فصول المؤامرة: مخطط حركة فتح لإفشال حكم حماس!

 

إبراهيم أبو الهيجاء

الحديث عن مؤامرة تستهدف حكومة حماس ليس معناه أننا نسبح في خيال (نظرية المؤامرة) أو هو تجنٍّ على الأطراف التي تمارسه؛ فقد كان فوز حركة حماس في الانتخابات المجلس التشريعية بنتيجة مؤثرة مفاجأة للأطراف الفاعلة والمعنية بالقضية الفلسطينية، وهذا ما أكده الكاتب الصهيوني (ناحوم برنياع) في مقالٍ نشرته صحيفة (يديعوت أحرونوت) العبرية يوم (30/1/2006)، وذكر أنّه عشية الانتخابات التشريعية الفلسطينية أُعدّت سيناريوهات حول كلّ الاحتمالات القائمة إلا فوز حماس وهو مما يدل على إخفاق استخباري خطير. وهذا برأينا رد كافٍ على الذين سوَّقوا فوز حماس للشعب الفلسطيني وكأنه صفقة صهيونية وأميركية. والأكثر دلالة وتأكيداً على حدوث تآمر على فوز حماس من قِبَل أطراف فلسطينية وصهيونية وأميركية وعربية ما كشفت عنه صحيفة (نيويورك تايمز) الثلاثاء في (14/2/2006م) عن أنّ الكيان الصهيونيّ وأمريكا تحيكان مؤامرة تهدف إلى عزل السلطة الفلسطينية والتسبب للشعب الفلسطيني بمعاناةٍ (تجبره على إسقاط حركة حماس وإعادة فتح إلى السلطة)... وبعدها كشفت صحيفة (هآرتس) الصهيونية في (20/2/2006م) نقلاً عن صحيفة (صاندي تايمز) البريطانية، النقاب عن أنّ مسؤولين صهاينة وفلسطينيين كباراً أجروا مؤخّراً محادثات سرية في ولاية (تكساس) الأمريكية لبحث سبل إضعاف حركة المقاومة الإسلاميّة حماس... ولاحقاً ذكرت صحيفة (يديعوت أحرونوت) في عددها الصادر الإثنين (24/4) أن خطة عمل سرية يتم الإعداد لها في محافل أمريكية لإسقاط الحكومة الفلسطينية الجديدة، والدعوة إلى إجراء انتخابات تشريعية جديدة.

ü ترقيات وتعيينات للإفشال من الداخل:

إسقاط حكومة حماس فيما يبدو هدفاً للكثير من الأطراف الفلسطينية والعربية فضلاً عن الولايات المتحدة والعدو هذه حقيقة لا يختلف عليها اثنان، ويؤكدها ما جرى على الأرض وما يصرح به جهاراً نهاراً؛ فحركة فتح التي سلمت نظرياً بالهزيمة خلَّفت وزارات وموظفين يدينون بالولاء لها، بعد عمليات منهجية من الإقصاء الوظيفي ضد الآخرين ولا سيما أبناء ومريدي حركة حماس من خلال ما يسمى قانون (السلامة الأمنية)، وحتى التراتيب الإدارية جرى التلاعب بها بعد فوز حماس دون معايير عادلة كحال التوظيف الذي تم على أسس تنظيمية ودون مؤهلات علمية أو معايير مهنية، وقد أصدرت حكومة (أحمد قريع) التسييرية خلال شهرين فقط (من 20/11/2005م حتى 29/3/2006م) قبل مغادرتها مواقع الحكم، ما يزيد عن 422 قراراً للتعيين والتسكين. وعزز رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس موقفها بإصدار ما يزيد عن 143 مرسوماً رئاسيّاً لبعض القرارات، على الرغم من أنّ عباس شخصياً أصدر قراراً بتاريخ 20/11/2005م بوقف كلّ أشكال التعيينات والترقيات والتسكينات الوظيفية حتى يتمّ الانتهاء من الانتخابات التشريعية في 25/1/2006م؛ مع العلم أن حكومة تسيير الأعمال، لا يجوز لها أن تقوم بمثل هذه الإجراءات، إنما تقوم بأمور تنفيذية محصورة ودقيقة، ولا يجوز التوسع فيها بأي حال من الأحوال، وهذا واضح في المادة 78 أو 79 من إحكام القانون الأساسي المعدل من 2003 - 2005 والذي ينص في البند 3 من هذه المادة على أنه عند انتهاء ولاية رئيس الوزراء وأعضاء حكومته يمارسون أعمالهم مؤقتاً باعتبارهم حكومة تسيير أعمال، ولا يجوز لهم أن يتخذوا من القرارات إلا ما هو لازم وضروري لتسيير الأعمال التنفيذية لحين تشكيل الحكومة الجديدة.

ü سحب للصلاحيات لتضيق الخناق القانوني والسياساتي على الحكومة الجديدة:

بعد أن تبين فوز حماس تداعى المجلس التشريعي في بدعة ما أُسمي (جلسة استثنائية) بتاريخ 13 شباط/ فبراير 2006، قبل خمسة أيام من الموعد المقرر لأداء أعضاء المجلس الجديد اليمين الدستورية (18 شباط/ فبراير)، أي بعد مرور ثمانية عشر يوماً على إجراء الانتخابات التشريعية التي تعني ببساطة انتهاء التفويض الشعبي الديمقراطي للمجلس القديم ومنح تفويض آخر لمجلس جديد.

ولم تقتصر هذه الجلسة على جلسة وداع كما كان متوقعاً، بل أعطت لرئيس السلطة الفلسطينية صلاحيات دستورية بالغة الحساسية حيث يخوله التعديل الجديد صلاحيات تعيين أعضاء المحكمة الدستورية، في إجراء يشير إلى نوايا انقلابية تنتقص من استقلالية المحكمة الدستورية والقضاء والسلطة التنفيذية ككل.

وفي بدعة المراسيم الرئاسية كان واضحاً أن الرئيس الفلسطيني غير آبه بنصوص الدستور الفلسطيني التي انتصر لها إبَّان رئاسة عرفات؛ فهو أولاً: حجب موافقته عن الكثير من قرارات الحكومة الجديدة حيث لم يوافق إلا على خمسة وعشرين مرسوماً للحكومة الحالية؛ في حين صادق على عدد زاد عن الـ 140 مرسوماً للحكومة السابقة في الفترة نفسها، وثانياً: أصدر مراسيم تخالف الدستور في اعتداء صارخ وواضح على صلاحيات الحكومة الفلسطينية.

- أصدر ديوان رئاسة السلطة الفلسطينية في رام الله مرسوماً رئاسياً يقضي بمسؤولية مجلس الأمن القومي الفلسطيني عن أعمال وتسيير الأجهزة الأمنية الفلسطينية (30/1/2006).

- قيام رئيس السلطة الفلسطينية بتعيين الدكتور وليد ذيب الرئيس السابق للجامعة العربية الأمريكية أميناً لسر مجلس التعليم العالي، وتعيين الدكتور محمود أبو الرب المحاضر بجامعة النجاح الوطنية بنابلس رئيساً لدائرة الرقابة العامة، وقرار من رئيس المجلس التشريعي المنتهية ولايته بتعيين إبراهيم خريشة أميناً عاماً للمجلس التشريعي (5/2/2006م).

- الرئيس يصدر عدة مراسيم رئاسية تنقل مرجعية هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية، من وزارة الإعلام إلى مكتب الرئيس، كما صدر مرسوم آخر بنقل صلاحية مرجعية الهيئة العامة للاستعلامات أيضاً من وزارة الإعلام إلى مكتب الرئيس عباس، وثالث يقضي بإعادة مرجعية وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) من وزارة الإعلام إلى منظمة التحرير الفلسطينية، لكونها الجهة التي أنشأتها في عام 1972 (14/2/2006م).

- مرسوم رئاسي يقضي بترقية اللواء رشيد أبو شبـاك (أبو حاتم) من مدير الأمن الوقائي في قطاع غزة إلى مدير عام الأمن الداخلي الذي يضمّ جهاز الأمن الوقائي، والشرطة، والدفاع المدني، في الضفة الغربية وقطاع غزة (20/2/2006م).

- أصدرت اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية بياناً ترفض فيه برنامج حكومة حماس، ودعت الحركة إلى تعديل برنامجها بحيث يعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وذلك في ختام اجتماع عقدته بمدينة رام الله يوم الأربعاء (22/3).

- الرئيس الفلسطيني يحوِّل تبعية صندوق الاستثمار الفلسطيني بالكامل إلى رئاسته رغم أن نظامه الداخلي يخوِّل وزير المالية الفلسطيني بصفته يرأس مجلس إدارته، وبلغت موجوداته حسب نشرة من الصندوق ذاته في النصف الثاني من العام 2005 حوالي 4.1 مليار دولار بين أصول واستثمارات في شركات مختلفة (29/3/2006م).

- أصدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس مرسوماً رئاسياً يقضي بتبعيّة الإدارة العامة للمعابر والحدود، لرئيس السلطة مباشرة (5/4/2006م).

- حتى يوم جمعة وهو يوم العطلة أصدر رئيس السلطة الفلسطينية مرسوماً رئاسياً يلغي بموجبه قرار وزير الداخلية الفلسطيني سعيد صيام، الذي عيّن فيه جمال أبو سمهدانة مراقباً عاماً في وزارة الداخلية (21/ 4/2006م).

- لم يصطحب الرئيس الفلسطيني أياً من وزرائه إلى أي بلد زاره، كما لم يسمح لهم باستقبال أي من ضيوفه.

ü شروط تعجيزية لإقامة حكومة وحدة وطنية:

في محادثات حكومة الوحدة الفلسطينية كان واضحاً تمسك حركة فتح بإفشال هذه المساعي، وقال محمد دحلان وزير الداخلية الفلسطيني السابق في 27/1/2006م وحتى قبل أن تبدأ محادثات حكومة الوحدة: (يمنع منعاً باتاً أن تشارك فتح في حكومة تقودها حماس)، ووضعت حركة فتح شروطاً تعجيزية لتأسيس مثل هذه الحكومة، ومن هذه الشروط: عدم قبول حماس بمنظمة التحرير الفلسطينية أو تمهيد قبولها لوثيقة الاستقلال: التي تجبر حماس على الاعتراف بـ (الدولة العبرية) كذلك قبول حماس بالتسويات القائمة.

كل الاشتراطات المطروحة يناقضها ما يلي:

1- الحكومة الفلسطينية صيغة للبرامج الداخلية وليس للمفاوضات السياسية، دون أن يعني هذا حق حماس أن تسعى بالوسائل القانونية والسلمية لتغيير معادلات التسوية الظالمة، ولعل إنجاز تغيير سياسي مرتبط أكثر بإصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وليس بإصلاح السلطة وحسب.

2 - حماس فازت على أساس برنامج واضح حاز على ثقة شعبية واسعة وليس مطلوباً منها أن تُقْدِم على تنازلات لبرامج سقطت واقعياً وشعبياً.

3- الانتخابات التشريعية أجريت على أساس عقد نظامي توافقت عليه القوى الفلسطينية جميعاً بما فيها القوى التي لم تشارك، ووُقِّع في (القاهرة) وهو يمثل القاسم المشترك، وحماس على ضوئه غير ملزمة بتقديم صيغ جديدة.

ü سلاح الاستفتاء على وثيقة الأسرى:

حدد الرئيس الفلسطيني يوم الأربعاء الموافق 26/7/2006م يوماً للاستفتاء على وثيقة الوفاق الوطني (الأسرى) وفق مرسوم رئاسي صدر بتاريخ 24/3/2006م، في إجراء يفتقد للمنطقية بإجراءاته؛ ناهيك عن القانونية في إصداره، وقد صدر العديد من الدارسات القانونية التي شككت في نظامية الاستفتاء، ولكن الإصرار على الاستفتاء كانت الأهداف الجلية منه إما توريط حماس بالقبول باتفاقيات التسوية تحت مسميات (الشرعيات العربية والدولية)، أو إيجاد المبرر الشعبي للتخلص منها إن هي أبت ورفضت نتائجه، أو استخدام الاستفتاء لمساومتها على شكل جديد لحكومتها تكون أبعد ما تكون هي عن التأثير به، ولكن في 26/6/2006م توصلت الفصائل الفلسطينية إلى صيغة مقبولة لوثيقة الأسرى بعد تعديلات لغوية وإضافات بسيطة طالبت فيها حركة حماس، تُمكِّن فتح من الادعاء أن الوثيقة تقترب من برنامجها، وتمكن حماس من القول إنها لم تتنازل عن برنامجها، وأنه ما زال هناك مجال لغوي واصطلاحي يمكنها من الرفض لأي تنازلات تستهدف الانتقاص من الثوابت الفلسطينية، ولكن كان واضحاً أن الرفض الصهيوني والأميركي للاتفاق الذي توصلت إليه الفصائل الفلسطينية هو السبب المباشر بتهرب حركة فتح ومحمود عباس من وثيقة الوفاق المستجدة، حيث جرى مطالبة حماس مرة أخرى بالحوار حول وثيقة الوفاق. وهذه ليست المرة الأولى؛ فمن قَبْل وثيقة الوفاق كان هناك اتفاق القاهرة الذي على أساسه جرت الانتخابات البلدية والتشريعية الأخيرة ولم تحترم حركة فتح تنفيذ بقية بنوده ولا سيما بعد فوز حماس، وحتى بعد الإعلان عن قرب ولادة حكومة وحدة فلسطينية أي بعد التوافق بين فتح وحماس على برنامج مقتبس من وثيقة الوفاق، تدخلت الإدارة الأميركية واستدعت الرئيس (أبو مازن) فأسرع لزيارتها فعلق حوار حكومة الوحدة كما صرح بذلك نبيل عمرو، المستشار الإعلامي للرئيس محمود عباس، بتاريخ 15/9/2006م بذريعة تصريحات عبرت عن مواقف حركة حماس أسهمت في تخويف المجتمع الدولي من حكومة الوحدة الوطنية كما قال عمرو ذاته، وهذه حجة سخيفة، بل هو اعتراف صريح من رئاسة السلطة أنها مرتهنة بشكل كبير في الموقف الأميركي والصهيوني الأكثر رفضاً لحكومة الوحدة الفلسطينية التي رحب بها بالمقابل الاتحاد الأوروبي الأكثر تمويلاً للسلطة الفلسطينية، وهذا ما يسقط الحجة المالية وفك الحصار في تبرير التوصل لحكومة يقبل بها ما يسمى المجتمع الدولي، وهذا لا يدل فقط على أن حركة فتح لا تريد التضحية بعلاقاتها مع الأميركان، بل يبدو واضحاً وجود تيار فيها متحالف مع الرغبة الأميركية والصهيونية في عدم إنجاح تجربة حماس بأي صيغة تؤمِّن لها سُلَّم الصعود أو حل المشكلة الاقتصادية.

ü نشر للفوضى وتعميم لثقافة البلطجة:

ويقف على رأس ذلك عمليات الاختطاف للأجانب التي قامت بها مجموعات مختلفة محسوبة على حركة فتح وإن تنصلت منها؛ حيث نفذ قرابة (24) عملية اختطاف لأجانب وصحفيين، وحتى لم يسلم منها (حسام الموصلي) الملحق العسكري في السفارة المصرية في 9/2/2006م، كل هذه الحوادث هدفت أولاً: لإشغال وإرهاق حكومة حماس في عمليات تفتيش دقيقة تستنفد وقتها وتظهرها بمظهر العاجز، وثانياً: الإساءة لتجربتها أمام المتطلعين إلى قدرتها على الحكم والضبط.

في المستوى الثاني: لتكتيك الفوضى الذي اتبعته حركة فتح لجأت إلى أحداث متعددة من الاعتداء على مؤسسات وشخصيات مقربة من حركة حماس، وتالياً: عمدت إلى تخريب كــل ما طالتــه أيديهــم من مقرات تـابعة للسلطـة الفلسطينية ولا سيما مقر المجلس التشريعي ورئاسة الوزراء، وثالثاً: انتقلت مجموعات من حركة فتح لإطلاق الرصاص على سيارات ومنازل رموز وأعضاء من المجلس التشريعي المحسوبين على حركة حماس، بل جرى سفك لدماء الكثير منهم كأحداث قطاع غزة التي ذهب ضحيتها العشرات بين بريء ومستهدف، ولاحقاً جرى تعمُّد خطف نواب وملاحقة وزراء وتكسير سياراتهم والاعتداء عليهم بالضرب وعلى حراسهم أيضاً.

في المستوى الثالث: ومصاحباً لحوادث الاعتداء والترهيب وعمليات الخطف لأجانب ودبلوماسيين: كان هناك تحريض وشحن لعناصر الأجهزة الأمنية الذين يتبعون بأغلبهم لحركة فتح، ترجم إلى مسيرات انتهت غالباً بالتخريب والفوضى والصدام مع قوات التنفيذية التي شكلتها وزارة الداخلية الجديدة، وحذر من ذلك مبكراً (العميد علاء حسني) قائد الشرطة الفلسطينية الذي قال في حوار أجرته معه صحيفة الخليج في ( 3/2/2006م): إنّ هناك (رؤوس أفاعٍ) خرجت تحرض الأجهزة الأمنية حتى وخرق النظام والقانون بدعوى أنّ هذه الأجهزة هي مؤسسة (فتحاوية) لا يجوز لحركة المقاومة الإسلاميّة حماس أنْ تأخذها.

في المستوى الرابع: كانت هناك حرب نفسية تُشَنُّ على الحركة أبرزتها تصريحات معظم قيادات حركة فتح التي صبت جام غضبها على تجربة حماس بزعـم عدميتها السياسية وفشلها في إدارة الحكم، وقد اظهر مسح إعلامي لوسائل الإعلام الفلسطينية في (25/9/2006م) أنجزه مركز رواد الصحافة والإعلام أن 95% من التصريحات والأخبار الصادرة عن أطر وشخصيات حركة فتح والمنشورة في الصحف ومواقع الإنترنت منصبة على الهجوم على حركة حماس والحكومة الفلسطينية مقابل 5 % لممارسات الاحتلال الصهيوني، ولفت المسح ذاته إلى أن الصحف الفلسطينية اليومية الثلاث تواصل انحيازها السافر إلى وجهة نظر حركة فتح؛ فمثلاً ذكر التقرير أن صحيفة القدس المقدسية حجبت أخبار الحكومة الفلسطينية ووزرائها ومواقف حركة حماس أربعة أيام خلال الأسبوعين الأخيرين من الصفحة الأولى؛ حيث أعطت مجالاً بارزاً لمتحدثين صغار من حركة فتح بينما اكتفت بنقل أخبار رئيس الوزراء بالصفحة الثالثة وما بعدها. ويلاحظ من الرصد أن هناك تنافساً شديداً بين متحدثي حركة فتح في إصدار التصريحات مما أربك وسائل الإعلام؛ حيث تم رصد 17 تصريحاً لحركة فتح في يوم واحد في قضية واحدة، ورصد المسح أيضاً قيام بعض الإعلاميين بإنجاز تقارير موجهة مدفوعة الأجر وتعميمها على وسائل الإعلام حيث رصدت منشورة في عدد كبير من المواقع والصحف.

في المستوى الخامس والحلقة الأخطر: جرى إضراب شامل للموظفين لم يسلم منه قطاع التعليم والصحة ولا زال حتى كتابة هذه السطور قائماً، ويعود نجاحه نسبياً في الضفة الغربية إلى سبب موضوعي يتعلق أساساً بانتماء أكثر من 80% من الموظفين لحركة فتح وعلى الأقل جرى توظيفهم بواسطتها، كما أن حركة فتح تكاد تُحكم سيطرتها على الأجهزة الأمنية التي يمكنها تطبيق قرارات الحكومة أو تنظيم الإضراب ضمن القانون والنظام العام. وقد لاحظنا صدقية هذه النقطة عندما تذرعت قوى الأمن بالعجز عن حماية المؤسسات التي أصرت على الانتظام خلافاً لدعوات الإضراب، بل إن قوى الأمن في بعض المحافظات تدخلت بقوة لإغلاق بعض المدارس وساندت المسلحين، يضاف إلى ذلك أن الكثير من المجموعات المسلحة الضاربة والمحسوبة عناصرها على القوى الأمنية استخدمت التهديد والوعيد لردع المدرسين عن الذهاب لمدارسهم.

أما الإعلام الفلسطيني الرسمي فكان تحريضه وانحيازه مع المضربين وضد الحكومة واضحاً سواء في تناول الأخبار وتوازنها أو انتقاء التحليلات أو تسليط الأضواء على زاوية واحدة من المشهد الفلسطيني. في الآونة الأخيرة كان هناك تحريض مباشر من الرئيس الفلسطيني قبل أيام من بدء الإضراب عندما ألمح إلى أن حماس تنفق على عناصرها مهملةً جوع الشعب الفلسطيني ومؤكداً أن الطعام يأتي قبل الديمقراطية في الأهمية لدى الشعب الفلسطيني، وأُتبع ذلك بقرار صريح من اللجنة التنفيذية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية يؤيد فيه إضراب المعلمين، وكأن كل الشرور ومصائب التجويع أصبحت حماس مسؤولة عنها وبذمتها.. كل ما تقدم يؤكد أن ما يجري لا يمكن أن يقال عنه إضراب نقابي مطلبي عفوي، بل هو عصيان وتمرد مسلح يستهدف أساساً حكم حماس.

\ افتعال الأزمات المالية:

أشارت صحيفة (نيويورك تايمز) في 23/2/2006م لأول مرة أنّ الاتحاد الأوروبي يعمل على بلورة اقتراح لتحويل المساعدات الأوروبية مباشرةً إلى رئيس السلطة الفلسطينية بموافقة أميركية، ونظراً لمعاناة الموظفين واشتداد الخناق على الفلسطينيين نتيجة عدم قدرتهم على تحويل أي مبلغ للسلطة الفلسطينية مهما بلغ حجمه بسبب التخوف من العقوبات الأميركية، وافقت حماس على التخلي الجزئي عن صلاحياتها المالية لصالح رئيس السلطة الفلسطينية، وشكلت لهذا الغرض لجنة مشتركة ما بين مكتب الرئيس ورئيس الوزراء ووزارة المالية. وبالفعل استقبلت العديد من الحوالات على حساب مكتب الرئيس وحدثت انفراجات مالية مهمة، ولكن كان من الواضح أن قبول الرئيس الفلسطيني لاستقبال هذه الحوالات أو حل المعضلة المالية لن يدوم؛ لأنه مرتبط بمطالبه السياسية من حماس. صحيح أن الاميركان لم يكونوا راضين تماماً عن الآلية الأوروبية، ولكن كان يمكن للرئيس الفلسطيني أن يكون أكثر تحمساً لها؛ والدليل على ذلك رفض الرئيس لتصرف الحكومة بمقدرات صندوق الاستثمار الفلسطيني الذي أنشئ سنة 2002، وترأّسه (سلام فياض) تلبيةً لمطالب المانحين، ولكن عرفات أصرّ على أنْ يتسلّم مستشاره خالد سلام مسؤولية الإدارة التنفيذية للصندوق، وعضو في مجلس الإدارة، على أنْ يكون مقره العاصمة المصرية القاهرة.

ووفقاً لإعلان الصندوق نفسه فإنّه حقّق أرباحاً عام 2003 بنسبة 26%، وارتفعت معدلات الأرباح في السنوات اللاحقة إلى أكثر من 30% وهذا وفقاً للإعلانات الرسمية. وعندما طُلب من صندوق الاستثمار من قبل الحكومة الجديدة المساهمة في سد العجز الذي يعاني منه الموظفون رفض الرئيس الفلسطيني ومدير الصندوق الدكتور محمد مصطفى هذا الطلب وذلك بتاريخ (10/4/2006)، رغم أنه قال في مقابلة معه في جريدة القدس: إن كل ما يستطيع الصندوق التصرف به الآن هي أصول قابلة للتسييل في حدود (250) مليون دولار، بل إنه ذكر في المقابلة ذاتها قائلاً: (إن دعم الخزينة الفلسطينية هو أيضاً من بين واجبات الصندوق التي قام بها منذ تأسيسه على أتم وجه).

وللتأكيد على أن الصندوق كان ناجحاً حسب تقرير المجلس الديمقراطي الأميركي (سنة 2004) والذي يعمل كمستشار حول قضايا الشفافية وأسلوب الحكم لدى الصندوق حيث جاء في التقرير ما نصه: (حقق صندوق الاستثمار الفلسطيني درجة عالية من النجاح وأدرك الكثير من أهدافه برغم صعوبة الوضع والمعوقات اللوجستية الناجمة عن التــراجع الاقتصادي وأعمال العنــف والإغــلاقات وغيــاب الاستــقرار السيــاسي). و (سلام فياض) رئيس مجلس صندوق الاستثمار السابق ووزير المالية الأسبق ذكر في موقع أمان الإلكتروني أنه (تحققت زيادة ملحوظة في الأرباح المحمولة للخزينة من صندوق الاستثمار الفلسطيني حيث بلغت قيمتها 60 مليون دولار في 2004 وكانت 35 مليون دولار في 2003، رغم تراجع مستوى المساعدات الخارجية المنخفض نحو 60 بالمائة.

وفي مؤتمرٍ صحافي عُقِد في فندق الـ (جراند بارك) في مدينة رام الله، تحدّث (جورج عبد) محافظ سلطة النقد الفلسطيني قائلاً: الوضع المصرفي بشكل عام قوي ومتين، مؤكـداً أنّ مجمـوع موجـودات الجهاز المصرفي وصلت إلى 5.6 مليار دولار وودائع العملاء 4.2 مليار دولار، وإذا تم إضافة ودائع سلطة النقد والبنوك الأخرى فإن حجم الودائع تصل إلى 4.7 مليار دولار، مشدّداً على أنّ التسهيلات بلغت 43 بالمائة؛ بمعنى أنّ السيولة لدى البنوك تصل إلى 57% من مجموع موجوداتها، وأنها متوفرة، وأنّ القطاع المصرفي جاهز للقيام بواجبه. ونوّه (جورج عبد) إلى أنّ الأزمات التي مر بها الجهاز المصرفي توحي للبعض بأنّ هناك ديوناً كثيرة، مشيراً إلى أنّه على الرغم من الأزمات فإنّ النسبة في فلسطين أدنى مما هي عليه في الدول المجاورة؛ فديونها لا تتجاوز 11% ومن ثم فإن صحة الجهاز المصرفي بأحسن حال! (2/2/2006م).

إذاً هناك افتعال للمشكلة المالية أو على الأقل هناك تواطؤ على عدم حلها؛ فموجودات صندوق الاستثمار المليار كافية وحدها صمود الشعب الفلسطيني لأكثر من عام، والدليل الأحدث على أن الأزمة المالية في أجزاء كبيرة منها مفتعلة وعد الرئيس محمود عباس للمضربين من الموظفين عن راتب قبل شهر رمضان 2006، وتراجعه عن ذلك بعد عودته من واشنطن ورفض الأخيرة لموافقته على حكومة الوحدة الفلسطينية، وأكد ذلك (عاطف عدوان) وزير شؤون اللاجئين الذي ذكر فيها أن خزينة رئيس السلطة تحتضن أكثر من ثلاثمائة مليون دولار، وهذا ما اعترف به (رفيق الحسيني) مدير ديوان الرئاسة الفلسطينية يوم 28/9/2006م لوكالتي (وفا ومعاً) وصحف (القدس والأيام والحياة الجديدة) بعد الضجة التي كذب فيها تصريح (عاطف عدوان).

إذاً هذه الموجودات المالية كفيلة بحل جزء مهم من المشكلة المالية؛ فلماذا يتأخر الرئيس الفلسطيني؟ والأنكى أنه يقول للشعب الفلسطيني: (خبزته أهم من ديمقراطيته).

\ وأخيراً:

يبدو أن حركة فتح والمجتمع الدولي يريدان حقاً اختبار تجربة حماس، بل إنه يساومها على أهدافها ضارباً بعرض الحائط معنى النتيجة التي حصلت عليها، وسيكون لذلك أثمان كبيرة ليس على مستوى حماس التي بإمكان الفلسطينيين تلمس الأعذار لها، وسيكون الانقلاب على فوز حماس تداعيات تمس بأي استقرار وتهدئة ينشدها المجتمع الدولي.. وستنتقل المقاومة من أدوات جزئية وأهداف مرحلية، إلى أدوات وأهداف أكثر شمولية.. وتعبير الناس الانتخابي هو احتجاج هادئ وبأساليب حضارية للتعبير عن حبها أو رفضها لشيء أو أشياء، بينما رفض هذا الاحتجاج والالتفاف عليه سيدمر كل شيء تحت أنقاض السلطة المتبقية.

ورغم كل شيء فإن الخشية على تجربة حماس ليست خارجية؛ فالشعب الفلسطيني قادر على تحدي الضغوط الصهيونية والأميركية والأوروبية، ولكن حماس ستكون ضعيفة أمام تحديات داخلية تحيرها بين السلطة ومغانمها والاقتتال الداخلي؛ لأن حماس تعتبر ذلك استنزافاً لمقدرات الشعب الفلسطيني، وسيسهم في تأخير حصاد مشروعها الاستراتيجي القائم على طرد الاحتلال.

ولكن، وبكل الأحوال فإن التلاعب بأوراق الداخل أو استقواء الداخل بالخارج لإجهاض نصر حماس سيكون له تداعيات شعبية أكبر من ضوابط حماس وأولوياتها، وهنا مكمن الخطر. 

للعودة للصفحة الرئيسة