السنة  التاسعة عشرة  * العدد 208* ذو الحجة 1425هـ  *  يناير/ فبراير  2005م

 

فضيلة الدكتور حارث الضاري في حوار مع البيان:

رفضنا الانتخابات لأسباب جوهرية

 

التحرير

البيان ترحب بكم فضيلة الشيخ الدكتور حارث بن سليمان الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق، وتشكركم على إتاحة الفرصة لها لإجراء هذا اللقاء السريع الذي سيتركز حول الانتخابات في ظل الاحتلال.

- وأنا أشكركم وأهدي تحياتي لمجلة البيان والعاملين بها.

البيان: لماذا رفضتم المشاركة في الانتخابات؟

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله ومن والاه، وبعد:

بداية نحن ممن يؤمنون بالشورى، ونعتقد أن الانتخابات هي نوع من الشورى، ومن ثم نحن لسنا ضد الانتخابات، بل مع الانتخابات، ولكن أيّ انتخابات؟ انتخابات الغش والتزوير والإعداد من قِبَل الأعداء لتكون النتائج إلى صالحهم في جوٍّ مكفهرّ؛ جوٍّ فُقدت فيه أدنى متطلبات الأمان لمثل هذه الانتخابات، إضافة إلى ما يجري من حمامات دمٍ ضد الشرفاء من أبناء هذا الـوطن علــى مختلــف مذاهبهــم؛ ولا سيما أهل السنة بالذات؟ أم أنَّ الانتخابات المطلوبة هي الانتخابات الحرة النزيهة العادلة التي تعطي كل ذي حقٍّ حقَّه، وتكون نتائجها في صالح البلد وفي صالح المواطن وفي صالح الأمة؟ نحن من هنا ننظر إلى الانتخابات، وعليه قررنا عدم الدخول فيها بصفتنا هيئة، بل لقد قررنا منذ بداية الاحتلال أن لا ندخل أيَّ تشكيل سياسي يجري في ظلِّ الاحتلال، ولهذا لم نشترك في مجلس الحكم الماضي ولا في الحكومة المؤقتة ولا في المجلس الوطني، ولا نشترك في الانتخابات المزمع إجراؤها بعد ما يقارب الشهر من الآن؛ لأنَّ هذه الانتخابات نؤمن كلَّ الإيمان بأنها لن تكون في صالح البلد. لذا قررت الهيئة أن لا تدخـل كلَّ التشكيلات الرســـمية حتــى لا تعطيها الشرعية، ولا تكون الهيئة مسؤولة أمام الله وأمام أبناء العراق وأبناء الأمة على أنها أعطت الشرعية للاحتلال ولمن صنعهم الاحتلال ليروِّج مشروعه الاستعماري من خلالهم. لهذا ـ مبدئياً ـ الهيئة باعتبارها هيئة لا تدخل هذه التشكيلات. أضيف إلى هذا أنَّ هذه الانتخابات الحالية فيها من العلل ما يجعلها غير مقبولة وغير محترمة؛ لأنها:

1 - تَفتقد الضوابط الفنية والضوابط الآلية، والضوابط الأمنية.

2 - لأنها ستؤدي بالنتيجة إلى انتخاب مجلسٍ يسمى وطنياً يتمتع بالشرعية، وسيتمخض عن هذا المجلس حكومة قادمة تُضفى عليها الشرعية من خلال المجلس، وهي حكومة بالتأكيد ضعيفة؛ لأنَّ الواقع يقول: إنَّ أيَّ حكومة تنشأ في ظل الاحتلال ـ إن لم تكن مصنوعة على عينيه ـ ستكون حكومة ضعيفة لا تقوى على ردِّ أيِّ أمر له، أو عدم تنفيذ أيِّ طلبٍ يطلبه. فالذي نتوقعه من مثل هذه الحكومة هو أنها ستستجيب لكلِّ طلبات المحتل الأمريكي. وفي مقدمة هذه الطلبات القواعد العسكرية، والحماية الأمنية للحكومة العراقية وللعراق، ومن ثم سيكون العراق أسيراً لهذه الحماية الدولية، ولا يستطيع أن يُنشئ جيشاً وطنياً يستطيع الدفاع عن البلد أو حمايته. ثم قد يكون من بين هذه الطلبات ـ وهو طلب محتمل جداً ـ الاعتراف بالدولة الصهيونية، ثم الخصخصة غير المعقولة، وإعطاء الجنسية العراقية لكل من يطلبها ولا سيما بالدولة الصهيونية أصحاب المشاريع والنوايا السيئة في العراق، ثم هذه الحكومة القادمة قد يطلب منها أن توافق على كل الاتفاقات التي وقّعها النظام السابق مكرهاً عليها أو غير مكرهٍ؛ كمسألة الحدود والالتزامات المالية على العراق والتي ستكبل العراق عقوداً طويلة إن لم نقل قروناً.

3 - إنَّ سلطات الاحتلال والحكومة المعينة من قِبَلها هددوا المدن العراقية التي يسمونها بالمدن التي تأوي الإرهاب بالسحق والتدمير قبل الانتخابات؛ وذلك لإعدادها قهراً ـ ولو على الأشلاء والدماء ـ للانتخابات القادمة. لذا فهيئة علماء المسلمين ومن معها من علماء العراق الأحرار قرروا أنه إذا هوجمت هذه المدن وفي مقدمتها مدينة الفداء والجهاد مدينة المساجد الفلوجة فإنَّ العلماء سيعلنون مقاطعتهم للانتخابات، ويدعون كلَّ الشرفاء في العراق لهذه المقاطعة، وهذا ما حصل؛ إذ إنَّ سلطات الاحتلال والحكومة المعينة من قِبَلها أصرّا على اجتياح الفلوجة، والعدوان عليها، وهذا العدوان جارٍ إلى الآن، وقد مضى عليه ما يقرب الشهرين وهو لا يزال جارياً، ولم تحسم نتائجه إلى اليوم. والذي تسبب في تدمير المدينة تدميراً شبه كامل، وقضى على الكثير من أبنائها بين شهيدٍ وجريحٍ وأسيرٍ؛ فلهذه الأسباب كلها مجتمعة قررت هيئة علماء المسلمين ومن معها من علماء العراق ـ والذين اجتمعوا لهذا الغرض ـ مقاطعة الانتخابات، وناشدوا كلَّ شرفاء العراق مقاطعتها، فاستجاب لهم ـ والحمد لله ـ الكثير من أبناء العراق، استجابت لهم قوى لم تكن على البال؛ فقد استجابت لهم قوى من كلِّ فئات الشعب العراقي ومكوناته؛ فهناك إسلاميون، وهناك علمانيون، استجاب لهم حتى النصارى أو كثيرٌ منهم، حتى إن من الحزب الشيوعي من استجاب لندائنا وقاطع الانتخابات، وإلى اليوم تأتينا الطلبات للانضمام إلى المقاطعين من خارج العراق وداخله من أحزاب وفئات وجمعيات وشخصيات كثيرة نافَ عددها اليوم على مائة جهة؛ وتقديري يقول إنَّ المقاطعين للانتخابات اليوم أصبحوا كمّاً كبيراً له وزنه، وقد أثَّر نفسياً منذ الآن على القائمين على الانتخابات، وأخذوا يحسبون حسابه.

البيان: السنَّة يقاطعون، والشيعة والأكراد يندفعون نحو الانتخابات: هل هذه بداية التجزئة للعراق؟

التعميم بأنَّ السنة يقاطعون والشيعة والأكراد ينتخبون أو يندفعون للانتخابات أظنه تعبيراً غير دقيق. السنة ـ نعم ـ أغلبهم إلى الآن يقاطعون، وهناك فئات من الشيعة أيضاً تقاطع الانتخابات. وأما الأكراد فلو تُرِك الأمر للشعب الكردي، فأعتقد أنَّ أكثرهم سيقاطعون الانتخابات. وعلى أيِّ حال أستطيع أن أقول: إنَّ الذين يندفعون إلى الانتخابات والذين يرغبون في الدخول فيها هم من كان قد اتفق مسبقاً وقبل الاحتلال على العمل مع المحتل، وهم أنفسهم جماعة مجلس الحكم الانتقالي وجماعة الحكومة المؤقتة، وهم الذين وراء هذه الانتخابات. وأنا أقول للمندفعين نحـو الانتخــابات أن لا يجعلوا همهم مصالحهم الشخصية والفئوية فقط. عليهم أن ينظروا إلى ما هو أبعد من هذه المصالح، أن ينظروا إلى مصلحة العراق وشعبه مستقبلاً.

أما من يقول إنَّ الانتخابات ستزيد الشرخ بين العراقيين، وأنها ستؤدي إلى فتنة أو إلى تقسيم العراق؛ فأنا أقول وبكل تأكيد: لن تؤدي إلى شيء من ذلك، وإنَّ الأوضاع ستبقى على ما هي عليه؛ لأنَّ هذه الانتخابات وما ستأتي به من مجلس هي الأوضاع نفسها التي جاءت بمجلس الحكم ولم يحصل شيءٌ من ذلك والحمد لله، وهي الأوضاع نفسها التي جاءت بالحكومة الحالية والمجلس الوطني الحالي؛ لذا فلن يحصل شيء من هذا في تقديرنا وهذا هو أملنا.

البيان: لقد أيّد المجتمعون في شرم الشيخ الانتخابات ووعدوا بدعمها؛ فما تقييمكم للمؤتمر ونتائجه؟

دول شرم الشيخ اجتمعت بطلبٍ من الإدارة الأمريكية، وحُدد لها مكان الاجتماع وهو شرم الشيخ. ومن هذه الدول من وافق على كلِّ ما طلبته الإدارة الأمريكية، ومنها من وافق على أكثرها، ومنهم من اعترض على بعضٍ منها، ولكنَّ اعتراضاتهم لم تُجدِ شيئاً. وفي النهاية وافقوا على كلِّ شيءٍ. ولأنَّ المسألة المهمة في الموضوع هي مسألة الأمن؛ فقد تعهدت هذه الدول أن تُسهم في الأمن بأشكاله المختلفة، وأنْ تساعد بما تستطيع فيما يُسمى الإعمار وما إلى ذلك. وعلى أيِّ حالٍ فمؤتمر شرم الشيخ كان في مصلحة الاحتلال؛ لأنَّه كله جاء داعماً لهذه الحكومة التي عينها الاحتلال ليمرر من خلالها أجنداته الحالية والمستقبلية في هذا البلد. والذين اشتركوا في المؤتمر كلهم بين ساعٍ إلى جلب ودِّ المحتل الأمريكي، ومنهم من يريد دفع شرِّه. فبالنتيجة كان المؤتمر لصالح المحتل وحكومته المعينة وضد رغبات الشعب العراقي الذي كان يأمل من هذا المؤتمر أن يدرس موضوع الاحتلال، ويحاول أن يضع له نهاية. ولم يُعرض هذا الموضوع بإلحاح من أمريكا مع سكوت الآخرين.

البيان: إذا كانت الحكومة التي ستفرزها الانتخابات ضعيفة ـ كما قلتم ـ أو صورية كما أشرتم؛ فما موقفكم منها؟

موقفنا منها تماماً هو موقفنا نفسه من مجلس الحكم الانتقالي ومن الحكومة الحالية وهو أننا لا نتدخل في شؤونها. ولكن سنعترض على كلِّ إجراء تتخذه إن لم يكن في صالح البلد وفي صالح الشعب العراقي، أو كان يعارض أيَّ مبدأ أو ثابت من ثوابتنا الدينية والوطنية؛ لأننا كما تعلمون لا نعارض كالمعارضة التي تريد أن تكون بدلاً للآخر؛ فنحن لا نسعى لنكون بدلاً عن أيِّ حكومة صالحة أو طالحة، رشيدةٍ أو غير رشيدة، بل نحن نعارض لكي نصلح ولكي ننصح وليس إلا.

البيان: ما أثر الانتخابات على المقاومة في العراق؟

المقاومة قد لا تؤثر عليها الانتخابات، وقد تستمر إلى ما هو أبعد، وقد تتصاعد بحسب الظروف والمعطيات. وهذا متروك للوقت، والوقت المستقبل هو من الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله.

البيان: هل تتوقعون أن يكون يوم الانتخابات يوماً دامياً؟

نسأل الله ـ تعالى ـ أن لا يحصل شرٌّ للعراق ولأبنائه وللمسلمين جميعاً، بل للإنسانية كلها على هذه البسيطة نتمنى أن لا يحدث سوء. ونرجو من كل الفئات المتخاصمة في هذا البلد أن تتقي الله في هـذا البلد وفــي نفسـها؛ لأنَّ الخـسارة لا تطال إلا العراقيين. أما غيرهم فإنهم هم المنتفعون والمتشفُّون، وهم الفرحون بما يصيب العراق وأهله من دمار وتخريب.

البيان: لقد تعرضت الهيئة لحملة عنيفة بسبب معارضتها للانتخابات تمثلت في اغتيال واعتقال العديد من علمائها وتشويه صورتها في الإعلام؛ فكيف تواجهون ذلك؟

نحن لم يغب عن بالنا ما حدث، وإنْ كنا لم نتوقع أنْ يصل الأمر إلى ما وصل إليه. ومع ذلك فنحن سائرون في طريقنا، متوكلون على الله؛ لأننا نشعر بأنَّ مثل هذه المضايقات، وهذا الأذى هو تمحيص لعملنا وهو شهادة على حسن سيرنا؛ لأنَّ الباطل لا يغتاظ إلا عندما يرى قوة الحقِّ وسطوعه وظهوره. فلذا نحن نتحمل وسنستمر في المسيرة بإذن الله، ونظل نعمل لديننا ولقيمنا ولوطننا وأجرنا على الله جل وعلا. نحن نعمل من أجل هذا الوطن، وأنا أرى أنَّ هذه هي رسالة أهل العلم في مثل هذه الظروف التي يمر بها بلدنا، ولنا أسوة في تأريخنا؛ حيث كان العلماء دائماً وحينما تضعف الدولة أو الدول الإسلامية أو تنهار هم الذين ينهضون بها، ويعيدون لها عزتها وسيادتها وكرامتها إنْ أخلصوا النية لله ولم يخافوا إلا الله.

البيان: كلمةٌ تتوجهون بها إلى العالم الإسلامي!

أدعو أبناء العالم الإسلامي أن يُؤازرونا بالكلمة الطيبة وبالدعاء الصالح والنصيحة المخلصة، وأن لا يصدِّقوا الكثير من أجهزة الإعلام التي تُموَّل من قِبَل الأعداء بما فيهم الدولة الصهيونية، ومن الجهلاء المحسـوبين على الأمـة ممـن لا يعرفون الواقع في العراق، والذين يروِّجون الكذب والافتراء على شرفاء العراق وأبناء العراق المدافعين عنه بكلِّ شممٍ وإخلاص.