النائب محمد أبو طير في مقابلة مع البيان:

هيهات أن يبتزنا العالم للاعتراف بـ (الدولة الصهيونية)

 

د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف

 مراسل مجلة البيان ـ في فلسطين

الشيخ محمد أبو طير نائب في المجلس التشريعي المنتخب عن قائمة التغيير والإصلاح التابعة لحماس، وقد حمل الرقم (2) على هذه القائمة.

وكان موضوع المقابلة يدور حول استراتيجيات حماس بعد فوزها بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي والشروع في تشكيل حكومة بقيادتها أو مدعومة من قِبَلها:

المفاوضات مع إسرائيل:

البيان : هل ستوافق حماس على الشروع في اتصالات ومفاوضات مع حكومة الاحتلال من أجل الوصول إلى تهدئة مثلاً أو من أجل الاتفاق على قضايا معينة تهم السكان؟ وإذا لم يحدث ذلك، فكيف ستتعامل حماس مع قضايا تصريف الحياة اليومية للمواطنين الفلسطينيين خاصة في تنسيق دخول آلاف العمال الفلسطينيين من الضفة وغزة للعمل في الأراضي المحتلة عام 48 التي تسيطر عليها إسرائيل، إلى جانب تنسيق دخول البضائع على المعابر والتبادل التجاري، وما إلى ذلك؟

| بخصوص المفاوضات مع إسرائيل، نقول: إن منظمة التحرير الفلسطينية فاوضت إسرائيل لأكثر من 30 عاماًً، ومن ثَم اعترفت المنظمة بها، وتنازلت عن الميثاق الوطني الفلسطيني، فماذا أعطت إسرائيل نتاج ذلك للمنظمة وللشعب الفلسطيني؟ والأهم من ذلك، أن الإسرائيليين يريدون من وراء المفاوضات قتل الوقت فقط، وشمعون بيريس بصريح العبارة قال: «إذا تخلت حماس عن سلاحها فسنفاوضها»، هذا يعني أن الإسرائيليين يريدون 30 عاماً أخرى من المفاوضات العقيمة، وإسحق شامير قال في مؤتمر مدريد: «سنفاوض لعشرة سنوات أو عشرين سنة..»، وليس من وراء ذلك سوى قتلٍ للوقت والدوران في حلقة مفرغة.

أما على صعيد الاتصالات، فليس من العجز أو المستحيل أن نصل إلى اتفاق مع إسرائيل على صعيد الهدنة؛ لأن هذه الأمور تتم من خلال وسطاء سواء كانوا أوروبيين أو عرباً. وبالإمكان أن يكون هناك هدنة مشروطة؛ وبوضوح تام طويلة الأمد قد تمتد لخمس أو عشر سنوات؛ بمعنى أن تكون بشرط الانسحاب من الضفة الغربية والقدس، والإفراج عن المعتقلين ووقف الاغتيالات، وهذا ما نوافق عليه. أما أن يبتزنا العالم وإسرائيل للاعتراف بها مقابل أموال الغرب؛ فهيهات لمثل هذا منا. وأستطيع تأكيد أن هناك قنوات تستطيع التوصل لمثل هذا الأمر.

أما على صعيد ظروف العمل وتصريف حياة السكان، فنقول إن الفلسطينيين يمتلكون القدرات والكفاءات للاستغناء والانفكاك من الاقتصاد الإسرائيلي. ولدينا المقومات لذلك على صعيد الإدارة والعمل الميداني وفي القطاع الزراعي والاقتصادي، فإذا تم الشق الأول من المعادلة وحدثت هدنة فلدينا بوابات عن طريق مصر والأردن من أجل دفع عجلة التنمية في هذا البلد وإنعاشه اقتصادياً، وتخليصه شيئاً فشيئاً من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي.

كما أننا سنتعامل بشأن تصريف قضايا المواطنين كما تعاملنا من خلال البلديات التي فازت فيها حماس، وسنتعامل بهذه القضايا مع الاحتلال من أجل تصريف شؤون المواطنين ولكن ضمن حدود ضيقة ومن أجل تخفيف الأعباء عن المواطنين فقط. وعلى سبيل المثال في المجال الصحي؛ فلدى الفلسطينيين كفاءات قوية تُستدعَى من المستشفيات الإسرائيلية نفسها، ونحن بحاجة إلى تسليط الضوء عليهم وتطوير إمكانياتهم فقط، والجانب الإسرائيلي بحاجتنا في هذا الجانب أكثر من حاجتنا لهم، وهي قضية ميدانية لا تشكل عقبة كبيرة أمام عملنا.

ونقول إنه إذا توفرت إمكانياتنا المادية وهذا ما نسعى إليه، وما نعمل من أجله في الوقت الحالي، فإنـنا سنغنـي شعـبنا ـ بإذن الله ـ عن الآخرين، وسنفتح له بوابات الاستثمار ومجالات العمل، ونغنيه عن منَّة الاقتصاد الإسرائيلي، وسيكون أحد أكبر هموم الحكومة القادمة إنعاش الاقتصاد الفلسطيني وتعزيز ثقة المواطن في الحكومة من خلال القضاء على الفقر والحد من البطالة.

ميثاق حماس:

^: من المتعارف عليه أن ميثاق حماس، يضم بنوداً تعأرضها حكومة الاحتلال بشدة، وفيه ما يشير صراحة إلى تدمير دولة الاحتلال وعدم الاعتراف بوجودها؛ فهل من المتوقع أن تعيد حماس صياغة ميثاقها بما يتماشى مع التحول الكبير الذي أحدثته نتائج الانتخابات على مسؤولياتها؟

| نحن نؤكد في الحاضر والمستقبل وعلى جميع الأصعدة أن حماس لن تتخلى عن ثوابتها ولا عن ميثاقها مهما كلفنا الأمر من تحديات ونتائج، وأتساءل: من يقبل أن تعترف حماس بشرعية الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين التاريخية كاملة، وهي أرض وقف إسلامي؟ فـلا حـماس ولا من هو أكبر منها ولا من سبق ولا من سيأتي له الحق أن يتنازل عن هذا الوقف. هذا أولاً.

وقضية أن تتنازل حماس، أو أن تُرَوَّض. فإننا نقولها من موقع مسؤولية وسنحاسب عن حديثنا هذا: حماس لن تروض ولن يستطيع العالم ابتزازنا بكل إشكالياته وتمنياته، ولن نعترف بشرعية الاحتلال يوماً من الأيام، ولن يتم أي تغيير على ميثاق حماس.

الاتفاقات:

^: تحدَّث بعض قيادة حماس عن الواقعية في التعامل مع الاتفاقات المبرمة مع السلطة والعدو اليهودي، وتحدثوا أيضاً عن احترام الاتفاقات الموقعة بين السلطة والاحتلال مثل اتفاقات أوسلو وخارطة الطريق، وغيرها.. فما هي الواقعية التي يتحدثون عنها وما معنى احترام الاتفاقات....؟!

| الآن هناك سلطة فلسطينية. هناك اتفاقات بينها وبين حكومة الاحتلال، وهذا أمر واقع وموجود ولا تنفيه حماس، وهناك اتصالات بين السلطة وبين حكومة الاحتلال، وهذه الأمور ستكون ضمن حساباتنا في المستقبل، لكن دون أن يكون منا اعتراف بشرعيتها أو دون أن يكون لها تأثير على سياستنا وتمسكنا بمبادئنا وأن تقودنا لاعتراف بإسرائيل يوماً. وفي هذا الإطار نعتبر أنه من الناحية القانونية والتاريخية فإن أوسلو استنفدت أغراضها وكانت فترتها القانونية قرابة خمس سنوات، ومن ثَم أنهى الاحتلال اتفاقية أوسلو عندما أعاد احتلال مدن الضفة الغربية من جديد، ولم يعد هناك التقسيمات الإدارية التي أوجدتها أوسلو من مناطـق (أ) أو (ب) أو (ج). أما خارطة الطريق: فإن الحكومة الإسرائيلية ذاتها لم تقرها ولم تعمل بها ولم تقِم لها أدنى اعتبار. وإنما انسحبت من قطاع غزة بشكل أحادي الجانب تحت ضربات المقاومة، ولم تعر خارطة الطريق أدنى اهتمام.

والمقصود بالاحترام، هو أننا في حماس لن نقيم انقلاباً على السلطة التي أتت أصلاً نتيجة هذه الاتفاقات وإنما نحترم وجودها بشكل لا يؤثر على ثوابتنا.

الاعتراف بإسرائيل:

^: هل ستنجح الضغوط الدولية والإقليمية والمحلية في دفع حماس للاعتراف بإسرائيل، خاصة أنه إذا ما تشكلت حكومة مقبلة بقيادة حماس، فستكون مضطرة للتعامل مع حكومة الاحتلال، وربما الاعتراف بها؟

| نقول ونعيد مرة أخرى: إن كل الضغـوط الـدولية وكل أسباب القوة الماديـة التـي تملكها أمريكا لن تفلح في ابتـزازنا لموقـف كهـذا، لا في الحاضر ولا المستقبل، ولن تعترف حماس بشرعية الاحتلال لأرضنا الفلسطينية، وإذا عجز جيلنا عن تحرير فلسطين حالياً؛ فالأجيال القادمة ستقوم بهذا. ونستغرب كيف أن قادة إسرائيل جميعاً يقولون إن القدس عاصمة أبدية للشعب اليهودي؛ فعلى أي شيء تضغط علينا الدول من أجل أن نفاوض، وبماذا سنعترف؟ هل نفاوض على سورة الإسراء، أو على المسجد الأقصى المبارك؟

وقف المساعدات المالية:

^: هل سيدفع الشعب الفلسطيني ثمن المأزق المالي الذي سيخلقه وقف المساعدات الأوروبية والأميركية، وما هي البدائل المالية المتوفرة لدى حماس من أجل تسيير شؤون الشعب الفلسطيني مالياً؟

| نحن قبل اتفاق أوسلو التعيس، لم يكن هناك أي من المنح الدولية، وكان الشعب الفلسطيني يعيش بشكل طبيعي، وبنسبة فقر تزيد على الآن، ونحن نقول: إن رزقنا على الله ـ سبحانه وتعالى ـ وليعلم الغرب وأمريكا أننا لسنا شعباً متسولاً ولا نستجدي أحداً.

والغريب في أمرهم أن الأموال التي يتحدثون عنها كانت تعطى للمفسدين والجشعين ولا يصل للشعب شيء منها، ولا يخضع هؤلاء للمساءلة مطلقاً، والآن تأتي الدول الأوروبية وأمريكا التي تدعي المصداقية والديمقراطية، عندما وصل الشرفاء والأكفاء وأصحاب الخبرات والأيادي النظيفة إلى سدة السلطة، يمنع المال عنهم! ونؤكد أن الشعب الفلسطيني في غنى عنهم؛ فنحن في حماس بنينا المستشفيات والمدارس ورياض الأطفال والجمعيات والجامعات، ونجحنا في ذلك، بعون الله. وإلى جانب هذا لنا في الشعوب العربية والدول العربية أيضاً رصيد قوي، ولن نحتاج إلى استجداء الغرب يوماً.

الحكومة:

^: ما هو شكل الحكومة المقبلة، وإلى أين وصلت المشاورات بهذا الخصوص، وهل ستكون حكومة وحدة وطنية أم حكومة تكنوقراط مدعومة من حماس، أو حكومة حمساوية خالصة، وما مميزات الحل المختار؟

| نحن في حماس نحرص أن تكون حكومتنا القادمة حكومة وحدة وطنية، تضم الفصائل جميعاً، وإن عز ذلك، فسنقوم نحن بتشكيل الحكومة ونحن قادرون على ذلك بعون الله، ولدينا القدرات الذاتية والكفاءات العلمية والخبرات، لكن حرصنا على المشاركة الوطنية يأتي؛ لأن حماس تؤمن أن الفصائل الفلسطينية جمعاء شركاء في الدم، ولا بد بأن تكون معها شركاء في البناء والمصير.

أما بخصوص حكومة تكنوقراطية، فلا بأس من ذلك، لكن لن تكون تكنوقراطية خالصة، بمعنى أنه سيشارك فيها نواب من المجلس التشريعي، وكذلك شخصيات من ذوي الخبرة والكفاءات العلمية التكنوقراطية.

أما بخصوص مميزات أي حل سيتم اختياره، فهو أن يكون همها الأول ترحيل الاحتلال عن أرضنا الفلسطينية وإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وهيكلة منظمة التحرير الفلسطينية والمجلس الوطني الفلسطيني، والاهتمام بالجانب التعليمي والصحي والاقتصادي كأمور حيوية للمواطن الفلسطيني. ونقولها بتجرد كما كانت حماس دوماً، وكما ستكون في المستقبل تعطي شعبها ولا تنتظر مقابلاً.

الوضع الداخلي:

^: كيف ستتعامل حماس في قضايا الوضع الفلسطيني الداخلي فيما يختص بمسألة الأجهزة الأمنية وتبعيتها، وكيفية مواجهة مشكلة الانفلات الأمني وفوضى السلاح؟

| إن الأجهزة الأمنية، ورغم أن معظم عناصرها من المحسوبين على تيار معين، إلا أنها أجهزة وطنية وهم في النهاية أبناء الشعب الفلسطيني، وهم رجال كانوا معنا في معركة التحرير وفي السجون، ومنهم أصحاب السِّيَر الحسنة والتاريخ النضالي، ومنهم من أساء أيضاً، لكن حماس لن تعاقب الصالح والطالح منهم أبداً، ولن يؤخذ أحد بوزر أحد آخر، وسندعم الصالح منهم ونرشد المعوج ونصوِّب سلوكه، ولن نسير في سياسة الإقصاء، ولم يكن الإقصاء يوماً من سجيتنا أو من مدرستنا، وسنتعامل معهم كأبناء وطن واحد ونحرص عليهم كأنهم أبناؤنا ونحن أرحم الناس بهم، وهناك تخوفات يثيرها من لا يريد الخير لهذا البلد، والحكومة القادمة ستعمل على رفع مستوى هذه الأجهزة وأداء العاملين فيها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الأجهزة لحماية أبناء الشعب الفلسطيني وليس لحماية الأمن الإسرائيلي. وهناك أجهزة ستكون تابعة للرئاسة ولن ننازع الرئيس على هذا الأمر بل نحترم رؤياه ونقدرها.

أما بخصوص مشكلة الانفلات الأمني، فيجب توضيح أن حركة حماس مشهود لها في الشارع الفلسطيني بالانضباط الواضح، وقد شهد لها العدو بذلك أيضاً. ومن المتعارف عليه أنها ليست ذات صلة بقضايا الانفلات الأمني بتاتاً، وأن سلاحها موجه لخدمة غاية واحدة هي المقاومة. ومن المعروف أيضاً أن قضايا الانفلات الأمني مرتبطة بشكل خاص بعناصر محسوبة على فتح بالذات؛ حيث إن الإخوة في الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية بعيدون كل البعد عن هذه المسألة.

ومن خلال مشروعنا الحكومي القادم، سنشرع في تفاهمات مع الإخوة في فتح من أجل ضبط هذا الأمر، ودراسة المشكلة من أساسها، والشروع في حلها بعد تشخيص أسباب هذا الانفلات؛ فإذا كانت مشكلة رواتب فسنجد لها حلاً، وإذا كان هناك أناس مظلومون فيجب أن يأخذوا حقوقهم، ولم يأت هذا الانفلات من فراغ وإنما جاء نتيجة سياسة خاطئة في التعامل مع هذه الفئة المسببة للانفلات.

وأما فيما يختص بفوضى السلاح، فإن حماس تسعى في مشروعها المستقبلي إلى إقامة دولة فلسطينية، وإذا ما تم لنا هذا، فبالطبع سيكون لهذه الدولة جيش مستقبلي، وهذا يعني تجميع كافة الميليشيات المسلحة في الشارع الفلسطيني في هذا الجيش، وتوحيد هذا السلاح نحو هدف واحد.

المقاومة:

^: اختيار الشعب الفلسطيني لحركة حماس كان اختياراً لمشروع المقاومة، وقيمة حماس في العالم الإسلامي تنبع من مشروعها الجهادي؛ فكيف ستحافظ حماس على مسيرتها في طريق المقاومة والعمليات العسكرية؛ بينما هي على رأس السلطة؟ وكيف تتعاملون مع الفصائل المقاومة الأخرى في تشكيل الحكومة؟

| من المهم في هذا المجال القول إن المقاومة لا زالت الهمَّ الأول عند حركة حماس، وعندما دخلنا في هذه الانتخابات كان مشروعنا واضحاً، وكان شعارنا واضحاً أيضاً: «يد تبني ويد تقــاوم»، وما دام هناك احتلال على أرض فلسطينية فإن لأي فلسطيني الحق الشرعي في مقاومته. وإذا استجاب الاحتلال لرؤيتنا المطروحة بخصوص هدنة طويلة الأمد وقام بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وتحرير الأسرى كان له ذلك، وإذا لم يستجب فإن المقاومة ستمضي في طريقها كما كانت، وكل ذلك ضمن رؤيتنا واستراتيجيتنا القائمة على أن المقاومة خيار حيوي وهام لتحرير أرضنا. وقد عايشنا الثلاثين سنة الماضية من المفاوضات ولم يرحل الاحتلال من القطاع ـ على سبيل المثال ـ إلا تحت حراب المقاومة.

ونؤكد أنه لا انفصام بين عملنا في الحكومة ومُضِيِّنا في مشروع المقاومة، وسيخسر كل شيء إذا لم يستجب العدو لمطالبنا من أجل المقاومة.

المخاطر:

^: هناك أطراف محلية وإقليمية ودولية تحاول إفشال حماس ومنعها من إحراز نجاح في إدارة الشارع الفلسطيني، فما هي المخاطر المحيطة بحكومة قد تشكلها حماس قريباً، وكيف تتلافون تأثير ذلك؟

| نحن واضحون ولن نخجل؛ إذا فشلنا فسنعلنها للناس، ونقول للشعب: إننا واجهنا هذه التحديات ولم نستطع تخطيها. أما من ينتظر عثرتنا ومن يريد لنا الفشل، فإننا نقول له: إن حماس لديها القاعدة كي تنجح، ونضرب مثلاً على ذلك قبل عشرين عاماً عندما صارت بلدية أم الفحم في الأراضي المحتلة عام 48 بقيادة الشيخ رائد صلاح، وقد بدأ البعض بإحباط الناس والقول إن هؤلاء مجرد مشايخ ومكانهم في المساجد وليس في مواقع العمل والسلطة. ومنذ عشرين عاماً أثبتت الحركة الإسلامية جديتها في العمل، وأحدثت انقلاباً في مجال التنمية في بلدية أم الفحم، وهذا شهدناه أيضاً في البلديات التي فازت بها حماس في الانتخابات البلدية الأخيرة. فعلى العالم أن ينتظر ليشهد كيف أن حماس ستطبق البرامج التي تسير بالشعب الفلسطيني نحو إحقاق حقوقه ودفع عجلة التنمية وتحريره من التبعية للاحتلال.

أما بخصوص المخاطر التي قد تنجم عن ضغوط قد تمارَس على حماس سواء كان ذلك دولياً أو عربياً أو محلياً، فلا نقول في هذا سوى كلمة واحد وهي أننا نقبل الموت دون أن ننحدر بمعتقداتنا الدينية الجهادية، أو أن نتنازل عن ثوابتنا، وليعلم الرأي العام العالمي الذي نحترمه ما لم يكن ظالماً لنا وللعرب أيضاً بأن الشيء المؤلم أن الجميع حريص على مصلحة إسرائيل الدولة التي تقتلنا وتسلب أرضنا، ولا يلتفت أحد إلى إنصافنا؛ فأي معادلة جائرة هذه؟!

والشعب الفلسطيني اختارنا وحمَّلنا أمانة؛ فمن يتوقع منا أن نخون هذه الأمانة فهو واهم كبير.

وحماس تسعى لتلافي هذه الضغوط بطريقة واحدة فقط وهي الثبات على مبادئها وثوابت شعبها، واحترام خيار الناخب الفلسطيني الذي اختار مشروع المقاومة ونهـج التغييـر والإصـلاح، وقـال ـ تعالى ـ: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}. [إبراهيم: 27]

الأولويات:

^: ما هي الخطوات الأولى التي تضعها حماس على رأس أجندتها، من أجل إصلاح الوضع الداخلي، وهل سنشهد مثلاً البدء بمحاربة الفساد، وترشيد المصاريف في السلطة؟

| أولويتنا الأولى هي أن يرحل الاحتلال عن أرضنا، ومن ثم ترتيب البيت الفلسطيني، وإعادة هيكلة منظمة التحرير والمجلس الوطني الفلسطيني، وكل هذا بشكل يتماشى مع محاربة الفساد والبطالة والنهوض بالعملية التعليمية، والواقع الصحي والخدمات، وإحداث تحول اجتماعي في محيط إلانسان الفلسطيني. وقد دخلنا في معركة الانتخابات التشريعية من أجل البناء، لا الهدم.

التشريعات:

^: هل ستعمل كتلة حماس البرلمانية والتي تشكل غالبية في المجلس التشريعي الجديد على إعادة النظر في بعض التشريعات والقوانين السابقة، خاصة بسن تشريعات إسلامية سواء أكان ذلك في القضايا الاجتماعية أو الاقتصادية... أو نحو ذلك؟

| لم ندخل البرلمان الفلسطيني بالدبابات ولا عنوة، وإنما دخلنا بأغلبية منحتنا إياها إرادة شعبنا الفلسطيني، والشريعة الإسلامية أصل من أصولنا وثابت من ثوابتنا، وكان همنا تربية الضمير المسلم للإنسان الفلسطيني.

وقد كان لافتاً مثلاً أن قطاعاً كبيراً من المواطنين المسيحيين في فلسطين كان تصويتهم لصالحنا، ونقدر لهم ذلك، ومن ثم نحن شركاء وإياهم في هذا الوطن، ورضعنا جميعاً من حليبه، ولن نفرض شريعتنا على أحد.

لكن هناك من يقول إن حماس ستفصل بين البنات والبنين في المدارس، فيجب أن ننتبه مثلاً أن كبرى المدارس الخاضعة لبلدية الاحتلال في القدس هي مدارس مفصولة وخاصة للبنين وحدهم وللبنات وحدهن، ونحن لم نفرض هذا، وقد كان أمراً موجوداً من قبل. كما أن حماس لن تفرض الحجاب على أحد، وستربي الأجيال التي تختار الطريق القويم الصحيح؛ بحيث لن تلجأ للإكراه عليهم في تطبيق الشرائع.

ولكن هناك حدود ومحظورات، خاصة بشأن «الخمَّارات مثلاً» وقد سألت أناساً مسيحيين: هل يقبل أحدكم أن يعتدي أيٌّ كان على أرض الكنيسة؟ فقالوا: لا. فما بال الجميع يقبلون بأن يقام كازينو على أرض إسلامية، وإسرائيل دولة علمانية لم تسمح لكازينو أن يقام في ظلها؟ فهذا لن يكون مقبولاً لدينا نحن كمسلمين، ومن هذا نقول: إننا من خلال المجلس التشريعي سنسعى إلى تصويب وترشيد بعض الأمور لصالح شعبنا حفظاً لكرامة ديننا ومقدساتنا.

العلاقة مع مؤسسة الرئاسة:

^: كيف ستكون علاقتكم من موقعكم في الحكومة، وكأغلبية في المجلس التشريعي بمؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس محمود عباس؟

| علاقتنا مع السلطة ستتم ضمن تفاهمات، ولم يكن يوماً بين قيادة حماس وبين أبو مازن أية إشكاليات، وإنما كانت تسود علاقتنا به دوماً لغة الحوار وهذا ما شهدناه في القاهرة. ومن ثَم فإن الرجل رئيس للشعب الفلسطيني، ونحن في حماس نثمن حرصه على ما جرى من إتمام العملية الانتخابية بشفافية وفي موعدها رغم كافة الضغوط التي مورست ضده.

وكما قلنا من قبل بيننا وبينه حبال، ولن نقطعها إن شاء الله، ولكن من الواجب أن يحرص أبو مازن كما نحرص نحن على الشعب الفلسطيني والقضية الفلسطينية بشكل يحافظ على ثوابتنا ومقدساتنا ومنجزات شعبنا. ولن يكون هناك أي تعارض بيننا في الحكومة وبين مؤسسة الرئاسة، وإنما سنكون مكملين بعضنا لبعض من أجل خدمة مصالح شعبنا.

للعودة للصفحة الرئيسة