|
ما زالت الولايات المتحدة الأمريكية وعملاؤها من الحكومة العراقية المعينة من قِبَل المحتل، ومن يتصيدون في الماء العكر، ويرجون الحصول على بعض المنافع الشخصية والطائفية يطبلون ويزمرون للانتخابات البرلمانية العراقية، ويدَّعون أنها ستكون الخطوة الأولى نحو قيام الدولة العراقية الديمقراطية والتحرر من الاحتلال، ولكن الواقع يقول: إن ذلك (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً)؛ فالرفض الشعبي الواسع لهذه الانتخابات يشتد يوماً بعد يوم، وقد عبر عن نفسه بأشكال مختلفة منها: إعلانات المقاطعة وعدم الإقبال على مراكز تسجيل أسماء المنتخبين، أو ترشيح من يُعتد بهم للانتخابات.
ويمكن تقسيم الشعب العراقي في موقفه تجاه الانتخابات إلى قسمين رئيسين هما:
1 ـ المؤيدون للانتخابات: وهؤلاء يمثلهم:
أ ـ الشيعة: ممثلة بمرجعيتها في النجف، وبأقوال السيستاني وفتاواه في وجوب المشاركة في الانتخابات، وإدخاله النار كل من لم يشارك فيها، وتأكيده على وجوب إجرائها في موعدها. ويبدو أنَّ الشيعة قد أجمعوا أمرهم على المشاركة في الانتخابات على هذا الأساس الطائفي مضحين بوحدة وطنهم بحجج واهية منها: أنهم أكثرية أهل البلد، وأنهم قد عانوا من استلاب السلطة في السنوات السابقة. ودليل دخولهم على الأساس الطائفي هو قائمة الترشيح التي تقدموا بها والمباركة من السيستاني؛ حيث تضم إضافة إلى الدينيين: العلمانيين، والشيوعيين من الشيعة، ولا ندري كيف اجتمع هؤلاء معاً؟ ولعل الجامع الوحيد بينهم هو الحقد الطائفي ليس إلا، والولاء للمحتل، ولا ندري ما شكل النظام الذي سيأتي عن مثل تلك القائمة: أهو نظام ولاية الفقيه أم نظام ولاية الدستور العلماني الأمريكي؟
إنَّ المصلحة الشخصية لمن أعطى ولاءه للمحتل الكافر، ونسي ما يوجبه الدين من مقاتلة الكفار والإغلاظ عليهم، والحقد الطائفي هو الذي يدفعهم لهذا التأييد. إنهم يمدون أيديهم إلى الكفرة ولا يمدونها إلى المسلمين، بل وصل الأمر بهم إلى التضحية بمصلحة أبناء طائفتهم مقابل مصالحهم الشخصية؛ فما الذي استفاده النجفيون من ذلك السقوط المدوي في النجف، والانبطاح المخزي أمام المحتل؟ فالنجف وكربلاء وجميع مدنهم ما زالت تعاني من سوء الخدمات، رغم ادعاء الحكومة العميلة إنفاق الملايين لقاء ذلك السقوط. لقد نسي هؤلاء أن أمريكـا قد قامـت على القـوة، وهـي لا تحتـرم إلا القوة، ومن ينبطح أمامها تدوسه بقدمها. أما المرجعية فهي المنعَّمة بما يمنُّ عليها المحتل، وبما تمتصه من هؤلاء المُضلَّلين عن طريق الخُمْس وغيره، لكن هناك بعض التيارات الوطنية والدينية الشيعية قد أعلنت مقاطعتها للانتخابات كـ (تيار الخالصي) الذي لا يملك شعبية كبيرة في الشارع الشيعي، والتيار الصدري.
ب ـ الأكراد: وهؤلاء كما يبدو قد عزموا على تأكيد انفصالهم فيما يسمونه (إقليم كردستان) وهم مهتمون بانتخابات برلمان كردستان أكثر من اهتمامهم بانتخابات الجمعية الوطنية، بل لا يهمهم من أمر العراق إلا ما له علاقة بمصلحتهم العرقية. وقد دخلوا الانتخابات بقائمة موحدة أيضاً، يدَّعون أنها تمثل (إقليم كردستان) وليس الأكراد؛ فهي تضم إضافة للأكرادِ التركمان والآشوريين الذين يسكنون إقليم كردستان. ولعل حلم الانفصال وتكوين دولة كردية تضم محافظات الأكراد: أربيل، ودهوك، والسليمانية، إضافة إلى مدينة كركوك الغنية بالنفط، ومناطق من محافظة ديالى، ومحافظة نينوى هو ما يدفع الأكراد إلى تأييد الانتخابات، والاندفاع لخدمة القوات المحتلة والتعاون معها في مداهمة مدن المقاومة، والذي سيخلده التأريخ كوصمة عار في جبينهم. ولكن مع كل هذا التعاون فإنَّ هذا الحلم من الصعب تحقيقه؛ وذلك لأنَّ جميع دول الجوار ترفض إنشاء هذه الدولة، ومنهم دول لا تزال لها كلمة لدى واشنطن كتركيا. كما أنَّ التداخل الحاصل بين الأكراد والعرب سواء على الصعيد الديني أو على الصعيد الاجتماعي سيحول دون تحقيق ذلك الانفصال.
ج ـ الأحزاب الدينية والعلمانية: التي شاركت في مجلس الحكم والجمعية الوطنية: كالحزب الإسلامي، وحزب الديمقراطيـين الـذي يـرأسـه عدنان الباجهجـي، وآخـرين ممن لا يمتلكون قاعدة ذات أثر في الشارع السني. وقد ادعى الأمريكيون أن السنة سيشاركون في الانتخابات من خلال الحزب الإسلامي وحزب الديمقراطيين ـ وقد طالب هؤلاء بتأجيل الانتخابات لمدة ستة أشهر - وهؤلاء معزولون بقوة عن الشارع السني؛ وذلك لأنَّ الشعب قد حسم قراره، واتخذ من الجهاد منهجاً وطريقاً، وهو ـ أي الشعب ـ لا يثق بهذه الانتخابات ومن يشاركون فيها لأنها في اعتقاده قد أضفت الشرعية على الاحتلال من خلال مشاركتها في مجلس الحكم، ثم في الحكومة المؤقتة التي تلطخت يدها بدماء الشعب العراقي، كما أن مشاركتهم تلك لم تحقق للعراقيين شيئاً، بل إنها لم تمنع الاعتداءات السافرة التي شُنت على المدن السنية كالفلوجة؛ فهذه الأحزاب لن تؤثر شيئاً في قرار الشعب بمقاطعة الانتخابات ولهذا عدّل بعضها مؤخراً من موقفه، كالحزب الاسلامي الذي أعلن مقاطعته لتلك الانتخابات.
ويأتي المؤيدين هم جميعهم ممن يُحسَبون مع المحتل، أو ممن سار في ركابه، وهم مرفوضون على الصعيد الشعبي، بل إن صورتهم مرتبطة بصورة المحتل؛ فلن يستطيعوا أن يستقطبوا أبناء الشعب العراقي للمشاركة في الانتخابات، بل إنَّ الحملات الدعائية الضخمة سواء في الصحف، أو في الفضائيات، أو من خلال الشعارات والملصقات لم تنجح في جذب الناس إلى متابعة الانتخابات.
2 ـ الرافضون للأنتخابات: وهؤلاء هم أغلب أهل السنة ممثلين بالهيئات الدينية كـ (هيئة علماء المسلمين)، و (الهيئة السلفية للإرشاد والدعوة والفتوى). كما رفضتها أطياف من المعارضة العراقية الوطنية، ووصل عددها إلى أكثر من ستين هيئة وتجمع وحزب، كما أنَّ جميع أطياف المقاومة قد أعلنت رفضها للانتخابات، وهددت بضرب جميع مراكز الانتخابات، واعتبرت كل مشارك فيها متعاوناً مع المحتل، ويساهم في إضفاء الشرعية على وجوده، وقد بدأت حملات التثقيف ضد الانتخابات، وتبيان الحكم الشرعي فيها، وأثرها السيئ على مستقبل العراق.
وتعود أسباب الرفض الشعبي للانتخابات إلى:
1 ـ انشغال الغيارى من أبناء الشعب العراقي بالقضية الكبرى، وهي قضية الاحتلال وسبل مقاومته؛ فنلاحظ تصاعد وتيرة العمليات العسكرية في الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد أحداث الفلوجة، وقد اعترفوا هم بأن عدد العمليات في شهر تشرين الثاني / نوفمبر قد وصل إلى ألفين وثلاثمائة وثمان وستين عملية، وإن كان المتابع لأحداث العراق يجد أن الرقم الحقيقي أكثر من ذلك بكثير؛ فقد زاد اتساع نطاق المناطق الساخنة ليشمل مدناً كثيرة من مدن العراق، وأصبح الأمريكيون في حيرة من أمرهم لا يدرون إلى أيِّ جهةٍ يواجهون ولا أيّ خرقٍ يسدون؛ ففي الفلوجة ما تزال المعارك تدور؛ ولم يستطع الأمريكيون الاستقرار فيها، رغم أنهم استخدموا أشد أنواع الأسلحة، حتى الأسلحة المحرمة دولياً؛ فقد استخدموا الأسلحة الكيماوية، والقنابل ذات القوة التفجيرية الهائلة؛ لذا فهم إلى الآن لم يسمحوا بعودة أهل المدينة، أو بدخول قوافل المساعدات، أو فرق التحقيق، وقد روى الكثير من شهود العيان أنهم رأوا بأعينهم العديد من السيارات تحمل أنقاض البيوت التي هُدمت بقنابلهم إلى مناطق مجهولة؛ وذلك تغطية لجريمتهم التي اقترفوها؛ ورغم كل ذلك العنف والقوة فقد تكبدوا خسائر كثيرة، حتـى إن النــاطق باســم القوات الأمريكـية أعلـن أنهم لا يستطيعون الإعلان عن خسائرهم في الفلوجة في الوقت الحاضر، كما أنهم لم ينجزوا شيئاً؛ فالمجاهدون ما زالت عدة أحياء في المدينة بأيديهم، والقصـف الـذي لا يزال مستمـراً على المـدينـة دليـل علـى أنهـم لـم يتمكـنوا منهـا، ومـا تصــريح ســترو: بـ (أن الهجوم على الفلوجة قد أضعف الإرهاب ولم يقضِ عليه) إلا تعبير عن خيبة الأمل التي يشعرون بها، كما أنَّ نصيحة الاستخبارات الأمريكية للقوات المسلحة الأمريكية: (بعدم التقليل من عدد القوات المسلحة في الفلوجة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى عودة سيطرة الإرهابيين على المدينة بسرعة) دليل آخر على المأزق الذي أدخلت فيه قوات الاحتلال نفسها في الفلوجة.
أما بغداد فقد بلغت العمليات فيها درجة لم تبلغها فيما مضى، ويكفي أن المنطقة الخضراء قد أصبحت المنطقة الحمراء لكثرة ما يسيل فيها من دماء الأمريكان وأعوانهم، أو المنطقة السوداء لكثرة ما يتعالى فيها من دخان الصواريخ، بل إن هناك مناطق في بغداد قد بلغت العمليات فيها درجة تفوق العديد من المناطق التي اشتهرت بالمقاومة؛ فمنطقة جنوب غرب بغداد قد تحولت إلى منطقة موت للمحتلين؛ فلا يمر يوم إلا وتُنفّذ في هذه المنطـقة عـدة عمليـات تكـبّد المحتل خسائر جمة. وأما بقية المدن السـنية فهـي تشتعل ناراً على المحتلين، لا يستطيعون فيها حيلة ولا عـملاً؛ فجميع مدن محافظة الأنبار، ومدن محافظة صلاح الدين، وأغلب مدن محافظة ديالى ونينوى هي في أيدي المجاهدين تدار من قِبَلهم، وليس للمحتلين أو للحكومة العميلة كلمة فيها، وقد حاولوا مراراً فرض مظاهر السلطة فيها سواء بدخول الأمريكيين، أو بدخول الأجهزة العميلة له كـ (الحرس الوطني، أو جيش الدفاع الوطني) فكانت تلك المدن تتحول إلى ساحة معارك، وحرب شوارع يتكبدون فيها الخسائر الكبيرة وينسحبون؛ وتكفي مدينة الرمادي دليلاً على ذلك؛ فهذه المدينة تشهد منذ أشهر حرب شوارع تدمر المحتلين، وقد خسروا فيها أضعاف ما خسروا في الفلوجة. هذا إضافة إلى مدن عدة في بقية المحافظات: كالبصرة، وبابل، والمحافظات الأخرى؛ وتفاعُلُ المواطنين مع المجاهدين في هذه المدن واضح للعيان؛ فهم الذين يوفرون الغطاء للمجاهدين في انسحابهم من المعارك، كما أنهم يلتزمون بكل أمر أو توجيه يصدر من المجاهدين. ومما لا شك فيه أن قضية الانتخابات من القضايا التي سيلتزم بها المواطنون بتوجيهات المجاهدين الذين أعلنوا حرمة المشاركة فيها، وأنها ستكون هدفاً لهم.
2 ـ الانتخابات البرلمانية وفق المنظور الغربي هي مخالفة لأصول الدين الإسلامي التي توجب على الناس تحكيم كتاب الله:
{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وإن الاحتكام إلى البشر دون حكم الله كفر بواح مخرج لصاحبه من الملة
{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْـمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلاَّ لِيَعْبُدُوا إلَهًا وَاحِدًا لاَّ إلَهَ إلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ} [التوبة: 31] وقد بين الرسول
-صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم أن شرك هؤلاء كان بتحليل ما حرمه الله، أو بتحريم ما أحله الله؛ فكيف ببرلمان ستنتج منه حكومة ترسخ احتلال الكفرة لديار المسلمين، وتبيع لهم البلاد والعباد، وتضفي الشرعية على المحتل وعلى بقائه؟ ومن نِعَم الله على الشعب العراقي تزايد الوعي الديني عند أغلب أبنائه؛ وذلك يعود ـ بفضل الله ـ إلى انتشار مذهب السلف مذهب أهل السنة والجماعة الذي يؤكد على توحيد الألوهية وإفراد الله بها سبحانه، وقد انتشر هذا المنهج انتشاراً واسعاً بين العراقيين، يُقبلون على تعلمه وفهمه ونشره؛ وسبب هذا الانتشار هو ثبات أهل هذا المنهج في ساحات الجهاد، وتقديم أرواحهم في سبيل الله؛ فيرتفع منهم الشهيد تلو الشهيد؛ وذلك بعد أن عاش هذا المنهج محارَباً سنوات طويلة من قِبَل نظام صدام والبعث تحت مسميات: الوهابية، وغيرها.
3 ـ ارتباط هذه الانتخابات بالمحتل وإجـراؤها في ظـله، ولا ننسى أن قانون الانتخابات هذا قد صيغ من قِبَل لجنة معينة من (بريمر)؛ فلا يمكن أن يضعَ هؤلاء قانوناً يتنافى مع مصالحهم، أو يعوق تحقيق حلمهم وحلم ربيبتهم الدوله العبرية بالسيطرة التامة والمطلقة على المنطقة. ولا يُعقل أن تُجرَى انتخاباتٌ والقوة والأمر والنهي بيد المحتلين يفعلون ما يشاؤون، يداهمون المدن والبيوت، وينتهكون الحرمات، والحكومة العميلة آخر من يعلم، لتضفي الشرعية على هذه الانتهاكات وتسوغها بأنها قد تمت بطلبها، ولعل تجربة المفاوضات الأخيرة في الفلوجة قد قطعت الشك باليقين بأن هذه الحكومة لا تملك من أمرها شيئاً، وما هي إلا مطية للأمريكان؛ فقد كانت المفاوضات تسير بصورة مرضية للطرفين، وكاد الاتفاق النهائي أن يُعلَن؛ وفجأةً ظهر (إياد علاوي) ليطالب الفلوجة بتسليم الزرقاوي، وإلا فلها الويل والثبور ـ وهو ما عجز أسياده عنه؛ فكيف يستطيعه هو في أهل الفلوجة ـ مما أوصل المفاوضات إلى طريق مسدود، وبدأ العدوان الوحشي والحكومة تؤيده بالقول والعمل.
فلا ينتظر الشعب من الانتخابات أن تفرز حكومة تراعي المصلحة الوطنية، أو يكون لها حول أو قوة أمام أوامر السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء؛ فهـذه الانتخـابات لا تـقـدم لـدى الشعب أو تؤخر، ولن تغير في الواقع شيئاً؛ فالأساس الطائفي الذي قام عليه مجلس الحكم أو الحكومة المؤقتة سيبقى كما هو، كما أن العملاء الذين جاؤوا مع المحتل سيبقون هم أنفسهم في الواجهة.
4 ـ فقدان الأمن من العقبات الرئيسية التي تدفع الكثير من الناس إلى رفض الانتخابات؛ فكيف يستطيع الإنسان أن ينتخب من جلبوا له الدمار والخراب والخوف. فالمواطن العادي حتى في المناطق المؤيدة للانتخابات يستشعر الخوف الكبير من يوم الانتخابات، ويعتقد أنه سيكون يوماً دامياً في العراق، وما تصريح وزير الدفاع في الحكــومة العمـيلة لوسـائل الإعـلام: بـ «أن قوات الحرس الوطني وجيش الدفاع ستنتشر بكثافة، وستُنشَرُ الدروع في المدن، وستُستخَدم الطائرات في حماية المراكز الانتخابية»، وزيادة عدد القوات الأمريكية بجلب قوات خاصة لإجراء الانتخابات ـ إلا دليل على حالة الهلع والخوف التي يعيش بها المحتلون والحكومة العميلة؛ فكيف بالمواطن العادي؟ ولقد طالب خمسة عشر حزباً من الأحزاب التي شاركت في مجلس الحكم والحكومة المؤقتة ـ من ضمنها: الحزبان الكرديان، وحزب الوفاق الذي يرأسه علاوي، وهي من الأحزاب المقربة بشدة من المحتلين - بتأجيل الانتخابات ستة أشهر بحجة الوضع الأمني، وجاء الأمر من سيدهم في البيت الأبيض بوجوب إجرائها في موعدها؛ فعادوا للترويج لها بقوة. وقد صرح الكثير من الزعماء السياسيين والمراقبين الدوليين بأن الوضع الأمني عقبة لا يمكن تجازوها في العراق؛ ففقدان الأمن أصبح الهاجس الأول لأغلب العراقيين؛ لذا فهو يقدمه على كل شيء، ومنها الانتخابات.
لقد أصبح الكثير من العراقيين يرفضون الانتخابات، ويطالبون بعدم حصولها بسبب فقدان الأمن، وما قد تجره على هذا الشعب من ويل ودمار.
5 ـ جهل الكثير من العراقيين بقانون الانتخابات؛ فالدعاية تتركز على المشاركة في الانتخابات فقط، وكونها أمل العراق في السلام والتحرر. أما ما ستتمخض عنه تلك الانتخابات، وكيف سيتم الترشيح والانتخاب، وكيف سيكون اختيار الحكومة القادمة من الأمور التي يجهلها الكثير من المواطنين؟ مما جعل المواطنين يُعرضون عنها ويرفضونها، وقد رأوا القرارات بشأن الانتخابات تتغير؛ فتارة تمدد فترة الترشيح، وتارة أخرى تمدد فترة التصويت، وتارة يطالب بتأجيلها، وتارة يؤكَد على إجرائها. فرأى الشعب أن الأفضلَ أن تلغى، وأن لا يشارك أحد فيها.
6 ـ فتح الحدود والسماح للكثير من الأجانب بدخول العراق، وخصوصاً من إيران؛ فقد دخل الكثير من الشيعة الإيرانيين، واستقروا في مناطق الجنوب، وحصلوا على الجنسية العراقية، كما حصلوا على الوثائق التي تؤهلهم للمشاركة في الانتخابات؛ إذ قامت المخابرات الإيرانية بتزوير ملايين البطـاقات التمـوينية التـي اعتمـدت كـوثيقـة للمشاركة فـي الانتخابـات. ولـم تفعـل الحكـومة العراقية أو قوات الاحـتلال شيئـاً لوقـف ذلـك الأمـر؛ ممـا أفقد الكثير من الأحـزاب والهيئـات والمواطنين الثقة في هذه الانتخابات ونتائجها؛ فطالبوا بمقاطعتها، وأعلنوا رفضهم لها. وقد صرح مـلك الأردن بأن عدد الإيرانيين الذين دخلوا العراق وحصلوا على الجنسية العراقية والوثائق التي تؤهلهم للتصويت في الانتخـابات قد بلـغ المليونـين؛ فلـم ينكـر (إبراهيم الجعفري) ذلـك، ولكنـه قـال: (إنَّ الرقم فيه مبالغة)؛ فهذا التدخل الفارسي الواضح جعل الكثير من المواطنين يشعرون بأنَّ الانتخابات ستضفي الشرعية عليه، وإنَّ ذلك سيؤدي إلى تحقيق حلم إيران بإنشاء الهلال الشيعي؛ فطالبوا بإلغاء الانتخابات ورفضوا المشاركة فيها.
7 ـ هناك العديد من الملاحظات على قانون الانتخابات العراقي، ومن هذه الملاحظات:
أ ـ قيامه على المحاصصة الطائفية والعرقية، كما كان الأمر في مجلس الحكم والحكومة المؤقتة والجمعية الوطنية؛ فقد قسم القانون مقاعد البرلمان على أساس ديني وطائفي وعرقي، وأكد على الكذبة الكبيرة بأن الشيعة أكثرية؛ فمقاعده البالغة مائتين وخمسة وسبعين مقعداً ستتوزع هكذا: مائة وخمسة وعشرون مقعداً للشيعة العرب، وستون مقعداً للسنة العرب، وستون مقعداً للأكراد، وخمسة عشر مقعداً للتر كمان، وخمسة عشر مقعداً للطوائف الأخرى من نصارى وصابئة ويزيديين؛ فهذا سيرسخ تقسيم العراقيين إلى طوائف؛ مما سيؤدي في المستقبل إلى حرب طائفية وعرقية، ثم إلى تقسيم العراق وتفتيته. ومشروع التجزئة والتقسيم مرفوض لدى أغلب العراقيين بمختلف أطيافهم، ومن ثم فهم يرفضون المشاركة في هذه الانتخابات التي ستؤدي إلى هذا الأمر الذي يرفضونه أشد الرفض.
ب ـ قيامه على نظام القائمة الانتخابية، وجعله التصويت على أي اسم في القائمة تصويتاً على القائمة بأكملها؛ مما يجعل المواطن في ضيق من اختيار المرشح، أو لمن سيعطي الناخب صوته إذا كان في القائمة من يرغب ومن لا يرغب بهم؛ وذلك دفع الكثير إلى الشعور بأن هذه الانتخابات هي وسيلة لتمرير بعض الشخصيات التي لا يقبلها أبناء الشعب العراقي لسلوكها المكيافيلي، ولتعاونها الفاضح مع المحتل؛ فهو يؤكد على الحزبية ـ وهو قانون يشابه قانون العدو الصهيوني وعدد قليل من الدول - فنظام القوائم لا بد أن يؤدي إلى التحالفات الحزبية، وخصوصاً الأحزاب المتعاونة مع الاحتلال، بل نرى أن الحزب الشيعي الواحد قد انقسم إلى عدة أحزاب من أجل الحصول على مقاعد أكثر، كما نرى في (آل الحكيم)؛ فقد تقدموا تحت اسم (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية) برئاسة عبد العزيز الحكيم، و (منظــمة شـهـيد الـمحـراب) برئـاسـة ابنـه عمـار عبد العزيز، وكذلك (جناحه العسكري فيلق بدر)، قد سجل باسم منظمة بدر. وكذلك فعل (حزب الدعوة) فقد سجل تحت هذا الاسم برئاسة الجعفري، وسجل جزء آخر منه تحت اسم (حزب الدعوة تنظيم العراق) برئاسة عبد الكريم العنزي. وقد دفع ذلك الشعب العراقي إلى إعلان رفض الانتخابات والمطالبة بمقاطعتها.
ج ـ جعل العراق منطقة انتخابية واحدة؛ مما سيؤدي إلى انتخاب أشخاص غرباء لا علاقة لهم بالمنطقة الانتخابية، ومعرفة همومها ومشاكلها؛ مما أكد لكثير من المواطنين أنها انتخابات صورية، يود من خلالها المحتل تحسين صورته إعلامياً، ومحاولاً إضفاء الشرعية على وجوده واحتلاله. كما أن هناك محافظات: كالأنبار، وصلاح الدين لم يبدأ بها أي نشاط انتخابي، فلم تفتح مراكز لتسجيل أسماء المنتخبين، ولم يترشح أحـد للانتخابات، وقد دفع ذلك (إياد علاوي) إلى المطالبة بتمديد فترة التصويت في المناطق الساخنة لأكثر من عشرين يوماً، ومن ثم ستمثل الانتخابات طائفةً على حساب الطوائف الأخرى.
يبدو أنَّ حلم الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها بإجراء هذه الانتخابات لا يجد له في أرض الواقع ما يساعده على التحقق؛ فقد أعلن العرب السنَّة رفضهم للانتخابات، حتى لو أُجلت كما يطالب (علاوي) والحزب الإسلامي والآخرون ظناً منهم أن ذلك سيخرجهم من المأزق الذي هم فيه؛ بسبب تصاعد عمليات المقاومة، وهذا الرفض له أثره الفعال في منع حدوثها. إنَّ العرب السنَّة ليسوا أقلية ليُهمَّشوا بل هم اليد الضاربة في العراق حقاً وصدقاً كما تؤكد الأحداث والوقائع، وإن تركيعهم اليومي لأكبر قوة في العالم يرسم صورة متفائلة لمستقبل العراق، كما يبعث برسالة لحكام العرب والمسلمين الذين اجتمعوا في شرم الشيخ، وأضفوا الشرعية الخارجية على الانتخابات ـ التي سقطت داخلياً ـ بأن هذا هو الطريق للعزة والرفعة والحفاظ على العباد والبلاد، بل على كراسيهم أيضاً لا السير وراء الولايات المتحدة الأمريكية دون وعي. إن دعمهم لهذه الانتخابات هو دعم لأحلام المحافظين الجدد في التوسع بالاحتلال ليشمل دول بـلاد الشام، ودول الخليج، ومصر ليتحقق حلم إنـشاء (دولـة إسـرائيل الكبرى)؛ ولكن هيهات أن يحدث بوجود أبناء للإسلام يولدون في كل يوم من رحم هذه الشدائد، يخرجون إلى الدنيا متسلحين بكتاب الله وسنة نبيه
-صلى الله عليه وسلم- معيدين للأمة الأمل بالتحرر والانعتاق من هذه الجاهلية والطغيان والجبروت والظلم وجور الأديان الوضعية والآلهة التي تُعبد من دون الله، والعودة بها وبالناس إلى عبـادة رب العـباد وتفـيُّؤ ظـلال الـتوحـيد. وقد يجعل الله مـن الانتـخابات سبـباً مـن أسبـاب زيـادة الصحوة والاندفاع إلـى ساحـات الجهاد، وليس كما يريدون لها أن تكون من أسبـاب توقـف الجهاد، وكما حصل عند اعتقال الطاغية السابق؛ إذ زادت عمليات المقاومة أضعاف ما كانت عليه، وما ذلك على الله بعزيز.
(*) مراسل مجلة البيان في العراق. |