أحداث غزة والخيارات أمام حماس

 

حسن الرشيدي(*)

  «الإدارة الأمريكية تدرس فكرة قبول سيطرة هذه المجموعة الإسلامية المتشددة على غزة، وستعمل في الوقت ذاته على مساعدة فتح في الحفاظ على معاقلها في الضفة الغربية».

هذا ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤولين كبار في إدارة بوش بعد ساعات قليلة من سقوط القطاع في يد قوات حماس، وأضاف المسؤولون أنهم مستعدون للموافقة على اقتراح من الحكومة الصهيونية بالتعاطي مع غزة والضفة ككيانين منفصلين، إذا ما قدمت تل أبيب بعض التنازلات السياسية للرئيس محمود عباس في الضفة.

ففي الأسابيع الماضية، وبعد جولات دامية متتالية في الصراع العسكري، بين حركة حماس التي تقود حكومة منتخبة من الشعب الفلسطيني وحركة فتح التي تسيطر على الأجهزة الأمنية في قطاع غزة ـ اجتاحت كتائب القسام التابعة لحماس مقار الأجهزة الأمنية، وفي غضون ثلاثة أيام باتت حماس تسيطر على قطاع غزة الذي يعيش فيه أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني. وأثار الانتصار الذي حققته حركة حماس والجماعات المتحالفة واستيلاؤها على مقار قوات الأجهزة الأمنية الفلسطينية في غزة ردودَ أفعال واسعة في أنحاء العالم كله، وفي الولايات المتحدة والدولة الصهيونية والدول الإقليمية بشكل خاص، وتركزت معظم هذه الردود في اتجاهات سلبية ضد الشعب الفلسطيني.

وبات أكثر من مليون ونصف مليون فلسطيني مهددين بالتجويع والحرمان من إمدادات المياه والكهرباء والوقود، إذا لم تعُد غزة إلى سيطرة فتح.

وفي خِضَمِّ هذا المأزق الخطير الذي تنزلق إليه مأساة فلسطين يبقى السؤال الأهم: ما الخيارات أمام حماس للخروج من هذا المنزلق؟

وللإجابة على هذا السؤال يجب معرفة كيف وصلت أطراف القضية إلى ما وصلت إليه في هذه اللحظة الراهنة، وما دورها في تلك المشكلة.

ولكن قبل ذلك يجب علينا توصيف دقيق لما جرى في غزة؛ فبينما اعتبرت حماس ما تم من استيلائها على المقار الأمنية انتصاراًَ فإن «فتحاً» اعتبرته انقلاباً، بينما اعتبره بعض الساسة المقربين من الحكومة المصرية أسوأ من نكسة 67، بينما أطلق عليها علمانيون آخرون نكبة 48 أخرى، ولكن بعيداً عن تلك التسميات المختلفة التي تعبِّر عن فكر وأيديولوجية كل طرف؛ فإن دراسة الإستراتيجيات المختلفة لكل الأطراف المؤثرة سيفيدنا في فهم الواقع الحالي ويعيننا بعض الشيء على توقُّع الخيارات المتاحة.

[] الولايات المتحدة:

ترتكز الإستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط على ثلاث دعائم رئيسية: مكافحة الإرهاب، والسيطرة على منابع ومسارات نقل النفط، وأخيراً ضمان أمن الدولة العبرية.

انتهزت الإدارة الأمريكية التي يسيطر عليها المحافظون الجدد فرصة أحداث الحادي عشر من سبتمبر لتمرير مخطط الشرق الأوسط الجديد والذي يحقق الأهداف السالفة الذكر.

ارتكن هذا المخطط على مبدأ هام وهو إقامة الفيدراليات الديمقراطية، والمقصود به: أوطان منقسمة على أسسٍ عرقية أو دينية أو مذهبية، ثمّ تجميع القطع المبعثرة في صيغٍ فيدرالية ديمقراطية. وسيكون الوجود العسكري الأمريكي القوي في منطقة الخليج وداخل العراق مستقبلاً بمثابة قوة ضاغطة، ومساعدة أحياناً، لضمان حقوق الأقليات في المنطقة وللوصول إلى الصيغ الفيدرالية الديمقراطية. ولعل ما حدث في العراق يوضح ما تنويه أمريكا للمنطقة حيث تصر على أن العراق سيكون الـمَثَل؛ فمنذ سقوط النظام العراقي والولايات المتحدة حريصة على إبقاء درجة من الفوضى تسري في أوصاله، بل ذكرت مصادر إعلامية غربية أن بعض هذه الفوضى قد سعى لها الحكم الأمريكي للعراق، وهذه الفوضى تحقق للولايات المتحدة الذريعة لتقسيم العراق إلى (كانتونات) في حالة إخفاق القوى السياسية العراقية في إيجاد نظام يحقق المصالح الأمريكية في المنطقة.

ويتفـق أغلب المحـللين على أن المخطط الأمريكي للمنطقة قد تعثر بشدة بعد المقاومة المذهلة التي أبدتها الجماعات السنية في العراق، ولكن الرئيس الأمريكي بوش، ومن خلفه نائبه ديك تشيني، مصممان وعازمان على إمرار المشروع مهما كانت التضحيات، ولا مانع من تراجع تكتيكي لتهيئة الظروف وتعديل بعض الفرعيات ولكن يبقى الهدف موجوداً.

فهل حاولت الولايات المتحدة مد خطتها من العراق ـ والتي تأخرت نتائجها بعض الوقت ـ إلى فلسطين؟

يبدو أن هذا صحيح، والأدلة كثيرة؛ وأقواها ما جاء في شهر يناير الماضي، في تقرير وضعه الأمريكي مارك بيري وهو عسكري سابق، والبريطاني أليستر كروك وهو مسؤول سابق في الاستخبارات، ويحمل عنوان: حرب إيليوت أبرامز غير الحضارية، ويروي الكاتبان بالتفاصيل خطة الانقلاب على حماس التي وضعها أبرامز، وهو المستشار المساعد في مجلس الأمن الأمريكي، والتي تقضي بتسليح وتدريب مقاتلي فتح ليواجهوا مقاتلي حماس في شوارع غزة والضفة الغربية؛ من أجل التخلص من حكومة حماس وإعادة السلطة إلى يدي محمود عباس بمساعدة جهاز محمد دحلان. ويقول الكاتبان بيري وكروك: إن مصر والأردن بعد تزويدهما السلاح لمقاتلي فتح شعرا بفداحة أبعاد خطة أبرامز، وبدأا بالتفكير في الابتعاد عنها؛ لأنها لن تنجح في توفير الاستقرار.

الخطة وضعها أبرامز ومجموعة من مسؤولي البيت الأبيض بعد فوز حماس في الانتخابات، وكان محمد رشيد أحد المستشارين الماليين لياسر عرفات يزود الفريق الأمريكي بالنصائح، وعندما عُرضت الخطة على عسكريين أمريكيين رفضوها بشكل حاسم. وأثناء الحرب التي اشتعلت الصيف الماضي بين حزب الله والدولة العبرية في لبنان تم إبلاغ وزير الدفاع الأمريكي آنذاك دونالد رامسفيلد بتفاصيل خطة إشعال حرب أهلية فلسطينية؛ فثارت ثائرته؛ لأن أي عمل ضد حماس سيعرض حياة القوات الأمريكية في العراق للخطر من عمليات (المتطرفين) السنّة. وعندما نقل غضبه إلى الرئيس جورج دبليو بوش ما كان من الأخير إلا أن طلب منه أن يركز على العراق؛ لأن الملف الفلسطيني صار بين يدي وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس.

حسب رأي الكاتبين أدارت وكالة (السي. آي. إيه) ظهرها لخطة أبرامز لأنها ستفشل، والبنتاغون أهملها، والسفارة الأمريكية في تل أبيب رفضتها، ومسؤولون صهاينة تخوفوا منها، وحكومة (إيهود أولمرت) أيدتها بعد تردد، لكن مستشاريه قالوا: إنهم لا يريدون أن يكونوا طرفاً في إشعال حرب أهلية فلسطينية، وشككوا في احتمال إضعاف حماس، بل أكدوا لأولمرت أن «فتحاً» بدأت تتفكك. ومنذ شهر أغسطس الماضي تحاول رايس الظهور بمظهر القلق من انتشار الفوضى في الأراضي الفلسطينية؛ وذلك لإظهار عجز حماس بما يتناسب مع خطة أبرامز. أما مبعوثها إلى الشرق الأوسط دايفيد ويلش فإنه أكثر المتحمسين للخطة، ويسوِّقها على أساس أنها جزء من مبادرة وزارة الخارجية للشرق الأوسط الجديد.

وفي الوقت نفسه يعترف (جيمي كارتر) بقوله: إن تقديم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والكيان الصهيوني المساعدة لحكومة الطوارئ في الضفة ومنع المساعدات عن قطاع غزة يشكل جهوداً غربية لتمزيق الشعب الفلسطيني إلى شعبين.

بينما ذكرت صحيفة هاآرتس الصهيونية أن نائب الأمين العام للأمـم المتحـدة ومبعوثه إلى الشرق الأوسط، إلفيرو دي سوتو، كشفا عن وثيقة سرية تفضح تعاون واشنطن ومقربين من الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإسقاط حكومة حماس، وأضافت (هاآرتس) أن سوتو أكد أن الوثيقة السرية تشير إلى عمل واشنطن منذ البداية، وبالتواطؤ مع بعض المقربين من الرئيس الفلسطيني، لإسقاط الحكومة الفلسطينية التي تشكلت بعد الانتخابات التشريعية بأي ثمن، حتى لو كان ذلك بثمن حرب أهلية دامية. وذكرت الصحيفة العبرية، نقلاًً عن المسؤول الأممي تصريحه في الوثيقة، بأنه كان من الممكن تشكيل حكومة وحدة وطنية على غرار الحكومة التي شكلت في أعقاب اتفاق مكة، لولا أن قادت الولايات المتحدة الرباعيةَ إلى اشتراط شروط غير ممكنة وإلى معارضة حكومة الوحدة مبدئياً.

وأضاف سوتو: إن الإدارة الأمريكية دفعت منذ الانتخابات وحتى التوقيع على اتفاق مكة إلى مواجهة بين فتح وحماس، وأشار سوتو إلى أنه خلال اجتماع اللجنة الرباعية الذي عقد قبل أسبوع من لقاء مكة، حيث كانت المواجهات على أشدها بين حركتي فتح وحماس، قال المندوب الأمريكي في اللجنة مرتين: أُحب هذا العنف، يعني هذا أنه يوجد فلسطينيون يقاومون حماس، على حد تعبيره.

وأردف سوتو في وثيقته ليدلل على تواطؤ أبي مازن وجماعته مع المخطط الأمريكي قائلاً: إن المستشارين المقربين من أبي مازن كشفوا لنا على نحو خاص عن أنهم صاغوا مبادرة لحل حكومة حماس. لقد خططوا لفعل ذلك باستفتاء شعبي يُطلب فيه إلى الفلسطينيين أن يصادقوا على تأييد حل دولتين على أساس اتفاق أوسلو.

ويقول روبرت ماللي، مدير برنامج الشرق الأوسط في مجموعة الأزمات الدولية: إن الهدف هو قطع قطاع غزة كلياً عن العالم ودفعه ليعيش في حال من العزلة والفقر المدقع.

أي إن الجهود الأمريكية في هذا المجال لغرض واحد وهو تفتيت الكيان الفلسطيني وفقاً لخطة الشرق الأوسط الجديد الذي هو حلم المحافظين الجدد.

[] رؤية الدولة العبرية:

بعد الانتفاضة الأولى في عام 1987م بدأ يتبلور داخل الدول العبرية تياران فكريان رئيسان في التعامل مع الواقع الفلسطيني، والذي كان يعبر عنه في الأدبيات السياسية حينئذٍ بالدولة الفلسطينية:

فاليمين الصهيوني يرى في مشروع الدولة الفلسطينية خطـراً عليه ويعمل على نسف هذه الفكرة من أساسها. ويرتكز فكر اليمين الصهيوني على مفهوم (إسرائيل الكبرى) بحدود لا نهائية، تمتد وتتسع مع الوقت لتشمل أرض الميعاد في النبوءة التوراتية من النيل للفرات، كما يقوم هذا الفكر على مشروع الترانسفير؛ وهو ترحيل الفلسطينيين للأردن. ويقول شارون في هذا السياق وفي ذلك الوقت:.. وإلا فلماذا أنشئت مملكة الأردن إذن؟!

أما اليسار الصهيوني فيرى ضرورة وجود نوع من الكيان الفلسطيني له شروط ومواصفات معينة، وهو ما عبر عنه إسحاق رابين، رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق الهالك في الثمانينيات بقوله: أحسن شيء للخلاص من الانتفاضة أن نسلِّم القمع إلى فئة فلسطينية تقتلهم، هذه هي الفلسفة الصهيونية من قيام دولة فلسطينية. وأردف هذا الكلام بمؤتمر صحفي قائلاً: خير وسيلة هو صُنع سُلطة فلسطينية تقوم بعمل الشرطي وتحمي أراضينا، ونضع الفلسطيني بوجه الفلسطيني.

ويقوم الفكر اليساري الصهيوني على مفهوم (إسرائيل العظمى)، أي نواة عسكرية قوية لها حدود تشمل فلسطين قبل 1967م، بالإضافة لمعظم أراضي الضفة الغربية، وتهيمن على منطقة الشرق الأوسط كلها هيمنة: اقتصادية، عسكرية، سياسية إعلامية، وثقافية.

ولكن بمرور الوقت وبعد ظهور فشل حل أوسلو وقيام الانتفاضة الثانية في عام 2000م، وفي هذا السياق تقول صحيفة يديعوت آحرنوت (آخر الأخبار): من اعتقد قبل أوسلو أن مثل هذه الدولة ممكنة ولا تشكل خطراً على وجود (إسرائيل) يجب أن يشطب هذه الإمكانية إلى الأبد في أعقاب كارثة أوسلو.

وبدأ في المقابل يتبلور طريق ثالث أخذ شكل حزب جديد يقوده شارون يعرف باسم كاديما.

تركزت فكرة كاديما على المزج بين الحلين السابقين بحيث يتم الاحتفاظ بالنواة القوية، أي: دولة يهودية لها حدود معروفة مفصولة عن الفلسطينيين، وهذا جزء من الحل اليساري الصهيوني. وفي المقابل لا دولة فلسطينية بأي مفهوم وإنما كيان غير محدد.

وأطلقت كاديما على هذه الخطة اسم (خطة الانطواء) والتي عبر عنها أولمرت بعد فوز حماس في الانتخابات العام الماضي، وهي خطة البدء بترسيم حدود الدولة العبرية بالانسحاب الأحادي من غزة، وهذا ما تم، ثم الانسحاب من الضفة.

ولكن ما مفهوم الكيان الفلسطيني في الخيار الصهيوني الثالث، ونعني به خطة الانطواء؟

نحن نعتقد أن مفهوم هذا الكيان وشكله ودرجة التعاون معه متوقفة على نمو هذا الكيان واستجابته للمطالب الأمنية الصهيونية، وعلى رأسها تفكيك المنظمات المسلحة، أو ضمان عدم إطلاق صواريخ أو أعمال فدائية منه ضد الدولة الصهيونية، فإنْ استجاب فلا إشكالية، وإن لم يستطع الاستجابة لتلك الشروط فيُترَك للفوضى، ويتم اصطياد المقاومين وتوسيع نطاق العمليات ضدهم، والعمل على تحميل الشعب الفلسطيني دفع فاتورة عدم الاستجابة للشروط الصهيونية، ولذلك فإنه من غير المرجح أن تقوم الدولة الصهيونية باجتياح غزة. تؤكد هذا المعنى قناة (روسيا اليوم) التلفزيونية الرسمية والإذاعة الروسية؛ حيث تقول: إن رئيس الوزراء الصهيوني أولمرت رفض طلباً لمحمود عباس باجتياح قطاع غزة.

ومن أجل تنفيذ هذه الخطة أيضاً يطالب المستشرق متان شتينبرغ، الذي شغل منصب كبير المستشارين للشؤون الفلسطينية في جهاز المخابرات الصهيونية الداخلية (الشاباك)، بدقِّ إسفين بين حماس وفتح، وبين حماس والشعب الفلسطيني. ويضيف: إن مثل هذه الخطة ستدفع أزمة انتصار حماس إلى السطح. ويشدد شتينبرغ على أن الدولة الصهيونية مطالبة بالعمل على توضيح الفوارق والتباينات في المجتمع الفلسطيني وليس طمسها، منوهاً إلى أن ذلك سيتيح لأبي مازن إبداء المرونة ويوفر الشروط لإحداث تغيير في نتائج الانتخابات الفلسطينية القادمة.

إذن هذا ما تريده الدولة الصهيونية؛ تنفيذَ خطة الانطواء في الضفة بعد أن نفذتها في غزة، ولكن هذه المرة ونظراً لأنّ الضفة أخطر على الدولة الصهيونية من غزة ـ لقربها المتلاصق لما تعتبره الدولة الصهيونية أرضها التاريخية ـ لذا يهمها ضبط الأوضاع هناك بمساعدة أبي مازن بعد أن تقلص نفوذه وأصبح أكثر ضعفاً واستجابة للشروط الصهيونية؛ وعلى رأسها تفكيك منظمات العمل المسلح الفلسطيني؛ ففي تقرير لصحيفة (جيروزاليم بوست) اليهودية: إن أولمرت يدرس القيام بعدد من الإجراءات لدعم السلطة الفلسطينية وحركة فتح ضد حماس، تتضمن زيادة الترسانة العسكرية لحركة فتح، إلى جانب الإفراج عن عائدات الضرائب المستحقَّة لدى السلطة الفلسطينية على الكيان الصهيوني، بالإضافة إلى تخفيف القيود المفروضة على تنقُّل الفلسطينيين في الضفة الغربية. وأضاف التقرير أن رئيس الحكومة الصهيونية إيهود أولمرت سوف يطرح الأُطُر العامة لتلك الخطة الداعمة لعباس وفتح في الاجتماع الرباعي الذي عُقد في شرم الشيخ مؤخراً، وجمع بين عباس وأولمرت والرئيس المصري والعاهل الأردني الملك.

الخـلاصة أن الحـركة الصهـيونــية الفـاعـلة لا تتـحرك إلا لهدف واحد فقط؛ وهو تطبيق انسحاب أحادي من الضفة وفق شروطها، والرد على أي عمليات فلسطينية بالقصف والاعتقال والاغتيال. وأي تحرك آخر هو في إطار مجاملات دبلوماسية أو تحسين الصورة الإعلامية.

[] رؤية فتح (عباس):

في نهاية الثمانينيات تبلور هيكل منظمة فتح الفلسطينية إلى ثلاثة أنماط رئيسة:

النمط الأول: الجيل القديم في منظمة فتح، وهو يضم قيادات بدأت حياتها في النضال والكفاح المسلح لتحرير فلسطين، وبالرغم من أن أغلب هذه القيادات خرجت من محضن جماعة إسلامية، ولكن نتيجةً للقمع الذي تعرض له الإسلاميون في أواخر الخمسينيات والستينيات ابتعد هؤلاء عن الفكرة الإسلامية وانخرطوا في التيار السائد في ذلك الوقت؛ حيث تعاظم المد القومي، ومن ثم كان انهيار ذلك المد مع الهزيمة المروعة التي قادها زعماء القومية في حرب 1967م، إيذاناً ببدء انهيار الدافع الأيديولوجي وراء تلك الأعمال، ثم كان التوجه المصري للصلح مع اليهود في كامب ديفيد وما تبعه من اجتياح الصهاينة للبنان، وفقدان المقاومة الفلسطينية لآخر معاقلها ونقط ارتكازها في مواجهة العدو إيذاناً بالانهيار النفسي الثاني للمقاومة، وجاء التراجع الثالث في أعقاب الغزو العراقي للكويت والتدخل الأمريكي، وانفراده بالهيمنة، وإعلان النظام العربي الاستسلام الكامل لتلك الهيمنة. هذه المنظومة القيادية تمحورت حول فريقين:

الأول: فريق يأبى الاعتراف بالهزيمة ويصر على استمرار المقاومـة، وعلى رأس هـذا الفريق أبو جهاد خليل الوزير وأبو إياد صلاح خلف، وهذا الفريق إنما اختار طريق الصمود ليس من باب عقدي؛ ولكن لأنه أدرك من خلال تجاربه واتصالاته أن الدولة الصهيونية لا يمكن أن تعطي الفلسطينيين شيئاً يذكر؛ فالاستمرار في المقاومة هو أهون الشرين، ووجد هذا الاتجاه ضالته في الانتفاضة الأولى التي اندلعت عام 1987م، وعمل على دعمها وتطويرها. وقد بدا لبعضهم ميل للحل الإسلامي ودعم له؛ حيث يقول أحد كوادر فتح في مذكراته: أيَّد الشهيد خليل الوزير (أبو جهاد) فكرة الجهاد بقوة ودعمه مادياً ومعنوياً؛ ولذلك قامت الدولة الصهيونية بتصفية هذا الفريق تباعاً.

ثانياً: الفريق الآخر وعلى رأسه أبو عمار ياسر عرفات؛ وكان يرى مسايرة الواقع واتخاذ الطريق السياسي بديلاً عن المقاومة المسلحة. وعندما قامت الانتفاضة الأولى تركزت جهوده في احتواء الانتفاضة وقيادتها، وعدم خروجها عن قيادة منظمة التحرير كخطوة تمهيدية نحو اتخاذها ورقة له في عودة المنظمة مرة أخرى للساحة السياسية، وخاصة بعد بروز التوجه الإسلامي للشعب الفلسطيني والمتمثل في انبعاث حماس والمقاومة الإسلامية، وعندما وجد عرفات من يمد يده لانتشاله من التهميش الذي شعر به في أعقاب تلك الانتفاضة سارع لقبول كل ما يُطلب منه في سبيل استعادة دور مفقود وزعـامة كانـت في سبـيلها للنـهاية، ومـن ثم كانـت أوسـلو وما تبعها من اتفاقيات مرحلية وجزئية، وقَبِل عرفات بتنازلات تلو تنازلات، وفي النهاية وجد نفسه أمام كامب ديفيد وضرورة التنازلات الصعبة في مسائل القدس واللاجئين والحدود، وأصبحت تنازلات الصهاينة هي عبارة عن إعادة التسمية للحقائق التي فرضتها على الأرض؛ فضواحي القدس في قرية (أبو ديس) أصبحت تسمى القدس التي سيعلنها عرفات عاصمة له، واللاجئون سيتم دفع التعويضات المناسبة لهم، مع إعادة بعض الأسر ولمِّ شملها، وحتى الدولة التي يريدها أضحت أشبه بفرع شرطة في قرية صغيرة يتولى إحضار المطلوبين للأمن الصهيوني، ومن هنا رفض عرفات التوقيع فوجد نفسه في مأزق وأصر على هدفه؛ فما كان من الدولة الصهيونية إلا أن اغتالته.

والواقـع أن هـذا النمـط بـات باغـتيال عـرفـات على وشـك الانقراض، ومـن يـوجـد مـنـه اتـجه إلى حــياتـه الخــاصـة أو اتجه إلى النمطين الآخرين.

النـمـط الـثاني مـن أولـئك الذيـن يكوِّنون بـنيان فـتـح: هم العملاء والمنتفعون، الذين كانوا دائماً ملتصقين بقيادات المنظمة لأغراض عديدة غير هدف المقاومة وغايات الكفاح، فكان منهم العملاء الملتصقون بالقيادة لتتبُّع أخبارها ونقل تحـركـات أفـراد المقاومة وخططهم: إما إلى الموساد مباشرة، أو إلى الـ CIA، أو إلى أجهزة بعض المخابرات العربية. واعترف بذلك بعض المسؤولين الأمنيين الصهاينة باختراق المنظمات الفلسطينية، وأكدوا أنهم مارسوا ما يسمى بالإغراق الأمني أي: إرسال جواسيس بأعداد كبيرة؛ بحيث إن الأمن المضاد صار لا يصدّق أن من المعقول أن يكون الاختراق بهذا الحجم، ثم بالتدريج يصبح لديه نوع من الارتخاء الأمني. ولقد اندهش كثير من أفراد الشعب الفلسطيني، خاصة في الثمانينيات، وهم يرون المقاومين يقعون في قبضة قوات الاحتلال الصهيوني وهم في الطريق لتنفيذ عملياتهم، وينجلي الغبار عن العمالة التي وصلت إلى مستويات كبيرة داخل صفوف منظمة التحرير الفلسطينية التي تشي لأجهزة الأمن الصهيوني بتحركات هؤلاء. ومن المثير أن يُسِرَّ أحد زعماء المنطقة منذ فترة إلى زعيم آخر عند اجتماعه به ويبدي تعجبه، عندما سمع باسم أحد المرشحين لخلافة عرفات، فيقول بالحرف الواحد: (هذا جاسوس!).

وهذه الفئة هي التي كانت أكثر فئات منظمة التحرير اندفاعاً نحو أوسلو والحل السلمي المزعوم، حتى إن الدولة الصهيونية والولايات المتحدة اشترطتا على المنظمة أن تكون هذه الفئة هي المسيطرة على الأمن داخل السلطة وعلى رأس هؤلاء: الرجوب، ودحلان، والشخصية الغامضة محمد رشيد، أو خالد سلام. ويقول (يعقوب بيري) رئيس جهاز الأمن العام الصهيوني السابق (الشاباك): إنه قام في أعقاب التوقيع على اتفاق أوسلو بترشيح كل من جبريل الرجوب ومحمد دحلان، لرئيس الوزراء الصهيوني السابق إسحق رابين، للعمل معهما بشأن تنفيذ الاتفاقات الأمنية بين الجانبين الصهيوني والفلسطيني.

ويذكر بيري في مذكراته (مهنتي كرجل مخابرات)، التي صدرت ترجمتها العربية مؤخراً: أنه لم يكن يعرف الرجوب ودحلان شخصياً، ولكنه كان يعرف عنهما كل شيء، لذلك فإنه اقترح على رابين أن يتوجه مع رئيس الأركان في ذلك الوقت أمنون شاحاك إلى تونس لإجراء حوارات سرية مع الاثنين، ولكن بيري تراجع عن السفر لتونس، وسافر شاحاك بمفرده حيث التقى بعرفات الذي وافق على إجراء الحوار مع الرجوب ودحلان.

ويروي بيري أنه شارك في الحوارات مع الرجوب ودحلان وتوطدت العلاقات الشخصية بين بيري وبينهما، وأن الرجوب كان يتصل به بعد كل عملية فدائية تقع ويسأله عن صحته وصحة زوجته والأولاد، ويؤكد بيري أن الرجوب كان يبذل قصارى جهده لحل كل مشكلة أعرضها عليه.

والنمط الثالث: وهو فريق غير ملوث ظاهرياً على الأقل، ولم يعرف عنه أي عمالة، ولم يمر بما يسمونها تجارب نضالية بائرة، ومعظم هذا الفريق من النشطاء السياسيين الشبان الذين عززت الانتفاضة من قوتهم بدرجة كبيرة؛ وعلى رأسهم عضو المجلس التشريعي مروان البرغوثي، الشخص الأقوى في حركة فتح في الضفة الغربية وأحد مؤسسي الشبيبة الطلابية في الضفة الغربية، وهذا الفريق أخطر الأنماط السابقة. وتتمثل خطورة البرغوثي في قيامه بدور مزدوج أجاده وأتقنه؛ فهو في نظر الفلسطينيين زعيم شعبي وقائد للانتفاضة؛ فهو يحاول أن يسحب زخمها ويسرق بريقها من زعمائها الحقيقيين وهم الإسلاميون..، ولكن ماذا يمثل البرغوثي في نظر الصهاينة؟

يقول البرغوثي للصحفي جدعون ليفي، الذي نشر حديث البرغوثي له في صحيفة هاآرتس الصهيونية: هل تعتقد أنهم سيجدون غداً زعيماً أكثر اعتدالاً مني يقوم بإعداد القهوة لموفاز في الصباح؟ أنا مستعد للالتقاء مع شاس ومع الليكـود، مع الجمـيع، للتـحاور والإقـناع، ولكن الصـهايـنـة لا يريدون أن يفهموا. ويمضي ليفي فيقول: البرغوثي كان رجلاً ينشد السلام، وقلة من الفلسطينيين كانت ترغب بالسلام مثله، وكان ضالعاً جداً في إجراء الاتصالات والعلاقات مع صهاينة كثيرين ليس من اليسار فقط، ولم يُخْفِ أبداً إعجابه في بعض الظواهر الموجودة لدى الصهاينة فيقول البرغوثي: أنا أنهض في الصباح وأنظر نحو الغرب، وليس باتجاه الشرق. ويمضي ليفي فيقول: شخصيته في تلك الأيام كانت شخصية رجل يسير في دروب السلام، والآن تبدو هذه الصورة صورة خيالية من عالم الهذيان مثل أيام الراحة التي اعتاد قضاءها مع أطفاله في سفاري رمات غان يتنقل بين مراكز الأحزاب وأعضاء الكنيست، ويبني أواصر الصداقة مع بعضهم من خلال الوفود والبعثات المشتركة للخارج، لم يفوِّت فرصة القيام بأي لقاء، وآمن بكل جوارحه بالحوار والتفاوض.

والمشكلة داخل فتح من خلال هذه الأنماط تمتد إلى ثلاثة عناصر رئيسية:

1 ـ خواء فتح من القيادات النظيفة؛ فأصبحوا قلة مهمشة لا وزن لهم.

2 ـ ظهور الأجنحة داخل فتح؛ فهذا جناح (أبو مازن)، وذاك جناح الرجوب، وآخر تابع لدحلان، وهذه الأجنحة متصارعة. وربما ساعد على سقوط دحلان في غزة عدمُ مساندة أجنحة فتح الأخرى لفريقه وتركهم إياه يخوض الصراع وحيداً فيها.

3 ـ محاولة إحياء خيار البرغوثي بضغوط خارجية كواجهة تعيد تجميع فتح بعد نكستها في غزة.

[] حماس ماذا تقول؟

من تتبع المسار الذي سارت فيه حماس عند انفرادها بالحكومة نجد أن أهم مسارات حماس في هذا المضمار:

- التخلص من تدخل السلطة الفلسطينية، وبخاصة تدخل أجهزة المخابرات في مؤسساتها ومساجدها.

- توحيد القوى الأمنية وإخضاعها للسيطرة أو على الأقل تحييدها.

- التعامل مع بعض الأنظمة العربية المتخوفة من الإسلاميين.

- الوفاء بوعودها الاقتصادية خلال الحملة الانتخابية.

- استخدام الغموض اللغوي لاعباً مركزياً في تحايلها على الضغوط الدولية للاعتراف بسلطتها رغم تمسكها بنهج المقاومة ورفضها جوهر التسوية

و لكن كثيراً من هذه المسارات لم تحقق فيها حماس نجاحاً ملحوظاً؛ فتوحيد القوى الأمنية اصطدم بتشبث مجموعة دحـلان وزمـرته بقيادة هذه الأجهزة التي وجدت دعماً ملحوظاً من دول خارجية، والحصارُ الاقتصادي المفروض داخلياً وإقليمياً ودولياً لم يمكِّن (حماس) من فعل شـيء يذكـر في سبـيل تحسـين وضع المواطن الفلسطيني، بل زادت الأمور تعقيداً عليه وصعوبة في المعيشة، ومعظم الأنظمة العربية في حالة توجس من حماس، حتى وإن تعامل بعضها معها؛ فهذا التعامل في إطار محدود؛ خوفاً على علاقـتها مع الولايات المتحدة. وأما سياسة استخدام الغموض الدولي فلم يفلح مع الحصار السياسي المفروض أمريكياً وصهيونياً.

ولمحدودية النجاح في هذه المسارات اضطرت حكومة حماس للمشاركة مع فتح وبقية الفصائل. وحماس لم ترفض المشاركة منذ البداية؛ فهي كانت تحبذ الدخول منذ البداية في حكومة وحدة وطنية، ولكن سقف مطالبها في البداية كان عالياً، ومع اصطدامها بالواقع المحيط تخلت حماس عن كثير من مطالبها في صالح حكومة الوحدة وللخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه.

ولكن حكومة الوحدة سرعان ما تجمّد عملها، ولم تستطع القيام بالمهام التي أوكلها إليها اتفاق مكة؛ نتيجةَ عاملين أساسيين هما:

1 ـ إصرار عصابات من فتح على التحكم في الأجهزة الأمنية حتى لا تخضع لشخصية مستقلة مثل وزير الداخلية هاني القواسمي؛ فهذه العناصر ترى أن التخلي عن الأجهزة الأمنية معناه تسليم ورقتها الأخيرة لحماس.

2 ـ الفشل في تسويقه خارجياً أمام الجهات المحاصرة.

لذلك فإن استمرار سيطرة فتح على الأجهزة الأمنية واستمرار الحصار يعني أن التنازلات التي قدمتها حماس في مكة لم تجد شيئاً مما يقابلها.

هـنا وجـدت حـماس نفسـها أمـام خيارين كلاهما مر: إما أن تترك نفسها لتتفكك بالتدريج أمام الخطة الأمريكية لتفكيكها بمساعدة دحلان، أو أنها تأخذ بزمام المبادرة وتسيطر على غزة، وما يصاحبها بعدها من: حصار، وتجويع، وتكالب الأمم عليها..، وفي الوقت نفسه تنفُذ بدون إرادة منها الخطةُ الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط.

واخـتارت حـمـاس الخـيـار الأقل سوءاً وهو السيطرة على غزة.

والوضع الآن على الأرض كالآتي:

نجحت الولايات المتحدة في تنفيذ المرحلة الأولى من خطتها (الشرق أوسطية)؛ وهي تفتيت المتبقي من فلسطين إلى كيانين، الدولة الصهيونية في سبيلها لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة الفصل الأحادي في الضفة بعد تفكيك أجنحة المقاومة المختلفة بمساعدة محمود عباس، ولن تغزو الدولة العبرية غزة مرة أخرى، ولكنها ستواصل عملياتها السابقة من قصف واغتيالات واجتياحات محدودة.

[] تحديات تواجهها حماس:

وحماس أمامها عدة تحديات:

التحدي الاقتصادي: والذي لن يصل إلى التجويع والتعطيش كما تصوره بعض أجهزة الإعلام؛ فمصر ـ مثلاً ـ لن تسكت على هذا النوع من الحصار خوفاً من تأثرها الأكيد بما يجري في غزة الملاصقة لها، والدولة الصهيونية يهمها في النهاية ألا يصل الفلسطينيون إلى هذه المرحلة التي تعني انفجاراً لا يستطيع أحد التكهن به؛ فالحصار هنا معناه درجة من التركيع والإخضاع للشروط الصهيونية.

والتحدي الثاني: هو الفصائل الفلسطينية داخل غزة، مثل: الجهاد الإسلامي وبقايا فتح، والتي يمكن أن يكون لها أجندات خارجية ترتبط بإيران أو غيرها من القوى؛ فحماس يجب أن تتعامل معها بحذر، وتقدم أولويات التعاون والتنسيق والاحتواء مع تلك المجموعات.

أما التحدي الثالث: فهو تحدٍّ سياسي قائم على تحديد الأولويات والقدرة على المزاوجة بين المقاومة والعمل المسلح وبين المهادنة مع الأطراف الإقليمية والدولية المختلفة؛ فحتى هذه اللحظة أثبتت حماس أنها صاحبة الريادة داخل فصائل العمل الإسلامي على المستوى العالمي، والتي استطاعت الجمع بين العمل المسلح والعمل السياسي بأقل الخسائر الممكنة، وهي بذلك تعطي الأمل والمثل للجميع.

للعودة للصفحة الرئيسة