احتساب النبي

عليه الصلاة والسلام

 

إبراهيم بن محمد الحقيل

 

أرسل الله ـ تعـالى ـ رســوله محمــداً ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالهدى ودين الحق؛ ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى، ومن الجور إلى العدل، ومن الجهل إلى العلم، ومن الإساءة إلى الإحسان، ومن دركات الإثم والشر والذل والضعف إلى درجات البر والخير والعز والقوة، قال الله ـ تعالى ـ : {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْـمُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَإن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ} [آل عمران: ٤٦١]، وقال ـ سبحانه ـ: {رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِّيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ} [الطلاق: ١١].

وكانت رسالته ـ عليه الصلاة والسلام ـ كرسالات مَنْ سبقوه من إخوانه المرسلين متضمّنة الأمر والنهي: الأمر بكل معروف يحبه الله ـ تعالى ـ ويرضاه من الأقوال والأفعال والمقاصد، والنهي عن كل منكر يبغضه الله ـ تعالى ـ من الأقوال والأفعال والمقاصد.

 كيف؟ وأول وصف عرفه به أهلُ الكتاب هو وصف الحسبة، وقيامه بها، كما هو مذكور في كتبــهم، قــال الله ـ تعالى ـ : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْـمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْـمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْـخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} [الأعراف: ٧٥١].

 والمشركون كانوا يعرفون أن كلمة التوحيد ـ وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ـ تعني: الخضوع والتسليم والانقياد للأمر والنهي الشرعيين؛ ولذلك عارضوها وقالوا: {أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: ٥].

وسيرة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ منذ بعثته وحتى وفاته تدل على أن حياته كلها كانت احتساباً على الناس؛ لإصلاح عقائدهم وعباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، كما تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الركن الأساس لتبليغ هذا الدين، والحكم بشريعته بين الناس، وقد أُمر النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ بالبلاغ في كثير من آي القرآن؛ كقوله ـ تعالى ـ : {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ} [المائدة: ٧٦] وفي آية أخرى: {فَإن تَوَلَّوْا فَإنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْـمُبِينُ} [النحل: ٢٨].

 وما الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ التي بعث بها النبـي - صلى الله عليه وسلم - إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر؛ لأن المباحات لا أمر فيها ولا نهي، بل سُكت عنها تخفيفاً على العباد.

 وما الجهاد في سبيل الله ـ تعالى ـ الذي هو ذروة سنام الإسلام إلا وسيلة من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لبسط سلطان الإسلام الذي جاء بالعدل ورفع الظلم على الناس، وتخليصهم من أنظمة الجور والظلم والعبودية لغير الله ـ تعالى ـ.

وإذا تقرر ذلك فإن الحديث عن احتساب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ هو الحديث عن سيرته وأقواله وأفعاله منذ أن بعثه الله ـ تعالى ـ رسولاً للعالمين إلى أن قبضه إليه ـ سبحانه وتعالى ـ، وأنَّى لمقال أو كتاب أن يحوي ذلك كله، ويأتي على جمله وعناوينه بلْهَ دقائقه وتفاصيله؟!

هذا إذا تناولنا الحسبة بمفهومها العام، وأما الحسبة بمفهوم أخص فهي لا تكون ابتداء كالدعوة إلى الله تعالى، وإنما تكون حيث عُطِّل أمر، أو ارتكب نهي، على ما عرفها به الماوردي ـ رحمه الله تعالى ـ حين قال: الحسبة هي: أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا أُظهر فعله[1].

وهذا أيضاً كثير جداً في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشامل لجوانب كثيرة من العبادات والمعاملات والأخلاق والسياسة والاقتصاد والأسرة وغير ذلك، وجمع الأمثلة فيه يتحصل منه كتاب ضخم.

وحسبي في هذه المقالة دلالة القارئ على بعض العناوين في احتساب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وضرب بعض الأمثلة عليها من سنته عليه الصلاة والسلام:

تقرير الحسبة بأقواله عليه الصلاة والسلام:

كثرت أقوال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الأمر بالحسبة، والتحذير من تركها أو التهاون بها؛ بوصفها شعيرة من شعائر الدين. ويمكن تقسيم ما جاء عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ من أقوال في الحسبة إلى ما يلي:

 أولاً: الأمر بإنكار المنكر، وبيان أن مـن أنكـر فقـد أدَّى ما عليه، وذلـك فـي مثـل: حديـث أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من رأى منكم منكراً فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»، وفي رواية: «من رأى منكراً فغيَّره بيده فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيِّره بيده فغيَّره بلسانه فقد برئ، ومن لم يستطع أن يغيِّره بلسانه فغيَّره بقلبه فقد برئ، وذلك أضعف الإيمان»[2].

 ثانياً: البيعة على قول الحق، والوصية بذلك.

 أما البيعة ففي حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ قال: «بايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على السمع والطاعة في المنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم»[3]، والصدعُ بالحق إما أن يكون في معروف عُطِّل، أو في منكر أُظهر.

قال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ : قوله «وعلى أن نقول بالحق أينما كنا لا نخاف في الله لومة لائم» معناه: نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر في كل زمان ومكان؛ الكبار والصغار لا نداهن فيه أحداً، ولا نخافه هو، ولا نلتفت إلى الأئمة، ففيه القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجمع العلماء على أنه فرض كفاية فإن خاف من ذلك عـلى نفسه أو ماله أو على غيره سقط الإنكار بيده ولسانه ووجبت كراهته بقلبه. اهـ[4].

وأما الوصية به فقد جاءت في حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ قال: «أوصاني خليلي - صلى الله عليه وسلم - بخصال من الخير... وذكر منها: وأوصاني أن أقول الحق وإن كان مرّاً»[5].

 ومعلوم أن البيعة لا تكون إلا على الأمر العظيم الكبير، وكذا الوصية لا تكون إلا بما هو مهم، وهذا يدل على مكانة قول الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شريعة الله تعالى؛ إذ وصَّى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ به، وبايعه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عليه.

 وكانت هذه البيعة مع البيعة على السمـع والطاعـة مما ينقض رأي من يرى أن الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خروج على السلاطين، أو يؤدي إلى الخروج عليهم، ولازم هذا القول: تعطيل هذه الشعيرة العظيمة، وهذا الحديث ينقض هذا الرأي الفــاسد، بل إن الاحتســاب على السلطان، والصدع بالحق أمامه مما ينفعه؛ لئلا يتــرك مـعروفــاً، أو يتمادى في منكر، وهذا من أعظم النصح له المأمور به في حديث تميم الداري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[6].

ومن أعظم الغشِّ له ترك مناصحته، والصدع بالحق أمامه، وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر.

 وقد فهم كبار العلماء في مختلف العصور ذلك فأنكروا على السلاطين مخالفاتهم، ولم يخرجوا عليهم، ولا رأوا أن الإنكار يؤدي إلى الخروج كما يزعمه من يعطلون الأمر والنهي الشرعيين، ولا جعلوا ظهور المنكرات مسوغاً للخروج. وكان سفيان الثوري من أشهر أهل عصره في شدة الإنكار على بني العباس، حتى إنه ليبول الدم إذا رأى منكراً فلم يستطع إنكاره كما قال رحمه الله تعالى، ومع ذلك كان سيِّئ القول في الحسن بن صالح بن حي مع أن الحسن من الأئمة الكبار في العلم والزهد، وما سبب ذلك إلا لأن الحسن كان يرى الخروج، ولذا قال الثوري فيه: ذاك رجل يرى السيف على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -[7].

 ثالثاً: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بيَّن أن قول الحق أعظم الجهاد، وأن سيد الشهداء من قتل في سبيل كلمة الحق، وهذا يدل على عظيم أمر الحسبة في دين الله تعالى، عن أبي سعيد ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر»[8]. وعـن جابــر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله»[9].

 رابعاً: أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ ضرب لهم مثلاً عظيماً بيَّن فيه ضرر المفسدين على المجتمع، ونفع المصلحين الذين يأخذون على أيديهم؛ ليبين للناس أهمية الحسبة في نجاتهم، فلا يتهاونوا بها، أو يقعدوا عن الأخذ على أيدي المفسدين والسفهاء منهم؛ لأن الهلاك إن وقع بسبب المفسدين فسيعمُّ الجميع، عن النعمان بن بشير ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مرّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً ولم نؤذِ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً»[10].

 خامساً: بيَّن ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن العقاب والهلاك في ترك الحـسبة؛ كما في حديث زينب بنت جحش ـ رضي الله عنها ـ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليــها فــزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقترب، فُتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا، وحلَّق بإصبعه وبالتي تليها، فقالت زينب: فقلت: يا رسول الله! أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخَبَث»[11].

 وفي حديث حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم»[12].

 وفي حديث جرير بن عبد الله ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما من قوم يُعمَل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغي
روا عليهم ولا يغيِّروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا»
[13].

 سادساً: بيَّن ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن من أسباب فساد القلب إلفَ المنكرات والتعوّدَ على مشاهدتها، وتركَ إنكارها، وذلك في حديث حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «تُعرَض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أُشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادّاً كالكــوز مجخيـــاً لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه»[14].

 سابعاً: بيَّن ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن الحسبة صدقة، وذلك في حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة، فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»[15].

 ثامناً: جعل ـ عليه الصلاة والسلام ـ من حق الطريق لمن جلس فيه أن يحتسب على الناس، ولا يسكت إذا رأى المنكرات، وذلك في حديث أبي سعيد الخدري ـ رضي الله عنه ـ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والجلوسَ على الطرقات، فقالوا: ما لنا بدّ، إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها، قـالوا: وما حق الطريق؟ قال: غضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، وردُّ السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر»[16].

 ويلاحظ التنوع في أساليبه ـ عليه الصلاة والسلام ـ في تقرير الحسبة وأنها من الدين، تارة بالأمر بها، والوصية بها، والبيعة عليها، وعدِّها في الصدقات، وبيان أنها من الجهاد، وأنها نجاة للمجتمع، وضرب الأمثلة على ذلك. وتارة في الترهيب من التفريط فيها، وما يترتب على تركها من فساد القلب، وحلول العقاب والهلاك.

غضبه إذا انتهكت حرمات الله تعالى:

 كان من هدي النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا رأى حرمة انتهكت أن يغضب لله تعالى، ولا يغضــب لنفسه إذا ما أُوذي هو أو انتقص حقه. وأكثر الناس لا يغضبون إذا رأوا حرمات الله ـ تعالى ـ تُنتهك، لكنهم يغضبون إن أهينوا، أو مُسَّت كرامتهم، أو انتقص شيء من دنياهم! فأين هم من هدي النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ الذي كان يرضى في الله ـ تعالى ـ ويغضب فيه سبحانه، ولا يرضى لأجل الدنيا، ولا يغضب فيها. روت عائشة ـ رضي الله عنهــا ـ فقــالت: «ما انتقم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها». وفي رواية عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منتصراً من مظلمة ظُلِمَها قط ما لم يُنتهك من محارم الله شيء، فإذا انتُهِك من محارم الله شيء كان أشدهم في ذلك غضباً»[17].

وهذا منهج عام تحكيه عائشة ـ رضي الله عنهــا ـ عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وهي من أقرب الناس إليه، ومن أعلمهم بأحواله، وبما يرضيه وما يغضبه؛ صلوات ربي وسلامه عليه.

ثم رأينا في سنته ـ عليه الصلاة والسلام ـ تطبيقاً عملياً لهذا المنهج العظيم الذي حكته عائشة رضي الله عنها:

ففي جانب عدم انتصاره ـ عليه الصلاة والسلام ـ لنفسه نرى أنه يعفو ويصفح ويتحمل أذى المؤذين، وجهل الجاهلين، وقد يقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، وهذا كثير في سيرته عليه الصلاة والسلام، ومن ذلك ما روى أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنت أمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه بُرد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذه بردائه جبذة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أثرت بها حاشية البُــرد مــن شــدة جبــذته، ثــم قــال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ضحك ثم أمر له بعطاء»[18].

 ولكنه في الجانب الآخر يغضب لله ـ تعالى ـ إذا انتهكت محارمه فيعتريه غيرة شديدة، ويتغير حاله، ويتمعَّر وجهه في الله تبارك وتعالى، وكم قرأنا وسمعنا في أحاديث كثيرة وصفاً من الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لغضب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ إذا وقع منكر، ومن ذلك:

1 ـ تمعُّر وجهه، عليه الصلاة والسلام. ومن أقوال الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في وصف النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «فتمعَّر وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -»، وفي بعضها: «فتمعَّر وجهه تمعّراً ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي»، وفي بعضها: «فتغيَّر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، أو «عرفت في وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكراهية»، وفي بعضها: «فتلوّن وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -».

 وقد جاء ذلك في أحاديث كثيرة، منها: حديث زيد ابن خالد في سؤالهم عن ضالة الإبل[19]، وفي حديث أنس في سؤالهم عن جماع الحائض[20]، وحديث ابن مسعود في اعتراض رجل من الأنصار على قسمة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ[21]، وحديـث عــبد الله بن الزبيـر ـ رضي الله عنهما ـ في اعتراض الأنصاري على حكمه [22]، وحديث جرير ابن عبد الله لما رأى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ما في المضريين من الفاقة[23]، وحديث عائشة في شفاعة أسامة للمرأة التي سرقت[24]، وحديث عائشة لما انتقصت خديجة ـ رضي الله عنهما ـ[25]، وحديث ابن مسعود لما رأى ـ عليه الصلاة والسلام ـ اختلافهم في القرآن[26].

2 ـ وربما حكى الصحابي غضب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ووصف شدَّته، ومما جاء في ذلك: «فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم -»، وفي بعضها: «فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضباً منه يومئذ»، وفي بعضها: «فما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط أشد غضباً في موعظة منه يومئذ»، وفي بعضها: «فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى عرف الغضب في وجهه»، وفي بعضها: «فغضب حتى احمرَّت وجنتاه، أو قال: احمرَّ وجهه».

 وجاء مثل ذلك في أحاديث كثيرة، منها: حديث أبي قتادة لما سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن صومه[27]، وفيه أيضــاً: «فلمـا رأى عمر ـ رضي الله عنه ـ غضبه قال: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر ـ رضي الله عنه ـ يردد هذا الكلام حتى سكن غضبه»، وحديث أبي مسعود في شكوى رجلٍ إمامَه لأنه يطيل بهم الفجر[28]، وحديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في المفاضلة بينه وبين موسى عليه السلام[29]، وفـي حديـث علي ـ رضــي الله عنه ـ في لبسه حلة سيراء[30]، وحـديث عـبد الله بن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ في لبسه ثوبين معصفرين[31].

3 ـ ولربما جثا الصحابي على ركبتيه لما يرى من غضب النبي - صلى الله عليه وسلم - يخشى أن لا يرضى أبداً، أو أن يُعاجَلوا بعقوبة بسبب غضبه، فيستغفر ويتوب ويعتذر مما فعل، ومن ذلك حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ في اعتذار أبي بكر من عمر، وعدم قبول عمر اعتذاره، وغضب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ على عمر، وفيه: «ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فسلَّم فجعل وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - يتمعَّر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظلم مرتين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟ مرتين فما أوذي بعدها» [32]. ومع أن الموقف كان في صالح أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ إلا أنه تأثر كثيراً من شدة غضب النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وخشـي أن لا يرضـى عن عمـر رضي الله عنه. وهذا يدل على ما كان بين الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من التوادّ والترفّع عن الانتقام وحظوظ النفس، ولو وقع بينهم خلاف.

4 ـ ولـربما بكـى الصحـابة ـ رضي الله عنهم ـ لما يرون من شـدة غضـب النبي ـ عليه الصـلاة والســـلام ـ، ومن ذلك: ما جاء في حديث أنس ـ رضـي الله عنه ـ: «سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أحفوه المسألة، فغضب فصعــد المنــبر فقال: لا تسألونني اليوم عن شيء إلا بيّنته لكم، فجعلت أنظر يميناً وشمالاً فإذا كل رجل لافٌ رأسه في ثوبه يبكي»، وفي رواية: «فأكثر الناس في البكاء، وأكثر أن يقول: سلوني، .... ثم أكثر أن يقول: سلوني، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربّاً وبالإسلام ديناً وبمحمد نبياً، فسكت»، وفي رواية: «قال أنس ـ رضي الله عنه ـ: فما أتى على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم أشد منه، قال: غطوا رؤوسهم ولهم خنين»[33].

أنواع إنكاره عليه الصلاة والسلام:

 تنوَّع إنكار النبــي ـ عليه الصــلاة والسلام ـ بحســـب ما يزيل المنكر، ويحقق المصلحة، ولا يخلف مفسدة أكبر، فكان هذا الفعل منه ـ عليه الصلاة والسلام ـ تشريعاً لأمته، ومن الأمثلة على إنكاره للمنكر:

أولاً: الإنكار باليد: وفي ذلك أمثلة كثيرة من سنته عليه الصلاة والسلام، منها:            

1 ـ حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: «دخل عليَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي البيت قرام فيه صور فتلون وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، وقالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مِنْ أشدِّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور»[34].

2 ـ حديث ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «بينا النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده فتغيّظ، ثم قال: إن أحدكم إذا كان في الصلاة فإن الله حيال وجهه فلا يتنخمن حيال وجهه في الصلاة»[35].

3 ـ حديث عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى خاتماً من ذهب في يد رجل فنزعه فطرحه وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيجعلها في يده...»[36].

4 ـ حديث عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال: «أُهدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فروج حرير فلبسه فصلى فيه ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكاره له، وقال: لا ينبغي هذا للمتقين»[37].

 ويلاحظ في هذه الأحاديث جمعه ـ عليه الصـلاة والسلام ـ بين إزالة المنكر، والإنكار بالقول، وبيان سبب الإنكار لإفادة المحتسَب عليه وتعليمه.

ثانياً: الإنكار باللسان:

وهو كثير جداً في ســنته وسيــرته ـ عليه الصلاة والسلام ـ ويعزّ على الحصر، فكل ما نهى عنها النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في سنته فهو إما نهــي عن المنــكر قبل وقوعــه، أو إنكار له بعد وقوعه، وقد تنوعت أساليبه في الإنكار باللسان، ومن ذلك:

1 ـ إنكاره على من وقع في المنكر، وفيه حديث عبد الله ابن عمرو ـ رضي الله عنهما ـ قال: «رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليَّ ثوبين معصفرين فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسه»، وفي رواية قال: «رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - عليَّ ثوبين معصفرين فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل احرقهما»[38].

2 ـ الإغلاظ في الإنكار بتكرار القول، والشدة فيه، ومنه: حديث أسامة بن زيد ـ رضي الله عنهما ـ لما قتل من شهد شهادة الحق، وفيه قال أسامة ـ رضي الله عنه ـ: «فلما قدمنا بلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - قــال: فـقال لـي: يا أسامة! أقتلــته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: قلت: يا رسول الله! إنما كان متعوذاً، قال: أقتلته بعدما قال لا إله إلا الله؟ قال: فما زال يكررها عليَّ حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم»، وفي رواية أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ جعــل يكرر على أسامة ـ رضي الله عنه ـ: «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»[39].

3 ـ وقد يخطب في النــاس منكــراً عليهــم ما رأى منهــم أو من بعضهم، ومن ذلك: حديث عائشة في قصة مكاتبة بريرة، وفيه: «فصعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر فقال: ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله؟! من اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فليس له وإن اشترط مائة مرة»[40].