الاحتساب ودوره في التغيير


د. سامي محمد صالح الدلال


• المحتسب والمتطوع:
بحسب الاصطلاح فإن المحتسب هو الذي يعيَّن من قبل الدولة ليقوم بوظـيفة الاحتساب، وأما المتطوع فهو الذي يقـوم بذلك طـواعـية من نفـسه دون تكليف ولا تعيين من قبل الدولة. وانبنى على ذلك اختلافهما من وجوه، ذكر كل من الماوردي والفـراء منـها تسعة فروق، منها على سبيل المثال لا الحصر:
الأول: أن فرضه متعين على المحتسب بحكم الولاية وفرضه على غيره من فروض الكفاية.
الثاني: المحتسب وظيفته الاحتساب لا يجوز تشاغله عنه، وأما المتطوع فالاحتساب من نوافل عمله يجوز له التشاغل عنه بغيره.
الثالث: أنه منصوب للاستعداء إليه فيما يجب إنكاره، وليس المتطوع منصوباً للاستعداء.
الرابع: أن على المحتسب إجابة من استعداه، وليس على المتطوع إجابته.
الخامس: أن عليه البحث عن المنكرات الظاهرة ليصل إلى إنكارها، ويفحص عما ترك من المعروف الظاهر ليأمر بإقامته، وليس على غيره من المتطوعة بحث ولا فحص.
ولمن يـريـد المـزيـد فعلـيه الرجـوع إلـى كتــابَيْ الأحكام السلطانية للفراء، والكتاب الآخر بالعنوان نفسه لأبي يعلى.
• طبيعة الدولة الإسلامية:
إن مهمة الدولة الإسلامية هي إقامة شرع الله والأخذ بـيد العباد للاحتكام إليه في جميع شؤون حياتهم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والقضائية والتعلـيمية والاجتماعية والإعلامية والإدارية وغيرها. وينـاط قـياد ذلك كـله بالحاكم المسلم الذي هو رأس الدولة. قال ـ تعالى ـ: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ} [المائدة: 49]. وقال ـ تعالى ـ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
وهذا مقتضى تحقيق العبودية الخالصة لله رب العالمين. قال ـ تعالى ـ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]. قال ابن تيمية: «أصل ذلك أن تعْلمَ أن جميع الولايات في الإسلام مقصودها أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمـة الله هـي العلـيا»[1]، وقال أيضـاً: «لهـذا أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بتولية ولاة أمور عليهم، وأمر ولاة الأمور أن يردوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأمرهم بطاعة ولاة الأمور في طاعة الله ـ تعالى ـ»[2].
وبما أن الحاكم تنتابه العوارض البشرية كغيره من البشر، وكـذلك الذيـن يعيـنـهـم على رؤوس الــوزارات والإدارات، فإن الخلل في انتظام الدولة على المنهج الديني الإسلامي الرباني الإلهي وارد في كل وقت، وعندها يصبح الاحتساب في كل ما ذكرت واجباً على من يستطيعه بشروطه؛ لأجل أن يستقيم المعوج وينصلح الفاسد. قال السيد جلال الدين العمري: «والدولة الإسلامية دولة دينية خالصة، فيجب على صاحبها أن يكون رجلاً ورعاً تقياً عدلاً متبعاً للمعروفات ومجتنباً المنكرات، ولكنه مع ذلك كآحاد الناس يخطئ ويصيب، وقد يترك المعروف ويرتكب المنكر، فماذا ينبغي للشعب المسلم أن يفعل إذا ترك الحاكم المعروف وأخذ في ارتكاب المنكر»[3].
وقد ذكر ابن تيمية مفهوماً موسعاً لأولي الأمر. فبعد أن ذكر قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59] قال: «وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس، كما قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ للأحمسة لما سألته: ما بقاؤنا على هذا الأمر؟ قال: ما استقامت لكم أئمتكم. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعاً فإنـه مـن أولي الأمر، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهى عما نهى عنه، وعلى كل واحد ممن عليه طاعته أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله، كما قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ حين تولى أمر المسلمين وخطبهم فقال في خطبته: أيها الناس، القوي فيكم الضعيف عندي حتى آخذ منه الحق، والضعيف فيكم القوي عندي حتى آخـذ له الحق، أطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم»[4].
• أركان الحسبة:
هي ثلاثة:
الركــن الأول: المحـتــسـب، وهـو الـذي نصــبه الإمـام أو نائبه، أو من تحققت فيه شروط المحتسب، فاحتسب وفق قواعد الشرع، للنظر في أحوال الرعية وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، متحلياً بالإخلاص متقيداً بالصواب. ومن شروطه: الإسلام والبلوغ والعقل والعلم والعدالة والقدرة والذكورة عند بعض العلماء، ويجوز للمرأة الاحتساب بين النساء. وإذا كان المحتسب معيَّناً من جهة الدولة فهي متكفلة براتبه. وينبغي للمحتسب أن يكون في مقام القدوة لغيره من حيث أدبه وحسن خلقه وتدينه وورعه وجرأته في الحق. وإذا اختلَّت فيه صفة من الصفات التي ينبغي التحلي بها مما هو خارم للمروءة، عزله الحاكم وأقام غيره مكانه.
الركن الثاني: المحتسب فيه، وهو المنكر، المعلوم من الشرع أنه منكر، وذلك إذا ظهر فعله، من مثل إقامة القـبب أو الـنذر للقـبـور أو السـفور أو التعـامـل بالـربـا أو الدعـوة إلى العَلْـمانـية فـي وسـائـل الإعـلام وغـيرها أو الإغــراء بالفــساد أو التشـبه بـين الرجـال والنـسـاء أو التحاكم في الدماء والأعراض والأموال إلى غير ما أنزل الله ـ تعالى ـ، وسوى ذلك من المنكرات الكثيرة المنتشرة في مجتمعاتنا. وضابطه: أن يكون مما حرمه الشرع وأن يكون موجوداً في الحال، ظاهراً في العلن أو بغلبة الظن ومـن غير تجسس. وما ذكرناه من أمثلة فإنها شاملة لإنكـار المنكر بأقسامه الثلاثة المتعلقة بحق الله ـ تعالى ـ أو الآدميين أو المشترك بين الحقين. وكذلك تكون الحسبة في المعروف إذا ترك فعله مما أمرنا الله ـ تعالى ـ بأدائه والقيام بـه على سبيل الوجوب أو الاستحباب، وأقسامه ثلاثـة؛ أحـدها: يتـعلق بحـقوق الله ـ تعالى ـ، والثاني: ما يتعـلق بحقـوق الآدمـيـين، والـثالـث: ما هو مشترك بينهما[5]. ومن أمثلته في القسم الأول: صلاة الجمعة وصلوات الجماعة وصلاة العيد[6]. وفي القسم الثاني: إعـانة ذوي الكوارث إذا حصـل زلزال أو مـجـاعة أو تشرد، وفي القسم الثالث: رعاية اليتامى وإعلاف البهائم وإرجاع الضوال إلى أصحابها.
الركن الثالث: المحتـسب عليه، وهو الذي يوجه له القـول أو الفعـل ليـأتمر بالمعروف أو لينتهي عن المنكر. وهو شامل لأصناف كثيرة، منها: الاحتساب على الوالدين، والاحتساب على أهل الذمة، والاحتساب على المشايخ، والاحتساب على الحكام إذا حكموا بغير شريعة الله ـ تعـالى ـ أو اضـطهـدوا الدعـاة إلـى الله ـ تعـالى ـ أو تغاضوا عن المنكر في وسائل إعلامهـم أو زاولـوه في أفـعالهـم، ويشـمل أيـضاً مـا هـو داخل في مفـهوم الإصـلاح الديـني والخـلقي للـناس، ومراقبـة ما لا يدخل في اختصاصات القضاء وما هو مستعلن به من المنكر في المرافق العامة.
• التدرج في الحسبة:
مـا يقصـده المحتــسب هـو إزالـة المـنكر الظـاهـر؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فـإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»[7]. ولكن ليصل إلى هذه النتيجة المباركة هناك درجات عليه أن يتبعها ليصل إلى غايته، ومنها:
1 ـ العلم بحصول المنكر بدون تجسس.
2 ـ إعلام من وقع منه المنكر بأن فعله منهي عنه في الشرع، إذ ربما كان يفعله جاهلاً.
3 ـ وعظه ونصحه وتذكيره بلطف.
4 ـ فإن لم يرتدع تدرج في التعنيف عليه بالقول مع بعض الغلظة.
5 ـ فإن أصرَّ غيَّر منكره باليد؛ كإراقته الخمر.
6 ـ فإن استمر على منكره هدده بإيقاع الأذى عليه.
7 ـ فإن لم يقلع عن منكره أوقع عليه العقوبة بالنكال والضرب.
8 ـ فإن لم يقدر عليه رفع الأمر إلى الحاكم أو من ينوب عليه فيرسل له أعواناً فيأخذونه، ويعرض على القاضي لينال جزاء فعله[8].
وللحسـبة لإزالة المنـكر حالات متعددة ذكرها ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ، وهي:
1 ـ أن يزول المنكر ويخلفه ضده.
2 ـ أن يقلّ وإن لـم يـزل بجملته.
3 ـ أن يخلفه ما هـو مثله.
4 ـ أن يخلفه ما هـو شـر منـه. قال: «فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة»[9].
• موقـف المـتـطـوع بالحسـبة إن خـشـي على نفسه:
إن خشي المتطوع بالحسبة على نفسه ففيه تفصيل، فقد جاء في الأثر أن إسحاق ابن إبراهيم قال لأبي عبد الله: متى يجب علي الأمـر؟ قال: إذا لم تخف سيفه ولا عصاه[10].
وجاء ـ أيضاً ـ أن محمد بن عبدالله قال لشعيب بن حرب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: لولا السيف والسيوط وأشباه هذا لأمرنا ونهينا، فإن قويت فَأْمرْ وانهَ[11]. وفي ذلك تفاصيل لا يتسع لها المقام.
• الاحتساب والسياسة:
أولاً: الفكر السياسي الاحتسابي: إن مستواه يعتمد على مدى «النضج» في المزاوجة بين استيعاب العلوم الشرعية وبين متابعة الأحداث وفهم أسبابها وسبر أغوار ودوافع القائمين بها. وينبني على ذلك وضع برامج سياسية احتسابية متدرجة تتضمن ما ينبغي أن يكون عليه الفكر السياسي الاحتسابي لكل مرحلة من مراحل الاحتساب. وبناء عليه؛ فإن رافعي لواء هذا الاحتساب ينبغي أن تتجلى فيهم أعمق درجات النضج السياسي.
ثانياً: مكونات وحركة الفكر السياسي الاحتسابي:
أشير فيه إلى ثلاثة مكونات رئيسة:
1 ـ تشخيص أركان الصراع، وذلك مهم لمعرفة اتجاهات أسهـم الاحتسـاب، فالـصراع بيـن البشـر سـنّة جـاريـة. قال ـ تعالى ـ: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَـجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [هود: 118 - 119]. وأركان الصراع اليوم هم أربعة: المسلمون، اليهود، النصارى، والمشركون. ويشمل الفكر السياسي الاحتسابي الحديث عن هؤلاء جميـعاً، كل بحسـبه، وذلك مـن حيـث تـأثيرهم على ما يتعلق بالإسلام والمسلمين.
2 ـ المنطلقات، لا بد أن ينحصر الفكر السياسي الاحتسابي في منطلقاته بمرجعية الكتاب والسنة وفق مفهوم السلف رضي الله عنهم، ووفق هذا الإطار يتحرك الفكر السياسي الاحتسابي ضمن محددات القواعد الشرعية.
3 ـ مساحة الحركة: بعد تنوع وشمولية وسائل الإعلام فإن مساحة حركة الفكر السياسي الاحتسابي قـد أصبحت عالمية، مما عقد العملية السياسية المنبثقة منها، ووسع إطار توظيف المصالح المرسلة.
ثالثاً: عوامل الاستقراء للممارسة السياسية الاحتسابية:
يعتمد الاستقراء السياسي الاحتسابي على عدة عوامل، من أهمها:
1 ـ توفر الاختصاص ـ إلى مستوى الخبرة ـ في من يناط بهم إعداد الاستقراءات السياسية.
2 ـ معرفة الواقع بشكل دقيق ويعتمد على الإحصاءات والاستبانات الموثقة والمعلومات الصحيحة.
3 ـ العلم بالتاريخ والسنن الربانية، وخاصة في الموضوع المحتسب فيه، وليس مجرد الثقافة العامة، بل إضافة إلى ذلك التحليل واستخلاص الدروس والعبر.
4 ـ ملاحظة ما يتميز به العصر الحاضر من مؤثرات حقيقية في حركة الواقع، ومن أهمها: ثورة المعلومات، واستفراد الولايات المتحدة بموقع الصدارة العالمي على المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية، والتشكلات الجديدة للقوة العالمية والمحاور الدولية، وتوظيف الفضاء في الشؤون العسكرية والإعلامية والمعلوماتية.
إن الذين سيتحركون للاحتساب السياسي بناء على تلك النتائج الاستقرائية لا بد أن يتوفر لديهم الإلمام بالمهام التي انتدبوا أنفسهم إليها لأجل الاحتساب.
رابعاً: الوعي السياسي الاحتسابي:
إن الاحتساب السياسي بغية تغيير الواقع يتطلب الوعي بمفرداته ومكوناته وتداخلاته وصراعاته، أي: الوعي بمحاور حركة المجتمع، ويدخل في ذلك الإلمام بالاختلافات السياسية ومستلزمات العمل السياسي وضوابطه والتدرج في مراحله والمشاركة في نسيجه.
• الاحتساب باستعمال القوة:
هـو باب خطير، لا يجوز أن يخوض في خضمِّ بحاره ويسبح في لججه إلا العلماء العاملون، ممن آتاهم الله فهم النصوص والعلم بالواقع، بسبب ما يغشاه من تضارب المصالح والمفاسد. إن الأصل في الإسلام عدم جواز الخـروج على الحاكم المسلم الذي يحكم بحكم الشريعة، ولا يجوز تأليب العامة عليه لكونه قد قصر في بعض الجوانب أو أنه مارس الظلم استغلالاً لسلطته، ولا يجوز ممارسة ما يمكن أن يؤدي إلى الفتنة والاختلاف، وهذا هو ما عليه أهل السنة والجماعة. وورد من روايـة حذيفة بن اليمان ـ رضي الله عنه ـ قوله عليه الصلاة والسلام: «يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهـداي، ولا يستنّون بسنتي، وسـيقوم فيهـم رجـال قلوبهم قلوب الشياطـين في جثمان إنس، قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع»[12].
غير أن هذا الإطلاق قيد بشروط، منها:
1 ـ أن يحكم الحاكم بكتاب الله ـ تعالى ـ؛ لحديث: «ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا وأطيعوا»[13].
2 ـ أن يكون مصلياً؛ لما جاء في حديث أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا؛ ما صلّوا»[14]. وفي رواية عن عوف بن مالك: «.. قيل: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة»[15].
3 ـ أن يكون حكمه قائماً على المعروف؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية علي ـ رضي الله عنه ـ: «إنما الطاعة في المعروف»[16].
4 ـ ألا يأمر بمعـصـية؛ لقــوله - صلى الله عليه وسلم - فـي روايـة ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»[17].
5 ـ ألا يأتي كفراً بواحاً عليه من الله برهان؛ لما جاء في حديث عبادة بن الصامت ـ رضي الله عنه ـ قال: «دعانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان»[18].
فهذه الشروط الخمسة قيدت الإطلاقات الواردة في أحاديث أخرى. قال النووي: «فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية»[19]. فالحاكم الذي يحكم بكتاب الله ـ تعـالـى ـ وكان مصلـ ياً وليـس آمراً بمعـصـيـة ولا مؤتياً كفراً بواحاً فيه من الله برهان لا يجوز الاحتساب عليه بالخروج عليه بحال من الأحوال، ولكن غاية الأمر المناصحة له وإحفافه بالبطانة الصالحة الراشدة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه تميم الداري: «الدين النصيحة، قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[20]. وأن لا يشهر به باسم النصيحة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له»[21].
قال الإمام النووي: «وأجمع أهل السنة أن لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضاً؛ فغلط من قائله، مخالف للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه»[22].
والخروج على هؤلاء هو مذهب الخوارج.
وأما الحاكم الذي ينحي شريعة الله ـ تعالى ـ عن الحكم بين الناس ويأمر بالمنكر وينهى عن المعروف ويحارب العلماء والدعاة وطلبة العلم ويأمر بسفور المرأة ويمنع الحجاب ويشيع الفساد في الأرض ولا يستمع للنصح والناصحين ويرفض التوجيه والموجهين، ويستظل في الوقت نفسه بالدساتير البشرية والأحكام والقوانين الوضعية ويلبس أمره على الناس باسم الديمقراطية فهذا ينظر علماء الأمة في الاحتساب عليه بالقوة من حيث تدافع المصالح والمفاسد وذلك بعد أن يتحقق علماء الأمة العاملين من كفره ويتفقوا على ذلك. قال ابن كثير بعد أن علّق على سياسة التتار: «وفي ذلك كله مخالفة لشرائع الله المنزلة على عباده الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا ـ أي: الياسق، وهو مثل ما عليه الدساتير البشرية الآن ـ وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين. قال الله ـ تعالى ـ: {أَفَحُكْمَ الْـجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]. وقال ـ تعالى ـ: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّـمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]»[23]، وقال أيضاً عمن تحاكم إلى الـياسـق: «مـن فـعـل ذلك فـهو كـافـر يجـب قــتالـه حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في كثير ولا قليل»[24]. وقال ابن تيمية في ردِّه على سـؤال حول ما يقوم به التتار الذين حكموا المسلمين بقوة القهـر والغلبة: «فأيما طائفة امتنعت مـن بعـض الصلوات المفـروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنى والميسر أو عن نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها، التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء. وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر والأذان والإقامة ـ عند من لا يقول بوجوبها ـ ونحو ذلك من الشعائر، هل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟
فأما الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها»[25].
وقـال القـاضي عياض: «أجمع العلماء على أن الإمامـة لا تنعقـد لكافر، وعلـى أنـه لو طـرأ علـيه الكفـر انعزل، وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها، وكذلك عند جمهورهم البدعة، وقال بعض البصريين: تنعقد له وتستدام له لأنه متأول، قال القـاضي: فلو طـرأ عليـه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه، فإن تحققوا العجز لم يجب القيام، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه»[26].
والنقولات في هذا المعنى من مشاهير علماء المسلمين كثيـرة[27]، غير أن إسقاط هذا الكلام على مسرح الواقع في عصرنا الآن له محاذير كثيرة، فإن الخروج على أي حاكـم له شـروط لا بـد مـن استـيفائـها، كما أن له موانع لا بد من دفعها، مع ملاحظـة أن جهاد الكـفار مــن صليبـيـين ويهود ـ كمـا في فلسطين وغـيـرها مـن الأقـطار الإسلامية المحتلة ـ لا يدخل بأي حال في مفهوم الخروج، إذ إن حكام تلك الدول قد نصبهم الاحتلال العسكري الأجنبي ليكونوا له عوناً ونصيراً على بقائه محتلاً لتلك البلاد.
والذين لا يرون جواز الخروج على الحكام، حتى وإن كان قد ثبت كفر نظامهم؛ فإنهم يستظلون بأسباب، من أهمها:
1 ـ لا توجد هيئة فتوى على مستوى العالم الإسلامي من العلماء العاملين المستبصرين معتمدة من الأمة يرجع إليها في الإفتاء على جواز الخروج على حاكم ما.
2 ـ أن كثيراً من الجماعات أو المجموعات الإسلامية التي تدعو إلى الخروج على الحكام لا يعرف لها علماء على مستوى الإفتاء بمثل هذا الأمر الجلل، بل يرأسهم بعض طلبة العلم أو الدعاة المتحمسين.
3 ـ أن كثيـراً من أنواع الحكم القائمة حالياً لا ترتبط بالحاكم بشخصه، بل بهيئة حكم أو نظام حكم (برلمان وحكومة ومؤسسات عسكرية وأمنية)، والحكم شرعاً على النظام الحاكم بمجموعه شيء، والحكم على أشخاصه بأعيانهم شيء آخر مستقل وقائم بذاته.
4 ـ إن الخروج على النظام الحاكم بالقوة هو ضرب من المجازفات الخطيرة، وقد أثبت الواقع أن جميع الذين خرجوا على أنظمتهم الحاكمة بقوة السلاح قد ارتد الأمر عليهم بالقمع والقهر والتصفية الجسدية أو السجن المصحوب بألوان التعذيب والتنكيل.
5 ـ لقد أثبت الواقع أن الخروج بالقوة على الأنظمة الحاكمة يؤدي إلى تقهقر العمل الإسلامي بسبب ما يتبع ذلك من مطاردة للدعاة ومحاربة للمؤسسات الدعوية والإسلامية، رغم أنها لم تشارك في ذلك العمل.
6 ـ أن الخروج على النظام الحاكم بالقوة يؤدي إلى الفتنة والهرج، كما أنه يؤدي إلى استفحال الخلافات بين الإسلاميين أنفسهم، وتنجم عنه أضرار مباشرة وغير مباشرة تنـزل بساحة كثيـر مـن المسلمين العـاديين الذين لم يشاركوا في هـذا العمل، وقد يقتل عدد من الأبرياء بغير جريرة ولا ذنب، وقد تتعدى الآثار السلبية لهذا العمل إلى البلاد الإسلامية الأخرى.
7 ـ اختلاط المصطلحات، فبعض الإسلاميين يسمون استعمال الحسبة بالقوة جهاداً، وليست هذه تسمية شرعية، بل يسمى خروجاً بحسب ما اصطلح عليه العلماء، ولذلك فإن تسميته جهاداً يورث اللبس في أذهان المسلمين، ومعلوم أن الجهاد له أحكام خاصة به، والخروج على الحاكم له أحكام خاصة به.
8 ـ لقد أثبت الواقع أن ما تحققه الدعوة الإسلامية من إنجازات دعوية في ظل الوضع السلمي هو المؤثر الإيجابي الحقيقي في مسيرة التغيير، وأن أساليب الخروج بالقوة على الأنظمة الحاكمة هي المؤثر السلبي في تلك المسيرة، والكلام مع الحاكم بالنصيحة هو أفضل الجهاد؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر (أو) أمير جائر»[28].
• أعذار سقوط الحسبة:
إن بعض من يجب عليه القيام بالحسبة يتركها متعللاً بالخوف من الفتنة، وهذا غير مقبول منه على سبيل الإطلاق. قال ابن تيمية: «ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يعرض به المرء للفتـنة صار فـي الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة»[29]. ولكن قد تكون هناك أعذار حقيقية، بوجودها يسقط الشرع واجب القيام بالحسبة، منها:
1 ـ أن يغلب على ظنه أن يقع عليه من البلاء بسبب قـيامـه بالحسـبة ما لا يستـطيع تحمّله. قال ـ تعالى ـ: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا} [البقرة: 286]، وعن حذيفة ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسـول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفـسـه. قالوا: وكيـف يذل نفسـه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيقه»[30]. لكن مجرد اللوم له لا يسقط عنه الحسبة. قال العلامة القرطبي: «أجمع المسلمون فيما ذكر ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحق بتغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره»[31].
2 ـ أن تعمَّ البلـوى بنقـض العـهود وإضـاعة الأمانات، مما هو مؤشر على الفساد العام للذمم وتوجه القلوب نحو اتباع الهوى وانطواء النفوس على الحرص على الدنيا، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ قال: بينما نحن حول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ذكر الفتنة فقال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا، وشبّك بين أصابعه، قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فـداك؟ قال: إلزم بيـتك، واملك علـيك لسـانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة»[32].
3 ـ العجز الجسدي؛ لقوله ـ تعالى ـ: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْـمَرِيضِ حَرَجٌ} [الفتح: 17]، فهؤلاء يسقط عنهم الجهاد للعجز، وكذا تسقطـ عـنـهم الحـسبـة، كل بحسب ما فيه من العـجز مما تحتاجه الحسبة من الحواس. ومن كان مقطوع اليدين سقط عنه الإنكار باليد، ومن كان أبكم سقط عنه الإنكار باللسان، ويبقى الإنكار بالقلب متعيناً؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»[33].
4 ـ الجهل بالحكم الشرعي؛ فمن كان جاهلاً بالحكم الشرعي فلا يحتسب فيما ليس له به علم. قال الإمام النووي: «ثم إنه إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء؛ فإن كان من الواجبات الظاهـرة والمحـرمات المشهورة كالصلاة والصيام والزنى والخمر ونحوها؛ فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال ومما يتعلق بالاجتهاد؛ لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء»[34].
5 ـ إذا خشي حـدوث مفسدة أكبـر من المنكـر المحتسب فيـه. قال العلامة سـعد الدين التفتزاني: «انتقاء مضرة ومفسدة أكثر من ذلك المنكر أو مثله»[35]. قال ابن القيم: «سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ـ قدس الله روحه ونور ضريحه ـ يقول: مررت أنا وبعض أصحابي في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معي، فأنكرت عليه وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم»[36]. وقال أيضاً: «فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم مـن عدم الفـقه والبصيرة إلا إذا نقلتـهم مـنـه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك»[37].
6 ـ أن لا يسبب الضرر لغيره؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه عنه عبادة بن الصامت وابن عباس ـ رضي الله عنهم ـ: «لا ضرر ولا ضرار»[38]. قال الغزالي: «فإن علم أنه يضرب معه غيره من أصـحابه أو أقاربـه أو رفـقائه فلا تجـوز له الحسبة، بل تحرم؛ لأنه عجز عن دفع المنكر، إلا بأن يفضي ذلك إلى منكر آخـر، وليس ذلك مـن القدرة في شيء، بل لو علم أنه لو احتسب لبطل ذلك المنكر، ولكن كان ذلك سبباً لمنكر آخر يتعاطاه غير المحتسب عليه فلا يحل له الإنكار على الأظهر»[39].
• ما يترتب على ترك الحسبة:
الحسبة هي دفق النبض في قلب المجتمع، فإن طرأ عليها الخل&