاً لا يتجزأ من المسجد الأقصى، وهو الواصل إلى باب المغاربة أحد أبواب المسجد الأقصى؛ فإن ردود الفعل الخافتة والضعيفة على مستوى التحرك الإعلامي والعملي لمنع تنفيذ هذا المخطط أغرت المؤسسة الصهيونية وأذرعها المختلفة التابعة لها بمواصلة مخطــطها وسعـيها لتنفـيذه بأسـرع ما تمـلك، حـيث نـشـرت ما تسمى بـ «سلطة الآثار الصهيونية» وبحسب ما أعلنه أكثر من مصدر صحفي صهيوني ـ مؤخراً مناقصة لتنفيذ أعمال نقل أتربة طريق باب المغاربة أي إزالة هذه الطريق نهائياً، وهو الأمر الذي من شأنه تهديد بناء المسجد الأقصى بشكل مباشر.

وتنبهت الأوساط الفلسطينية الخاصة بمتابعة شؤون المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية الى أنّ المؤسسة الصهيونية تستغلّ انشغال العالم ووسائل الإعلام بأحداث العدوان الصهيوني على لبنان ومن قبله على فلسطين لتنفيذ مخططات تستهدف المسجد الأقصى والقدس الشريف، والدليل على ذلك أن هذه المخططات أًعلن عنها سابقاً وقبل سنوات وتمّ تأجيلها من قِبَل المؤسسة الصهيونية تحسباً منها من ردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسلامية. وتعتبر ظروف الحرب على لبنان مناسبة لتنفيذ مخططاتها؛ ولذا فهي تصرّ على تنفيذها بأسرع وقت وفرضها على أرض الواقع بحيث يصعب تغييرها لاحقاً.

ويعلق (د. عبد الستار قاسم) على ضعف التركيز الإعلامي على تصعيد العدوان ضد الفلسطينيين مؤخراً، بالقول: إن حرب لبنان وضعت أخبار فلسطين في المؤخرة، ولكن في الوقت ذاته، فإن الحدث قي جنوب لبنان ليس لبنانياً فقط بل هو حدث إقليمي وسيظل كذلك حتى يُحسَم الوضع.

< حتى الأسرى.. لم يسلموا من التصعيد:

وفي الوقت الذي يعتبر الكثيرون أن قضية الأسرى كانت فتـيل القنبلة التي انفجرت لتثير كل هذه الحرب، سواء في لبنان أو في فلسطين؛ فإن سلطات الاحتلال لم تستثنِ أكثر من 10 آلاف أسير فلسطيني في سجونها من ارتفاع وتيرة الهجمة ضدهم، وخاصة بعد عملية أسر الجنديين في شمال فلسطين المحتلة والجنوب اللبناني.

ومنذ اليوم الأول للعدوان على لبنان شرعت سلطات الاحتلال ومصلحة السجون الصهيونية في إعلان الاستنفار العام في أكثر من 30 سجناً يحتجز فيها أكثر من 10070 أسيراً فلسطينياً إلى جانب 61 أسيراً عربياً، ومنعت عنهم كافة أشكال الزيارة سواء من قِبَل المحامين أو زيارات الأهالي، وقد انقطع الأسرى عن العالم الخارجي منذ ما يزيد عن شهر ونصف حتى منتصف آبٍ تاريخ كتابة هذا التقرير.

وعقاباً لهم على إبداء فرحتهم بعد عملية أسر الجندي الصهيوني (جلعاد شاليت)، وكذلك بعد الأسر لجنديين آخرين في الجنوب اللبناني، أقدمت مصلحة سجون الاحتلال على قطع البث الفضائي والتلفزيوني عن كافة السجون والمعتقلات التابعة لها، في محاولة لمنع الأسرى من متابعة تطورات الوضع في الخارج.

كما تصاعدت هذه الهجمة بشكل واضح عندما أقدمت وحدات نشحون «وهي وحدات خاصة من الشرطة الصهيونية متخصصة في قمع الأسرى الفلسطينيين» على اقتحام أقسام الأسرى في سجني الدامون وشطة حيث يحتجز نحو ألفي أسير فلسطيني، وقامت بضربهم بشكل مبرح قبل أن تهاجمهم وترش غرفهم بالغاز المسيل للدموع. وقال الأسرى إن هذا الإجراء جاء بعد أن بدأ المعتقلون في الدامون وشطة بالتكبير في أعقاب وصول أخبار عملية أسر الجنديين إليهم.

ونقل بعض الأسرى المحررين حديثاً أن عدداً كبيراً من الأسرى الفلسطينيين في السجون المركزية، وهي أسوأ أنواع سجون العدو وتخضع لرقابة الشرطة، لا يعلمون بتاتاً ماذا يحدث في الخارج، وليس لديهم أي معلومات عن تطورات الحرب على لبنان والتصعيد الخطير ضد الفلسطينيين، بعد قطع البث التلفزيوني ومنع إدخال الصحف وأجهزة الراديو، وكذلك منعهم من زيارة أهاليهم أو محاميهم.

ويؤكد المهندس (وصفي قبها) وزير شؤون الأسرى والمحررين، والذي تعرض لعملية اختطاف من قِبَل جيش الاحتلال في نهاية حزيران الماضي وأطلق سراحه في بداية آب، يؤكد أن الاحتلال صعد من عمليات الاعتقال العشوائية، في أرجاء الضفة الغربية المحتلة والقدس، بعد عملية أسر الجندي الصهيوني على يد أذرع المقاومة الفلسطينية، وكذلك بعد بدء الحرب على لبنان.

ويكشف الوزير أن سلطات الاحتلال اعتقلت منذ الخامس والعشرين من يونيو أكثر من 600 مواطن فلسطيني، من بينهم 31 نائباً في المجلس التشريعي من المحسوبين على قائمة التغيير والإصلاح وعلى رأسهم (د. عزيز دويك) رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، وثمانية وزراء في الحكومة الفلسطينية، وأن الاحتلال نفذ خلال تلك الفترة أكثر من 148 حملة مداهمة واعتقال في أنحاء متفرقة من الضفة الغربية.

ويشير الوزير (قبها) إلى أن أعداد المعتقلين في سجون الاحتلال ومراكز التوقيف وصلت إلى ( 10073 ) أسيراً، موزعين على 30 سجناً ومعتقلاً ومركز توقيف وتحقيق، أكبرها سجن النقب الذي يضم (2400 ) معتقلاً من بينهم (1000) أسير يخضعون للاعتقال الإداري دون تهمة أو محاكمة.

< هل تفضي الحرب إلى تبادل للأسرى؟

وبينما يعلن (حزب الله) دائماً أن هدفه من أسر جنديين في الجنوب اللبناني استعادة الأسرى اللبنانيين الذين يتم احتجازهم منذ سنوات طويلة في سجون الاحتلال، تحتل قضية تبادل الأسرى وإمكانية إطلاق سراح عدد كبير من المعتقلين العرب والفلسطينيين في سجون الاحتلال مقابل تسليم الجنديين في لبنان، والجندي الأسير في غزة، تحتل المكانة الأكبر في سلم الاهتمامات لأكثر من 10 آلاف أسرة فلسطينية وعربية فقدت أبناءها منذ أعوام طويلة، فاقت 30 عاماً كما حدث مع عائلة أقدم أسير فلسطيني (سعيد العتبة) الذي أمضى 20 عاماً في السجون.

وعن أفق عملية تبادل الأسرى، يقول الباحث والمتخصص في الشؤون الصهيونية (نهاد الشيخ خليل): من الأهمية بمكان قراءة خوف الصهاينة من إجراء صفقة تبادل أسرى إلى عنصرين، هما: أن دولة الكيان الصهيوني تنظر للموضوع بنظرة عنصرية ونظرة غطرسة؛ حيث إنها لا تتعامل مع الشعب الفلسطيني كطرف وإنما كجهة واقعة تحت هيمنة الاحتلال وطرف يمكن إيقاعه من خلال الحرب الاستخباراتية. أما العنصر الآخر فهو البعد الاستراتيجي؛ فدولة الاحتلال تنظر إلى الأزمة في محاولة لاحتواء هذه التغيرات الإستراتيجية؛ بحيث إنها لا تريد أن تتعزز، ومنها نتائج الانتخابات التشريعية، واستلام حركة حماس للحكومة الفلسطينية.

من جهة أخرى يستبعد (الشيخ خليل) أن تقوم دولة الكيان الصهيوني بعملية تبادل أسرى سريع؛ فهي تستغل الوقت في معركة استخبارية، كما أنها تسعى إلى إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في سبيل تفريغ أي صورة للانتصار الفلسطيني واللبناني من مضمونها عن طريق قتل المدنيين بأعداد كبيرة.

لكن من جانب آخر يشدد (الشيخ خليل) على أن المسألة تتعلق بقدرة المقاومة على إيقاع الخسائر في صفوف جنود الاحتلال الصهيوني، وتكبيد الاحتلال خسائر جمة بالإضافة إلى قدرة المقاومة الفلسطينية على إخفاء الجندي المأسور.

وبالرغم من هذا وذاك، يُجمِع الساسة والمحللون الفلسطينيون والمراقبون، على أن مسألة تبادل أسرى فلسطينيين وعرب مقابل 3 أسرى من الجنود الصهاينة لن تخرج إلى حيز الوجود إلى أن تضع الحرب أوزارها وينتهي العدو من تحقيق مبتغاه في إحداث أكبر قدر من الدمار للتغطية على هزيمته.


(*) مراسل المجلَّة في فلسطين.

للعودة للصفحة الرئيسة