الحسبة والاحتساب حتى لا تُخرق السفينة (1-2) - (2-2)

الحـمـد لله وحـده، والصـلاة والسلام على البشير النذير الذي لا خير إلا دلّ الأمة علـيه، ولا شر إلا حذّرها منه، وبعد:

فإننا في هذا العدد من البيان نتناول موضوع الحسبة والاحتساب وهو ما يعرف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهـو منـهاج إصـلاح ورؤيـة سـديـدة فـي التغـيير عـبَّر عنـها نـبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - تعبيراً فريداً؛ حيث سمّى هذه الشَّعِيرة بـ (سفينة المجتمع) في الحديث الصحيح الذي رواه الصحابي الجليل النعمان بن بشير ـ رضي الله عنه ـ ونصه: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنَّا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من قبلنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً»[1].

فتشبيه هذه الشعيرة بالسفينة صورة حية ومعبرة، ولذا قال أحد الدعاة في شرحه لهذا الحديث كلاماً نفيساً عن ذلك التشبيه: فالحياة كلها هذه السفينة الماخرة في العباب لا تكاد تسكن لحظة حتى تضطرب من جديد، ولن يُكتب لها السلامة قبل الاستقرار فوق تلك الأمواج... فالمجتمع كله (هذه السفينة) التي يركبها البر والفاجر والمتيقظ والغافل، وهي تحملهم جميعاً لوجهتهم، ولكنها وهي محكومة بالموج المضطرب والرياح العاتية من كل جانب؛ وما يريده لها الربان من جانب آخر ـ لتتأثر بكل حركة تقع فيها.

وإن كثيراً من الناس قد ينسى ذلك فيُخيَّل إليه أنه ثابت على البر راسخ لا يضطرب ولا يزول، ومن أجل ذلك يفجُر أو يطغى، ولو تذكر من استكبر ودلس وضلل وافترى، وبخاصة من بعض الكُتَّاب ومنظِّري العلمنة خطورة ما يكتبون، وبخاصة ضد دعاة الفضيلة مثل جنايتهم على الهيئات الخيرية منها أو الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر لو تذكروا ذلك لما استكبروا ولا تجنوا على أحد، ولعادوا لمصدر القوة الحقيقية يستلهمون منه الهـدى، ويطلـبون منه الرشاد، ولساروا على المنهج الذي أمر الله به، وارتضاه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون[2].

من هنا جاء هذا الملف تحت عنوان (الحسبة والاحتساب.. حتى لا تُخرق السفينة) واللهَ نسألُ للجميع التوفيق والسداد.

ولَـمَّا كانت الحسبة والاحتساب في الآونة الأخيرة مثار نقاش وحوار خاض فيه كثير من الناس لأهداف متباينة، ناسب الحديث باستفاضة عن هذا الموضوع الهام، حيث تناولنا فيه حقيقة هذه الشعيرة وواقعها المعاش وما تؤديه من أدوار موفقة، وما تتحمله في سبيل أداء دورها من جهود كبيرة، برؤية نحسبها موضوعية تكشف الحقيقة لكل ذي عينين.

قدمنا لهذا الموضوع بطروحات علمية شاملة في هذا الباب ننشرها في حلقتين متتاليتين.

نسأل الله ـ عز وجل ـ أن يجعلنا جميعاً ممَّن يُستعمَلون في طاعته.


[1]       صحيح البخاري، رقم2361.

[2]       كتاب (قبسات من الرسول) - صلى الله عليه وسلم -، بتصرف.

 

 

الصفحة الرئيسية للمجلة