قراءة سياسية في الأسباب المحلية والإقليمية والدولية للهجمة على حماس

 

د. رائد نعيرات

إن الهجمة الواسعة التي تتعرض لها حركة حماس على كافة الصعد ليست وليدة اليوم، وإنما هي امتداد لحملة كانت أقل وضوحاً وأكثر سرية، عندما انطلقت مع بدء الحديث عن خريطة الطريق، والتي كانت في جوهرها تهدف إلى القضاء على أي توجّه نحو المقاومة آنذاك. الدافع نحو توجيه الضربات الواحدة تلو الأخرى لحركة حماس في ذلك الوقت والتي بلغت أوجها بعمليات اغتيال قادتها؛ هو إدراك كل من له مصلحة بضرب المقاومة أن حركة حماس آخذة في التوسع؛ داخلياً في الشارع الفلسطيني، وإقليمياً من ناحية النفوذ.

بقيت الضربات الموجهة لحماس تسدد بأيدٍ صهيونية، إلى أن أصبحت هذه الحركة القطاع الأوسع في النظام السياسي الفلسطيني الرسمي، حينها أدرك الجميع أن مواجهتهم وحصارهم لحماس لم يثمر، ودليل ذلك نتائج الانتخابات المحلية والتشريعية. هنا أصبح الحديث عن مواجهة حماس من قبل خصوم حماس وأعدائها أكثر حدة، وأكثر علنية، واختلطت الصورة، فلم يعد بالإمكان التمييز بين الخصم والعدو، والداخل والخارج (على الأقل من وجهة نظر حركة حماس والتي اعتبرت أن كل ما تواجهه هو عبارة عن برنامج مخطط له). فحماس صارت تؤكد أن ما هو مطلوب منها يدور في محورين: إما أن تتنازل عن ثوابتها، وإما عن القيادة.

وقد شكلت العلاقة الفلسطينية - الفلسطينية أكثر محاور هذه الجدلية، وبالذات بين حركتي فتح وحماس، فما إن فازت حماس في الانتخابات التشريعية حتى أعلن الناطق الرسمي لحركة فتح في المجلس التشريعي عن عدم مشاركة فتح في الحكومة التي ستشكلها حماس، ولكن ازدادت هذه العلاقة توتراً وحدّة مع الأيام، خاصة مع عدم قدرة الحكومة الفلسطينية بقيادة حماس على تأمين الرواتب، وهنا جاء الإضراب الذي أعلن في الأراضي الفلسطينية؛ منذ 2/9/2006م، والذي شكل فصلاً جديداً من فصول العلاقة الفلسطينية الفلسطينية؛ حيث إنه أخذ طابعاً سياسياً منذ اليوم الأول، وانقسمت شرائح الموظفين إلى شريحتين رئيسيتين: مع وضد، وتصاعدت حدّة الخلافات بين الطرفين إلى أن وصلت إلى حد الاقتتال في غزة والضفة.

وهنا لا بد من محاولة الوقوف على أهم الأسباب التي جعلت هذه الهجمة بهذا العنف وبهذه الطريقة. وعند الحديث عن الأسباب، أول ما يتبادر إلى الذهن هو ما يتردد يومياً في وسائل الإعلام، وعلى لسان العامة، فيتبلور الحديث حول قضايا ظاهرية، يمكن إدراجها في الآتي:

1 - القول بأن جزءاً من المواجهة الداخلية لحماس يأتي في إطار رفض حماس للاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.

2 - رفض حماس الاعتراف بوثيقة الاستقلال وبالتسويات القائمة، هو أحد العوامل التي تُسهم في شد الخناق الذي يلف عنقها فيه، وإنما كانت هذه مغالطة كبيرة؛ لأن من يدعي ضرورة الاعتراف بالاتفاقيات هو أكثر شخص مدرك بأن هذه الاتفاقيات ماتت منذ أن واجهت خللاً زمنياً في التطبيق. ولنترك لغة السياسة ونتحدث قانونياً، فالاتفـاقـيـات المـوقعـة بين طـرفـين أو أكثر هي بمثابة (عقد قانوني) تحكمه شروط وأطراف، جزء من شروط العقد هو الزمن، والذي وضع في معظم الاتفاقيات إما بالتزامن أو بالتوالي. وغالباً ما وقع خلل؛ فإما: أن الاتفاقية لم تطبق في موعدها، أو لم تطبق نهائياً، أو طبقت في موعدها لكن بشكل منقوص.

الحالات السابقة من الناحية القانونية تعني أن العقد أصبح لاغياً. وإذا ما كان من استحقاقات لهذا العقد، فهي استحقاقات جزائية ليست موجودة في اتفاقيات كتلك.

إضافة لذلك فإن من يدعي الالتزام الحديدي باتفاقيات موقعة مع (الصهاينة المغتصبين)، والحرص على موقف المجتمع الدولي، لا يبدي أي التزام بالعقد القانوني بين الشعب وكتلة التغيير والإصلاح، مع أنها أكثر قانونية من أي عقد، والأطراف نفسها لا تبدي حرصاً على موقف المجتمع المحلي، وتتعامل مع المصلحة الداخلية بمقياس المصلحة الخارجية، في الوقت الذي يعتبر فيه من المنطق ومن الجاري اتباعه دولياً، أن المصالح الخارجية لأي دولة ترسم وفقاً لمصالحها الداخلية، وليس العكس.

3- الادعاء أن برنامج الحكومة الحالية لا يعبر عن توجه فلسطيني وطني، وإنما عن توجه (حزبي)، وفي ذلك إنكار لحق الكتلة الفائزة في الانتخابات من أن ترى برامجها النور والتطبيق.

4- هناك قضية طبيعية ونفسية تتمثل في عقلية وطبيعة التصورات، فحــركـة فتـح التـي حكمـت الشعـب الفلسطينـي ما يقارب الأربعين عاماً لا يمكن لها أن تتخلى عن هذا الحكم وبالسهولة هذه.

5- حجم الفوز الذي حققته حماس، فالكل كان ينتظر من حماس أن تصبح (المعارضة القوية) في المجلس التشريعي، ولكن أن تصبح المجلس التشريعي بأكمله فهذا ما لم يكن متوقعاً، ولم تعدّ أيٌ من الأطراف نفسها لذلك أو أن تضع سيناريوهات لمعالجته ولطرق التعامل مع وضع كهذا.

هذه العوامل قد تكون سبباً لأهم الإشكاليات الداخلية التي تعرضت لها الحكومة بقيادة حركة حماس، لكن المتعمق في دراسة حالة التأزم بين الأطراف مجتمعة، وبنظرة شمولية للأمور، سيخرج باستنتاج أن الأسباب سابقة الذكر ليست سوى مسوغات لقمع حركة حماس، في حين أن الأسباب الحقيقية أعمق بكثير من تلك. والادعاء بأن الأسباب الظاهرية هي دافع خصوم حماس نحو مناكفتها وحصارها هو حاجتهم لأسباب لا يكون وقعها على الشارع ذا تأثير لصالح الحركة، أما الأسباب الحقيقية فتتضح في طرحنا الآتي، سواء من أطراف داخلية أو خارجية:

أولاً: ضرب حماس هو ضرب للنموذج الذي تمثّله، على الأقل من وجهة النظر الأمريكية:

توجيه الضربات لحركة حماس، وتشديد الحصار عليهـا، لا يعني رسالة لحماس وحدها، فحماس تمثل أكبر فصيل فلسطيني مقاوم، ومواجهتها فيه بلاغ واضح لكل من يسير على هذا الدرب بأن لا مفر من العقاب. فحماس بحكم كونها كبرى فصائل المقاومة ـ كما أشرنا ـ يمكن أن يكون تأثيرها على النفَس المقاوِم داخل فلسطين سلبياً أو إيجابياً أكثر من أي فصيل أخر.

ثانياً: رسالة حول طبيعة المشروع الديموقراطي في المنطقة:

إن ما تقوم الولايات المتحدة من توجيهه عبر حماس هو رسالة موجهة نحو طبيعة التغيرات الديموقراطية التي تواجهها المنطقة. وهذه الرسالة من شقين: الأول: هو نتيجة الانتخابات، فما يهم الولايات المتحدة هو المحافظة على سياسة الوضع القائم بغض النظر عمن فاز أو لم يفز في الحكم. الثاني: إن الولايات المتحدة توجه رسالة لكل القوى مفادها: إن المسار الأمريكي للتعامل مع التغيرات الديموقراطية في المنطقة محكوم بمعادلة تكيف القوى الجديدة مع الوضع القائم، وليست محاولة تغيير الوضع القائم ليتكيف مع القوى الجديدة.

ثالثاً: رسالة إلى الحركات الإسلامية:

تشهد الحركات الإسلامية تنامياً ملحوظاً في المنطقة العربية عموماً، وتقدماً مميزاً للإسلاميين المؤثرين في مصر والأردن وبعض دول الخليج، وفلسطين كانت القشة التي قصمت ظهر البعير. أدرك كل من له حسابات في هذه المنطقة، أنهم على موعد مع الحركات الإسلامية، نفوذ قوي في الشارع، ووصول سريع ومفاجئ إلى أنظمة الحكم. أصبحت ردود الفعل تتوالى من الغرب والشرق، وتخوف من امتداد جديد للإسلاميين.

كان لا بد من توجيه رسالة لتلك الحركات، مفادها: إن الغرب ومعه جماعات من الشرق لن تقبل بمشروع الإسلام السياسي بديلاً للأنظمة القائمة كما هو، وكما هي أيديولوجياته وبرامجه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. رسالة أراد أصحابها أن تكون حماس ضحيتها، فاجتمعوا على ابتزازها وحصارها، معلقين الآمال على أن فشل حماس يعني فشل المشروع الإسلامي في المنطقة برمتها.

إضافة لهذه الرسالة، هناك رسالة أخرى من الأنظمة العربية الحاكمة لأمريكا وأوروبا، ومن خلال المساهمة في حصار حماس، مفادها: إن دعوتكم للديموقراطية، قد تعني حقيقة تغيير الأنظمة القائمة لكن البديل لن يكون مقاسه أمريكياً، وحماس هي الدليل، فالبديل عنا هم الإسلاميون.

رابعاً: تخوّف فصائلي داخلي:

تخوّف باقي الأطر السياسية الفلسطينية يتمثل في خشية الفصائل الفلسطينية من أن يؤدي نجاح حماس في الحكم إلى توجه فلسطيني أكبر نحو حماس، وهذه المرة ليس سياسياً فحسب وإنما فكرياً، بما يعنيه ذلك من دلالات أيديولوجية. وهذا قد يعني مستقبلاً ذوباناً سريعاً لكل التوجهات الفكرية والسياسية الأخرى، وهنا تولّد توجّه داخلي واضح نحو إحباط حماس. ومن أجل المصداقية تجدر الإشارة إلى أن هذا التوجه الداخلي ليس توجهاً جماعياً من قبل هذه الفصائل، وإنما تحركات فردية؛ لكن ما يميزها هو نفوذ أصحابها.

خامساً: النجاح السياسي قد يقود إلى مشروع حضاري:

ترك حماس كي تنجح سياسياً ليس بالأمر المخيف بالنسبة لكثير من القوى الدولية؛ لكن الخوف أن يؤدي نجاح حماس سياسياً إلى انتقالها إلى مراحل متقدمة في النجاح، يكون قمتها مشروعاً إسلامياً متكاملاً: سياسياً، واقتصادياً، واجتماعياً، وثقافياً. وهذا ما ستدخر هذه القوى كل جهودها من أجل محاربته؛ لأن الموضوع تعدى خطر الجغرافيا السياسية ليصبح خطراً حضارياً. قد يكون الحديث عن أمور مستقبلية بعيدة المدى غير متقبل ومستوعب في العقلية العربية، لكني أكاد أجزم أن الغرب عموماً يفكر بهذه النظرة الاستراتيجية والبعيدة، وطالما كانت هذه الميزة سبب تفوّقه علينا.

ü أفق نجاح حماس:

من غير المنطقــي القــول: إن مشــروع حمــاس فـي الحكـم لا يتهدده الخطر. فالعقبات من كل حدب وصوب، وتجاوزها ليس بالأمر السهل، فالضرب على وتر الشعوب ومشاكلها أصعب بكثير من مشكلات الأحزاب. حماس واجهت الكثير من المشكلات وخرجت منها، لكن ميزة هذه المرحلة أن حماس الآن تتحمل مسؤولية شعب بأكمله، وهي الآن مطالبة بأن تتعامل كسلطة لا كمعارضة، وأي سياسة ستتخذها لن يكون انعكاسها على حماس وحدها، بل على الشعب، وهنا وقعت حماس تحت سوط إرادة الشارع ومتطلباته التي تختلف اختلافاً كلياً عن متطلبات الحركة. فحماس إذا تم النظر لها كحركة فهي بالتأكيد مشروع قادر ويمتلك مقومات الصمود المختلفة (وهذا ما أثبتته حماس عبر تجربتها الماضية)، لكن مشروع حماس في الحكم مغاير تماماً وذلك على عدة أصعدة. الأول: هو الخطاب والبرنامج السياسي. الثاني: طبيعة التعامل والقدرة على قيادة الشعب بأكمله. الثالث: طبيعة النجاح والفشل؛ حيث إن طبيعة النجاح والفشل في الحكم متعددة، فهي تتطلب المحافظة على الذات، وفي الوقت نفسه القدرة على القيادة وتلبية المصالح الجماهيرية، وهنا قد تبدو كل هذه المدخلات متناقضة، إلا أن النجاح في الحكم يتطلب تحقيقها. فعلى حماس أن تكون متأكدة أيضاً أن الشارع لا يتمتع بهذه الإرادة والقدرة على الصمود كما هي حماس، وإن كان قد ضرب أسطورة في الصمود حتى الآن.

كما أن ما يميز هذه المرحلة من التأزم في الشارع الفلسطيني أن حماس لا تواجه هذه المرة عدوها فقط، والمتمثل بـ (الدولة الصهيونية)، فالقوى الدولية كلها سارت على النهج ذاته وإن تفاوتت في حدتها، أضف إلى ذلك بعض الأطراف الداخلية ـ وهنا تكمن الخطورة ـ بأن يتم الضغط على حماس داخلياً، بحيث تظهر المشكلة على أنها اختلاف داخلي في الرأي، في حين أن حقيقتها حرب مصيرية، فلسطينياً على الأقل.

لكن رغم كل الأسباب الظاهرية والحقيقية للحرب على حماس، ورغم كل العوامل المحيطة المساعدة؛ فإن حماس لديها فرصة بأن تنهض بنفسها في مواجهة كل هذه الأمور، ومن الممكن إيجاز ذلك في الآتي:

1 - أن تعمل حماس جاهدة نحو حكومة جديدة بتوافق داخلي، وبذلك ستستثني الأطراف الداخلية من مواجهتها؛ وهي أخطر هذه الأطراف.

2 - على حماس أن تضع حدوداً مرنة في القضايا السياسية، حتى تستطيع المناورة مع القوى السياسية العالمية.

3 - على حماس أن تبدي في المرحلة القريبة المقبلة، في حال نجاح حكومة توافق، اهتماماً بالبناء والتغيير والإصلاح في القضايا الداخلية أكثر من القضايا السياسية الإشكالية؛ حتى تعطي الشارع فرصة لالتقاط أنفاسه.

نسأل الله أن يحفظ فلسطين بلطفه، وأن يكفيها شر كيد


(*) رئيس قسم العلوم السياسية - جامعة النجاح الوطنية. 

للعودة للصفحة الرئيسة