عندما تقطع الجذور

 

د. يوسف بن صالح الصغير(*)

  لا شك أن كل حركة تحرير أو إصلاح تقوم على أهداف سوقية بعيدة وأخرى مرحلية، ولا بد أن يُخدَم كل هدف بوسائل لتحقيقه. وأكبر خطر يواجه أي حركة أن يكون تحقيق الهدف المرحلي الجزئي على حساب الهدف الأساس؛ وهذا الخطر قائم بغض النظر عن طبيعة مبادئ الحركة؛ فما ينطبق على حركة وطنية ينطبق على الحركات الإسلامية أو الأممية أو العلمانية؛ ولذا فإنه بمناسبة ما جرى ويجري على الساحة الفلسطينية فإن التأمل في مسار أول حركة مقاومة فلسطينية بعد قيام دولة اليهود يعبر بصدق عن حال أي حركة تفقد الصلة بالمبادئ التي قامت عليها.

فبعد الاجتماع التأسيسي الذي عقد نهاية عام 1957م في الكويت والذي حضره خمسة أشخاص هم: أبو عمار، أبو جهاد، عادل عبد الكريم، يوسف عميرة، توفيق شديد، بدأ عمل الحركة لعدة أشهر بدون اسم، ثم أطلق عليها: حركة التحرير الفلسطينية (فتح). واستمرت المرحلة الكويتية إلى 1963م، ومن ثم انتقلت إلى دمشق حيث انعقد المؤتمر العام الأول لحركة (فتح) والذي عقد في دمشق في بيت أبو جهاد في حي ركن الدين عام 1964م وحضره ثلاثون فرداً ناقشـوا نقـطة واحـدة هـي الـبدء بالانطـلاقـة أو تأجيلها، وقد اتفق المؤتمرون على حل وسط يبدأ فيه العمل العسكري تحت اسم (العاصفة) فإن نجح تبنته فتح وإلا بقيت فتح تمارس العمل السياسي حتى تسنح فرصة أخرى.

وكانت نكسة 1967م عاملاً أساسياً في فسح المجال لفتح؛ حيث تسابقت الأنظمة العربية لتبني العمل الفلسطيني المسلح، وبقيت فتح هي الفصيل الأول حيث كانت تعتبر معتدلة فكرياً مقارنة بالتنظيمات الأخرى، وكانت فتح خيار مَنْ لديهم مسحة تديُّن، بل وحتى الإسلاميون عملوا تحت مظلة فتح في معسكرات منفصلة. وبقيت فتح حيوية ومسيطرة على الساحة الفلسطينية رغم النكسات التي ألمت بها بدءاً من أحداث الأردن، مروراً باجتياح اليهود للبنان، وانتهاء بأحداث المخيمات.

وكانت بداية النهاية للحركة أنها رفعت غصن الزيتون بجانب البندقية، وقبلت ربط الاتفاقيات الجديدة بتغيير المواثيق والأهداف البعيدة، وصاحب ذلك تصفية منسقة لكل القيادات التي يمكن أن تعرقل التوجه الجديد، فتم اغتيال خليل الوزير (أبو جهاد) وصلاح خلف (أبو إياد) تباعاً: الأول في ربيع عام 1988م، والثاني في بداية شتاء عام 1991م. وكان انتقال عرفات إلى الضفة والقطاع رئيساً للسلطة بعد اتفاقية أوسلو مرحلة جديدة في التطور التنظيمي لفتح؛ حيث منع أو امتنع عن الدخول للأراضي المحتلة بعض الرموز المهمة لفتح مثل فاروق القدومي أمين سِـر حركة «فتح» ورئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير (أبو اللطـف) ورئـيس أركان جيـش التحـرير الفلسطيـني أبو المعتصم، ومحمد غنيم (أبو ماهر) عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح» ورئيس مكتب التعبئة والتنظيم وآخرون، وبرزت قيادات جديدة مثل محمود عباس (أبو مازن) الذي تولى قيادة الجانب الفلسطيني في المفاوضات؛ حيث إنه ممن دعا مبكراً لفتح قنوات اتصال مع من يسميهم بالعناصر المعتدلة من الصهاينة، وتحول عباس من رجل عرفات إلى الشخصية المفضلة لدى الطرف الإسرائيلي والأمريكي، وبرز معه محمد دحلان رئيس الأمن الوقائي في غزة؛ حيث جرى الضغط على عرفات من أجل تسليم السلطة لهما؛ فتولى الأول رئاسة الوزراء، وتولى الثانى مسؤولية الأمن؛ وعلى الرغم من تمكن عرفات من إبعادهما مؤقتاً لم يكن لينسى أنه لدى حصاره في مقره؛ كان عباس يعامَل معاملة الرؤساء في مؤتمر مكافحة الإرهاب في شرم الشيخ، بل إن الرئيس الأمريكي كانت أول كلماته: أين دهلان أين دهلان؟ يقصد دحلان. فما هو سر هذا الاهتمام وماذا قيل له عنه حتى يحتفي به هذا الاحتفاء؟ إنهم ببساطة: القادة الجدد الذين يرفعون عالياً غصن الزيتون، بالإضافة إلى أنه إذا كان عرفات قد ألقى بندقية المقاومة والنضال فإن هؤلاء يرفعون بندقية أخرى إنها بندقية الأمن الوقائي والوطني والمخابرات.

لقد كان عرفات يمسك بزمام الأمور؛ لأنه كان يمسك بكل مفاتيح السلطة وخاصة المالية، وكان التيار الجديد ينمو باطِّراد بعيداً عن سيطرة الرئيس؛ لأن هذا التيار ـ ببساطة ـ: يتلقى الدعم الخارجي مباشرة. وكان حصار عرفات المحكم وعزله يهدف في الأساس لتمكين هذا التيار الذي نجح فعلاً في السيطرة على فتح ومن ثم السلطة.

ولكن المصاعب لم تنتهِ بسبب دخول حماس في العملية السياسية التي أفرزتها اتفاقية أوسلو وبسبب معارضة الحرس القديم لفتح، وانقسمت فتح إلى تيارات مختلفة يمكن تسميتها: فتح أوسلو (السلطة) وفتح الانتفاضة (البرغوثي وكتائب الأقصى) وفتح التاريخية (القدومي، الحسن).. وفتح الياسر نسبة إلى عرفات. إنها توجهات مختـلفة يجمعها اسم فتح وتفرقها السياسات والأهداف. ولم يعد الخلاف حول حدود 48 أو 67 بل تعدى ذلك إلى التنازل عن حق العودة، ولم يعد الخلاف: هل يكون الاتصال باليهـود مباشـراً أم عـن طـريـق وسـطـاء ورعاة؟ بل أصبحت العلاقة عضوية وتبعية. وإذا كان قرار تصفية المقاومة إسرائيلياً فإن التنفيذ سيكون فلسطينياً بعد الانسحاب الإسـرائيـلي من غزة، ولم يعد سراً الاستعداد للمعركة؛ فقد تضخمت الأجهزة العسكرية التابعة لهذا التيار وانهالت عليها المساعدات المالية والعسكرية، ولكن مع هذا كان هناك شك في قدرتها على الحسم؛ ولذا طرح استقدام قوات فلسطينية من الأردن.

إن الصراع الذي جرى في غزة هو صراع وجود بين طرفين: أحدهما يتبنى المقاومة، والآخر يتبنى تحقيق متطلبات العملية السلمية من وجهة النظر الإسرائيلية وهو نزع سلاح المقاومة، ولا نقصد فقط المقاومة الإسلامية بل أي مقاومة، ولذا فإن هذا التيار الذي شكل حكومة طوارئ وأعلن حالة الطوارئ وبدأ حملة اعتقالات لأتباع حماس في الضفة الغربية يتجاهل بصورة مريبة عمليات إسرائيلية منسقة جديدة لتصفية عناصر فتح التي ما زالت تتبنى المقاومة وكان آخرها تصفية قائد كتائب الأقصى في جنـين. نعم! إن الـتاريخ يعـيد نفـسه، ويـا أبو الهـيجا اِلحـقْ بأبي جهاد، وافتح لنا الطريق!


(*) أستاذ مساعد في كلية الهندسة، جامعة الملك سعود، الرياض.

للعودة للصفحة الرئيسة