جدار الفصل العنصري في القدس ماذا وراءه؟

 

يوسف كامل إبراهيم

الأرض المباركة ومسرى الرسول -صلى الله عليه وسلم- تكاد أن تُمحى عن الوجود وتُنسى من الذاكرة، واليهود يستمرون في طمس معالمها وإخفاء إسلاميتها وعروبتها، وتستمر المؤامرة على جغرافية القدس والمسجد الأقصى. وأكبر الوسائل وآخرها التي تستخدمها السلطات الصهيونية بناءُ الجدار الفاصل الذي سنلقي الضوء عليه في هذه الدراسة؛ لنكشف للقارئ الإسلامي والعربي عن مدى الخطورة التي تتعرض لها مدينة القدس في هذه الأيام.

ü القدس في الفكر الصهيوني:

بقيت فكرة العودة إلى أرض الميعاد حاضرةً في العقل الجمعي ليهود الشتات، إلى أن جاءت الحركة الصهيونية المعاصرة وأعادت صياغة ذلك المفهوم، بشكل سياسي معاصر، أدّت ترجمته إلى قيام الكيان الصهيوني الحالي. وقد امتلأت أسفار التوراة والتلمود بفكرة العودة إلى أرض الميعاد، وأنها ستتحقق في الأرض المقدسة على يد (المخلص) الذي يقوم بجمع يهود الشتات والعودة بهم إلى أرض الميعاد واتخاذ القدس (أورشليم) عاصمة له، ويعيد بناء الهيكل (المزعوم) فيها.

ü الاستيلاء على المدينة:

نظـراً للأهمـية الدينية للقدس من وجهة نظر الصهيونية، فقد وضعت خطة الاستيلاء الصهيوني على المدينة المقدسة ضمن المخطط العام لاحتلال فلسطين، أي: منذ صدور تصريح (بلفور) ورعاية السلطات البريطانية إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فقد سهلت سلطات الانتداب للمنظمـات الصهيـونية احتـلال معظم قطاعات المدينة الحديثة التي تمَّ الاستيلاء عليها قبل انتهاء الانتداب البريطـاني رسمياً. وكانت مذبحة (دير ياسين) يــوم 9 /نيسان/ 1948م ـ التي قامت بها منظمة (أرغون) الصهيونية ـ أحد الخطوات لفرض الهجرة العربية.

ولدعم مركز الدولة العبرية في القدس الجديدة قامت سلطات الاحتلال في الفترة بين 1948 ـ 1967م بعدد من الإجراءات لمصادرة الأراضي رَمَتْ إلى تهويد المدينة بعد أن هجّرت سكانها العرب. والجدول التالي يوضح حجم مصادرة الأراضي في بعض مناطق القدس:

أراضٍ مصـادرة في تجمعات مختارة من محافظة القدس(1):

وأصبح الاستيطان أهم مرتكزات الحركة الصهيونية في الاستيلاء على القدس، وأخذ زعماؤها استكمالاً للتوسع البشري يخططون للتوسع الجغرافي، فبعد عدوان 1967م تمسك اليهود بمبدأ عدم العودة إلى حدود (4) حزيران، وامتزجت الحجج الأمنية بادعاءات اقتصادية ودينية. ولتثبت التوسع الإقليمي شرعت في خلق حقائق استيطانية بشكل مكثف في بعض المناطق العربية المحتلة، وتولت زرع ما يزيد على تسعين مستوطنة جديدة مختلفة من حيث الحجم والنوعية (مستوطنات زراعية، وقرى صناعية، ومراكز مدنية وبلدية، ومعسكرات ناحال)، وذلك لإزالة وتعديل حدود ما قبل 1967م.

ü الاستيطان الصهيوني والأبعاد الجيوسياسية:

1 ـ طمس المعالم العربية والإسلامية:

عمل العدو ومنذ اليوم الأول لاحتلال القدس على طمس المعالم العربية والإسلامية للمدينة القديمة وإعطائها الطابع اليهودي، حيث قام المحتلون بمصادرة أكثر من 700 مبنى في البلدة القديمة، جزء كبير منها يعود للوقف الإسلامي، وقد تمَّ طرد 6 آلاف فلسطيني لبناء الحي اليهودي، حيث تمَّ بناء أكثر من 550 وحدة سكنية ليهود تمَّ إسكانهم في المدينة، وقد رافق ذلك بناء العديد من أماكن عبادتهم والمراكز التجارية والمرافق العامة. كما منعت السلطات المحتلة الفلسطينيين من امتلاك مساكن أو السكن في الحي اليهودي، وقامت بهدم منازل عربية بلغت حوالي 135 منزلاً هي مجموع حارة المغاربة، بهدف فتح مساحة كبيرة أمام حائط المبكى كمقدمة لإعطاء الحائط بُعْداً قومياً ودينياً، وجعله معلماً دينياً مركزياً للحياة اليهودية.

2 ـ البعد الإقليمي:

أولى الخطوات التهويدية والاستيطانية للسيطرة والهيمنة على مدينة القدس قامت السلطات الصهيونية بضمِّ المدينة العربية للقدس الغربية، ومن ثم توسيعها لمدينة كبيرة ممتدة الأطراف باتجاه الشرق والشمال والجنوب داخل الضفة الغربية.

لقد هدفت هذه السياسة إلى جعل مدينة القدس مدينة مركزية مقابل (تل أبيب)، وضمن مشروع (متربوليان القدس)، وكان يهدف هذا إلى التوسع إلى الشرق والجنوب والشمال ومحاولة فصل شمال الضفة عن جنوبها، وخنق إمكانيات التوسع الإقليمي العربي في المدينة.

وفي مطلع السبعينيات من القرن الماضي تمَّ بناء أربع مستوطنات كبيرة؛ لإحكام الطوق حول المدينة العربية ومنع فصلها مستقبلاً. فتمَّ بناء مستوطنات النبي يعقوب (نيفي يعكوف) في الشمال، و (تالبيوت الشرقية) إلى الجنوب من البلدة القديمة، و (جيلو) في أقصى الجنوب، و (رمات ألون) إلى الشمال الغربي. استهدفت هذه الخطوة إلى جعل مفهوم الخط الأخضر قضية قديمة ومنتهية.

في المرحلة الثالثة التي بدأت منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي أخذت الحكومة الصهيونية في تعزيز سيطرتها الإقليمية على القدس العربية وإحكام الطوق على الجزء العربي من القدس الشرقية، بهدف منع قيام تواصل عمراني بين هذا الجزء وبين القرى والبلدات والمدن الفلسطينية الواقعة خارج القدس، وفي هذه المرحلة تمَّ بناء مستوطنة (بسغات زئيف) بهدف إغلاق الفراغ الإقليمي بين جبل المشارف (سكوبس) ومستوطنة النبي يعقوب، ثم مستوطنة (هارحوماه) بهدف إغلاق الفراغ الإقليمي بين مستوطنة (جيلو) من جهة وبين مدينة (بيت لحم) والأحياء العربية في (أم طوبا) و (صور باهر) من جهة أخرى، فتحقق بذلك هدفان: خنق التمدد العمراني لـ (بيت صفافا) العربية، ومنـع حدوث تمدد عمـراني يربط بين (بيت لحـم) و (أم طوبا) و (صور باهر). كما قامت السلطات الصهيونية بمصادرة 24 كلم2 من القدس العربية الشرقية بحدودها الموسعة (أي: من 70 كلم2)؛ لبناء مستوطنات يهودية، فتمَّ بذلك الاستيلاء على 33% من الأراضي العربية، إلى جانب الإعلان عن 24 كلم2 كمناطق مفتوحة لا يجوز فيها البناء العربي، ومن ثم يكون قد تبقى للسكان العرب 22 كلم2 فقط، منها 13 كلم2 (19%) هي مناطق المرافق العامة كالطرق والمدارس وغيرها، والبقية (9 كلـم2 أو 14% من مساحة المدينة العربية) هي مناطق الأحياء العربية القابلة للتطوير.

3 ـ البعد (السكاني):

عملت السياسة الاستيطانية الصهيونية على تفريغ المدينة من سكانها الفلسطينيين من خلال التضيق عليهم والتمييز ضدهم، في المقابل عملت الدولة اليهودية على نقل الآلاف من اليهود لشرقي المدينة لضمان بقاء أغلبية يهودية فيها، ففي عام 1967م بلـغ عـدد سكــان المـدينة حـوالي 70 ألف نسمة، فيما بلغ عدد السكان اليهود 266 ألف نسمة سكنوا جميعاً في مدينة القدس الغربية. أي: أن نسبة العرب بلغت آنذاك (26%). وقد أراد الصهاينة المحافظة على هذه النسبة منذ ذلك الحين. في الجانب الآخر لم يكن لليهود أي وجود في القدس العربية، أي: أن نسبة السكان العرب في المدينة بلغت (100%) وقد أرادت «إسرائيل» أن تقلـب هـذا الوضع بحيث تصبح أغلبية سـكان المـدينة الشـرقية يهـوديـة. وفي العام 1995م تعادلت نسبة السكان اليهود والعرب في القدس الشرقية، حيـث بلـغ التعـداد السـكاني فيـها 340 ألف نسمة، نصفهم يهود.

4 ـ التطويق الإقليمي الخارجي:

بالإضافة إلى محاولات تطهير الوجود الفلسطيني داخل مدينة القدس كانت هناك محاولات تطويق الأحياء العربية داخل المدينة؛ لمنع حدوث زحف عمراني فلسطيني باتجاه المدينة، قامت الحكومات الصهيونية ببناء حزام إقليمي استيطاني داخل الضفة الغربية يتكون من ثلاثة تجمعات رئيسية تحيط بالقدس العربية من ثلاث جهات: الشمال والشرق والجنوب. ففي الشمال تمَّ بناء (جفعات زئيف) كنقطة ارتكاز تمنع التمدد العمراني بين (رام الله) باتجاه القدس، وتسمح بتنفيذ مخططات توسيع الطـرف الشـمالي لما يسـمى بـ (كريدور القـدس)، وفي الجهة الشمالية نفسها قاموا بالربط بين مستوطنات (بيت إبل وعوفرة وبسغوت وكوخاف يعقوب)؛ لحصر إمكانات تمدد مدينة (رام الله) بشكل يسمح لها بمحاصرة القدس من الشمال، في الجنوب قاموا ببناء مجموعة مستوطنات (غوش عنصيون) بهدف منع أيّ تمدّد عربي من الخليل والجنوب باتجاه القدس، أما من الشرق فقد شكلت (معاليه أدوميم) ذات قيمة جيواستراتيجية عظيمة بالنسبة لمدينة القدس؛ لأنها تشرف على البوابة الشرقية للمدينة، ومنها يمكن التوجه إلى شمال الأرض المحتلة عبر غور الأردن أو جنوباً إلى البحر الميت وإيلات، وباستكمال مخطط القدس الكبرى تكون قد اكتملت الدائرة المحيطة بالقدس الشرقية العربية. ولتسهيل الربط مع مركز المدينة في القدس تقوم «إسرائيل» ببناء نفق يربط مستوطنة (معاليه أدوميم) بجبل المشارف (سكوبس) وهو ما يعرف بخطة التطوير (E1)؛ بهدف مصادرة وضمّ أكثر من 12 ألف دونم من الأراضي الفلسطينية لربط (معاليه أدوميم) ومحيطها بالقدس، وقطع كل تواصل جغرافي بين شمال الضفة وجنوبها إلا من خلال أريحا. وتريد السلطات الصهيونية من بناء الجدار الفاصل استكمال مخططها لتهويد المدينة والهيمنة عليها بشكل كامل وعزل التجمعات الفلسطينية في كنتونات ومعازل بشرية دون تواصل.

ü جدار الفصل العنصري في القدس:

بــدأ العـمل علـى إقامـة الجـدار في جنوب وشمال المدينة وشـرقها فـي إطــار غــلاف القــدس، ويبلــغ طـول هـذا الغلاف 50 كم. والجدار يأخذ أشكالاً متعددة وفقاً لطبيعة الأرض التي يمر فيها، ففي المناطق المفتوحة يكون واسعاً جداً من 50 ـ 100 متر، حيث يضم كل عناصر الجدار الأمني الحدودي من سور وطرق ترابية وقنوات وإلكتـرونيات. أما فـي المنـاطـق السـكنـية ـ مثل: أبو ديس والعيزرية ـ فيكون سور ارتفـاعه 6 ـ 8 أمـتـار. ويقسم البناء في غلاف القدس إلى ثلاثة أجزاء: الجدار الشمالي والشرقي والجنوبي.

وقد أجرت الحكومة الصهيونية عدداً من التعديلات على مسار الجدار ليتناسب مع التطبيق على أرض الواقع، وفي خطوة تعكس عزم رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد (إيهود أولمرت) استكمال جدار العزل في الضفة الغربية في أقرب وقت ممكن صوّت مجلس الوزراء الصهيوني المصغر على ضرورة الانتهاء من عملية البناء في أسرع وقت، وذلك بعد إجراء تعديلات جديدة على المسار المعدل بتاريخ 20/2/2005م، وتتركز التعديلات الجديدة في مسار الجدار في مناطق أثارت معضلات جغرافية لمسار الجدار، حيث ارتكزت التعديلات الجديدة على حل مشاكل اعتبرت حجر عثرة أمام سعي إسرائيل الاستمرار في بناء الجدار. أما فيما يتعلق بالتعديلات الرئيسية والتي يبلغ عددها أربعة فقد كانت في المناطق التالية(1):

1 ـ قرية (الجبعة)، جنوب غرب (بيت لحم):

تشير التعديلات الجديدة لمسار الجدار الفاصل الذي أقرّه مجلس الوزراء الإسرائيلي المصغر إلى إجراء تغيير على مسار الجدار المحاذي لقرية (الجبعة) جنوب غرب محافظة (بيت لحم)، والتي ستصبح القرية بموجبه جزءاً من منطقة العزل غرب محافظة (بيت لحم).

2 ـ قرية (الولجة)، شمال غرب (بيت لحم):

أظهرت التعديلات الإسرائيلية الجديدة على مسار الجدار غرب محافظة (بيت لحم) عن وضع قرية (الولجة) ضمن منطقة عزل خاصة بها، وذلك بتطويقها بجدار الفصل من جهاتها الشرقية، الشمالية، والغربية، مع تطويقها بشارع أمني تحت سيطرة الجيش الإسرائيلي من جهة القرية الجنوبية بمحاذاة شارع رقم (436)، الذي يعتبر المنْفَذ الوحيد المتاح لأهل القرية باتجاه (بيت لحم). وسيكون تحرك أهل قرية (الولجة) باتجاه قريتهم و (بيت لحم) من خلال معبر خاص بهم، الأمر الذي سيجعل منهم أسرى للحالة الأمنية المستجدة بحسب الجيش الصهيوني.

3 ـ منطقة غلاف القدس:

أما فيما يتعلق بالقدس فقد تمَّ إقرار العمل على استكمال بناء الثغرات الموجودة في جدار العزل حول مدينة القدس والمعروف ـ أيضاً ـ بغلاف القدس في المنطقة الشمالية للمدينة، حيث رفضت المحكمة الإسرائيلية العليا مؤخراً الاعتراضات المقدمة من قِبَل القرى المحيطة بشمال القدس والتي سيتم عزلها عن مركز المدينة.

4 ـ قرية (بيت اكسا)، شمال غرب القدس:

أما فيما يتعلق بقرية (بيت اكسا) فقد تمَّ إعادة رسم مقطع الجدار الخاص بها، وذلك بعد جولة تفقدية قام بها كل من رئيس الوزراء الإسرائيلي الجديد (إيهود أولمرت) ووزير الدفاع الإسرائيلي، حيث اطلع الأول على جغرافية المنطقة وقرب موقع القرية المذكورة من شارع (القدس ـ تل أبيب)، الأمر الذي استدعى إعادة دراسة وتخطيط مسار الجدار بحيث سيتم تسييره جنوب قرية (بيت اكسا) التي ستقع خارج نطاق الجدار.

5 ـ (جيب أرائيل) تحول إلى (جيب أرائيل) و (جيب كدوميم):

يعتبر (جيب أرائيل) أحد أبرز المعضلات التي تواجه إسرائيل، وقد أقرَّ مجلس الوزراء تعديلات على مسار الجدار المحيط بتجمع مستوطنات (أرائيل)، حيث تقرر تقسيم (جيب أرائيل) إلى قسمين: أرائيل وكدوميم.

وتجدر الإشارة هنا بأن فصل ما كان يعرف بـ (جيب أرائيل) إلى قسمين قد أدّى إلى وجود ثلاث مناطق عزل تضم تجمّعات سكنية فلسطينية محاطة بالأسوار والطرق الإسرائيلية، يقع أولها ما بين (جيب أرائيل) و (كدوميم)، ويضم 16 تجمّعاً سكنياً فلسطينياً، يبلغ عدد سكانها 36000 نسمة. أما منطقة العزل الثانية والتي يبلغ عدد سكانها 11100 نسمة فتقع جنوب (جيب أرائيل) وتضم قرية (الزاوية، رافات، ودير بلوط). أما منطقة العزل الأخيرة فإنها تقع ما بين الجدار القائم جنوب (قلقيلية) والخط الأخضر، وتضم قرية (عزون عتمة) والتي يبلغ عدد سكانها 1720 نسمة.

\ جدار الفصل العنصري والآثار المترتبة عليه:

يعتبر القرار الإسرائيلي بإنشاء جدار الفصل في محافظة القدس تتويجاً لسياسة عنصرية، مهّدت لها السلطات الصهيونية منذ الاستيلاء على مدينة القدس في حزيران عام 1967م، فقد تعرّضت المدينة إلى هجمة شرسة هدفها تهويد المدينة وطمس معالمها العربية والإسلامية، والقضاء على التواجد الفلسطيني، فالجدار يقطع أيضاً نسيج الحياة اليومية للمجتمع الفلسطيني، هذه الحياة التي لا تعني شيئاً لمصمّمي الجدار كما يقول «أفنيري»: «فالضفة الغربية خالية من غير اليهود»، وذلك تجسيداً للأسطورة التي روّجتها الصهيونية عن فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»(1) ففكرة الانسحاب من قطاع غزة أو فكّ الارتباط عن الضفة الغربية إنما تندرج في خطة وضعتها حكومة «شارون» السابقة والتي تقضي بتحقيق الأهداف التالية(2):

1 ـ التخلّص من القنبلة الديمغرافية الفلسطينية، ووضعها داخل قطاع جغرافي محدود المساحة (365 كيلومتر مربع) ضمن معابر مُحكمة الإغلاق، ومُحكمة الرقابة الأمنية، حيث يبقى للدولة الصهيونية حرية المراقبة والتدخل.

2 ـ الشروع بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وخاصة في محيط مدينة القدس ضمن مخطط قديم بهدف تهويدها، وفصلها عن التجمعات السكانية العربية في (جنين ونابلس وطولكرم والخليل وبيت لحم) وغيرها. وكشف المراقبون وجود آلاف النقاط الاستيطانية الجديدة التي قد تمهّد لإنشاء تجمّعات استيطانية في المناطق الزراعية والغنية بالمياه العذبة.

3 ـ تجسيد فكرة يهودية الدولة وعزل كل من هو غير يهودي خارج الحدود التي تريد رسمها بعد الانتهاء من بناء الجدار، فلقد جاء قرار بناء الجدار الفاصل على طول الخط الأخضر للضفة الغربية من الجهة الغربية بما يشمل القدس والتجمعات الفلسطينية بها، فقد عمل الجدار على تقسيم محافظة القدس إلى ثلاثة مقاطع معزولة عن بعضها البعض من جهة، وعن باقي مدن ومحافظات الضفة الغربية من جهة أخرى، بحيث عزلت البلدة القديمة مع مجموعة من الأحياء المحيطة ـ بناء على المخطط الهيكلي لبلدية القدس الإسرائيلية المعدل في العام 1994م ـ عن أيِّ امتداد وتواصل مع باقي الأراضي المحتلة، فيما فصل الجدار الأحياء والضواحي الشرقية للمحافظة عن المدينة، وأحيط بحواجز ونقاط تفتيش من كل الاتجاهات، وانقطع التواصل مع القرى والبلدات في الشمال، والشمال الغربي للمحافظة، وحال الجدار دون دخول المواطنين إلى المدينة، مما زاد من معاناة المواطنين في المحافظة.

لم تقتصر التأثيرات السلبية لجدار الفصل العنصري في محافظة القدس على تقطيع أوصال المحافظة، وحرمان الآلاف من الوصول إلى المستشفيات والمدارس وأماكن العمل والعبادة، ومصادرة الأراضي والممتلكات، بل طالت هذه التأثيرات العائلات والأُسر الفلسطينية على جانبي الجدار، فلم يراعِ مسار الجدار ـ الذي أعدّته وصادقت عليه الحكومة الإسرائيلية في مطلع العام 2002م ـ التشابك الجغرافي وعلاقة المجتمع الواحد لسكان المحافظة، بل تجاوز هذا المسار كل المواثيق والمبادئ الإنسانية والقرارات الدولية المتعلقة بالوضع السياسي لمدينة القدس، فقد توغل الجدار مسافة تزيد عن أربع كيلو مترات شرقي الخط الأخضر، مما أوقع قرابة 200 ألف فلسطيني داخل نطاق حدود بلدية القدس الإسرائيلية، فيما حرم أكثر من 200 ألف فلسطيني من سكان الضواحي من دخولها، وحصرت أحياء بكاملها على جانبي الجدار، لتشكل معازل منفصلة عن أيّ امتداد وتواصل فيما بينها، فقد كانت المناطق والضواحي الشرقية لمدينة القدس من أكثر المناطق تضرراً، حيث حصر الجدار 60 ألف نسمة من سكان هذه الضواحي داخل قراهم، وقد برزت جراء هذا الواقع جملة من القضايا الهامة نحاول من خلال هذا التقرير تسليط الضوء على جانب يُعدّ من أهم الانتهاكات التي خلّفها بناء الجدار وهو واقع العائلات الفلسطينية التي فصلها الجدار.

وكان ذلك أكثر وضوحاً في بلدة (السواحرة) بشقيها الغربي والشرقي التي يبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة حصر منهم 10 آلاف شرقي الجدار وهم من حملة هوية الضفة الغربية، ترتب على هذا التقسيم تفرقة عائلات كاملة عن بعضها، مثل: عائلة (عبيدات) وعائلة (شقيرات والجعافرة)، في حين حرم السكان من حملة هوية الضفة الغربية من دفن موتاهم وزيارة القبور في الجهة الغربية من الجدار. في بلدات (العيزرية وأبو ديس) عزل الجدار أحياء بأكملها بسكانها عن هذه البلدات، ففي حي (أم الزرازير) غربي (أبو ديس) والذي تسكنه 10 أسر من عائلة (عياد) تضم 51 فرداً (وهم من حملة بطاقات مختلفة) تمَّ اقتطاع هذا الحي من بلدة (أبو ديس)، بحجة ضمِّه إلى المخطط الهيكلي لبلدية القدس في العام 1994م، وقد فقد سكانه أيَّ اتصال مع البلدة، في حين تقوم سلطات الاحتلال منذ أكثر من سنة بممارسة الضغط على السكان لحملهم على ترك بيوتهم وأراضيهم، والتوجه إلى شرقي الجدار (أبو ديس)، وقد صدر قرار من وزارة الدفاع الصهيونية في شهر تموز من العام الماضي، يطالب 23 فرداً من أفراد هذه الأُسر بمغادرة المنطقة خلال مدة 10 أيام من تاريخه، بحجة أنهم يقيمون في بيوتهم وممتلكاتهم بشكل غير قانوني، بعد أن قامت سلطات الاحتلال بضمِّ المنطقة التي يسكنون فيها دون السكان إلى حدود بلدية القدس المصطنعة، فيما يعد ذلك انتهاكاً خطيراً لأبجديات حقوق الإنسان، حيث فرّق هذا القرار بين الإخوة والأبناء والآباء. ولدى توجّه عائلة (عياد) مجتمعة إلى القضاء الإسرائيلي للبحث عن حل لمشكلتهم، صدر قرار مؤقت من مكتب وزير الأمن الداخلي الصهيوني يوم 23/9/2004م بالسماح لهم بالبقاء في منازلهم حتى يتم النظر بالقضية في المحكمة(1).

ولم يكن حي (خلة عبد) في (أبو ديس) بأحسن حال، فقد تمَّ استهداف الحي منذ اليوم الأول من البدء ببناء الجدار، عندما استولى مجموعة من المستوطنين على بيتين في الحي، وتمَّ تأمين الحماية لهم من قوات الاحتلال الصهيوني، وذلك تمهيداً لإنشاء بؤرة استيطانية في الحي، كما تبع ذلك صدور قرار عن وزارة الدفاع الصهيونية بتاريخ 23/7/ 2003م بمصادرة 43 دونماً من الأراضي الزراعية لنفس الحي لصالح استكمال بناء الجدار، ووجهت سلطات الاحتلال إنذاراً لعائلة القنبر المقيمة في الحي، تطالبهم فيه بإخلاء بيوتهم ومغادرة المنطقة بحجة الإقامة على أراضٍ أصبحت من أملاك الدولة. ويضم هذا الحي أكثر من 30 فرداً من نفس العائلة يحملون بطاقات هوية مختلفة، وتنوي إسرائيل إنشاء مستوطنة إسرائيلية في الموقـع، مما يشكل خطراً مباشراً على حياة المواطنين في الحي.

كذلك فإن الجدار الفاصل قام بشقِّ حي (صوانة صلاح) بالقرب من جامعة القدس في (أبو ديس) إلى قسمين، مما قسّم عائلة (السرخي) على جانبي الجدار، فيما وقعت العديد من المنازل الأخرى ـ التي كانت تابعة لمدينة القدس والتي اعتاد سكانها على دفع الضرائب والأرنونا إلى بلدية القدس ـ في الجهة الشرقية للجدار.

استهدفت إسرائيل العائلات مختلفة الهوية بشكل ملحوظ بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى، من خلال إجراءات سحب هوية المقدسين والمقدسيات الذين يقيمون مع عائلاتهم خارج حدود بلدية القدس، وعدم السماح لأفراد عائلاتهم من حملة هوية الضفة أو قطاع غزة بالإقامة في القدس، وذلك استكمالاً لسياسة التهويد التي تمارسها إسرائيل ضد مدينة القدس. ظهرت انعكاسات هذه السياسة جلية وواضحة بعد أن تمَّ بناء جدار الفصل العنصري، حيـث تـرتب عليهـا تشتـيت 800 أسـرة مـن حمـلة الهويات المختـلفة على طرفي الجدار في منطقة (أبو ديس والعيزرية والسواحرة الشرقية)، هذه الأُسر تواجه اليوم مستقبلاً غامضاً تحديداً بعد تجميد إجراءات لمِّ الشمل من قبل الحكومة الإسرائيلية في العام 2002م، بحيث لم يترك أمام هذه العائلات أيّ خيار للتواصل والعيش المستقر.

إن التعامل الإسرائيلي مع قضية لمِّ شمل العائلات الفلسطينية، ينطلق من مصلحة إسرائيل ورؤيتها في عدم تهديد الطابع اليهودي والأغلبية الصهيونية في مدينة القدس، مما يحرم هذه العائلات في الوقت الراهن من أن يعيشـوا في بيت واحد وفي أسرة واحدة في المدينة، للحفاظ على انتمائهم للمدينة المقدسة، والحفاظ على تواصلهم مع أفراد أُسرهم في الضفة، بعد الانتهاء من بناء جـدار الفصل، وخاصة إذا طُبّق بحق المقدسين القرار المعلـن من قبـل الحكـومة الصهيونية بمنع أهالي القدس من التـوجه إلى الضفة الغربية، ابتداء من شهر تموز المقبـل، أسوةً بباقي الأهل من العرب في فلسطين المحتلة عام 1948م.

لقد التصقت هذه التبعيات والآثار السلبية بواقع بناء الجدار حول مدينة القدس، فهي تبرز وتتفاقم أينما وجد الجدار، ففي شمال المحافظة قسم الجدار ضاحية (السلام) غربي قرية (عناتا) شمال القدس إلى شطرين، في حين تسلمت 100 أسرة من سكان الضاحية من حملة هوية الضفة الغربية إشعارات بمغادرة منازلهم وأملاكهم، كذلك الأمر في ضاحية (البريد والرام وسميراميس والمطار وأم الشرايط) الواقعة في شمال القدس، والتي فصلها الجدار عن المدينة، حـيث يحمـل جـزء كبير من هؤلاء السكان الهوية الزرقاء، وينطبق الأمر على الشمال الغربي من المحافظة، حيث أخرجت عشرات العائلات المقدسية من نطاق المدينة.

إن الحل الأمثل لقضايا ومتعـلقات الجدار وما أنتجه وينتـجه مـن معـاناة إنسـانية للمواطنين في المحافظة لا يتأتّى إلا من خلال إزالته، وإبطال كل الإجراءات والتدابير الناجمة عنه.


اسم التجمع

بيت حنينا وشعفاط

بيت صفافا ، وشرفات

الطور، والصوانة، والشياح العيسوية

السواحرة الغربية، وسلوان، وراس العمود، وجبل المكبر، والثوري

الشيخ جراح

صور باهر، وأم طوبا

وادي الجوز

المجموع

المساحة الكلية

16250

5300

2210

2700

10050

750

7900

640

45800

المساحة المصادرة

15290

4510

1510

2320

7770

630

6570

330

38930

نسبة المساحة المصادرة

94%

85%

68%

86%

77%

84%

83%

51.5%

85%


(*) أستاذ الجغرافيا ـ جامعة الأقصى ـ غزة ـ فلسطين.

(1) الكتاب الإحصائي السنوي «القدس 1998م».

(1) الموقع الإلكتروني لمعهد الأبحاث التطبيقية (أريج)www.arij.org :

(1) أحمد بن راشد بن سعيِّد، الفصل الأخير للجدار الذي تصرّ عليه إسرائيل، صحيفة الحياة اللندنية 8/2/2004م.

(2) عدنان السيد حسين، الخطة الإسرائيلية بعد غزة، صحيفة الخليج الإماراتية 30/8/2005م.

(1) عبد الوهاب صباح، الجدار في محافظة القدس، مركز القدس للديمقراطية وحقوق الإنسان. 

للعودة للصفحة الرئيسة