السنة  التاسعة عشرة  * العدد 204* شعبان 1425هـ  *   سبتمبر/أكتوبر  2004م

الدور الأمريكي في أزمة دارفور

 

حسن الرشيدي

«المسؤولية عن هذه الكارثة تقع بحق على عاتق حكومة السودان.. حان الوقت لبدء العد التنازلي لحكومة السودان».

هذا تصريح (جون دانفورث) مندوب واشنطن لدى الأمم المتحدة أطلقه عقب صدور قرار مجلس الأمن الذي تُبُني بغالبية 13 صوتاً وامتناع دولتين عن التصويت، هذا القرار الذي قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا يمهل الحكومة السودانية مدة 30 يوماً لتسوية أزمة دارفور، وإلا واجهت عقوبات دولية في حال عدم الوفاء بالتزاماتها خلال المهلة الزمنية المذكورة.

وكان تقرير مؤلف من (77) صفحة قد أصدرته منظمة (هيومان رايتس واتش) في مايو/ أيار الماضي بعنوان (دارفور قد دُمّرت: التطهير العرقي من قِبَل قوات الحكومة والميليشيات في غربي السودان)، والذي ملخصه أن الحكومة السودانية تتحمل المسؤولية عن «التطهير العرقي» وعن الجرائم ضد الإنسانية على حد زعم التقرير في منطقة دارفور جنوبي السودان.

وعلى إثر ذلك قام كولن باول وزير الخارجية الأمريكي بزيارة السودان في أواخر شهر يونيو، وبلَّغ الرئيس البشير رسالة واضحة من الرئيس بوش مفادها كما أعلنها باول على لسانه: أن على السودان اتخاذ خطوات حاسمة لحل الأزمة في دارفور وبشكل محدد.

وفي يوليو الماضي صوَّت الكونغرس الأميركي لصالح مشروع قرار يصف الأعمال المرتكبة بحق السكان المدنيين في دارفور بالإبادة الجماعية، ويدعو الولايات المتحدة إلى التصرف بسرعة، حتى ولو كان ذلك بشكل أحادي.

وصرح رئيس الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأميركي (بيل فريست): لست موافقاً على إعلان الاتحاد الأوروبي أنه لا توجد إبادة... على المجتمع الدولي أن لا يدير ظهره لهذه الأزمة.

وذكرت صحيفة الإندبندنت البريطانية أن جنوداً بريطانيين وُضِعوا في حالة تأهب لاحتمال إرسالهم إلى السودان للمساعدة في معالجة ما تصفه الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم. وكانت صحيفة التايمز قد نشرت في تقرير لها على الصفحة الأولى أن بريطانيا مستعدة لإرسال 5000 من القوات إلى السودان نقلاً عن (قائد الجيش) الجنرال مايك جاكسون.

وفي نفس الوقت نقلت وكالة (فرانس برس) عن الميجور الفرنسي (فيليب تشارلز) قوله: إن فرنسا قد نشرت مئات من جنودها في تشاد على الحدود مع دارفور.. وأوضح الميجور تشارلز أنه تقرر نشر حوالي 200 جندي فرنسي آخرين على حدود تشاد الشرقية مع السودان لضمان أمن وسلامة الحدود مع دارفور، وبذلك يصل عدد الجنود الفرنسيين الذين قد تم نشرهم إلى 500 جندي في الأيام الأخيرة.

وفي سؤال للسفير الفرنسي (جان بيير بيركو) سفير فرنسا لدى نجامينا عن طبيعة هذه القوات، قال: إن تلك القوات ستحمل معها مؤناً ومعونات إنسانية للاجئي دارفور.

وقال الميجور تشارلز: بدأنا عمل جسر جوي بين العاصمة التشادية والحدود مع منطقة دارفور بواسطة طائرات النقل العملاقة من طراز سي ـ 130 التي يمكنها حمل 12 طنّاً من التجهيزات إلى مدينة أبيتش الحدودية حتى يتم نشر المواد الإغاثية في تسعة من مخيّمات اللاجئين بدارفور.

وتنبع غرابة قضية دارفور أن المشكلة تفاعلت بطريقة غير مفهومة وسريعة وبشكل مريب، وتبارى المسؤولون في أوروبا وأمريكا في التصريحات والتقاطر على المنطقة والإدلاء بما في جعبتهم، وتجييش الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة لإيجاد موطئ قدم لها.

واحتار المراقبون وانقسموا: لماذا يحدث ما يحدث؟ هل ما يجري بالفعل من قبيل الإغاثة والتعاطف مع مشكلة إنسانية، أم هو جزء من مخطط الشرق الأوسط الكبير؟..... هل هو تنافس على الثروات من نفط ويورانيوم وغيره، أم هي رغبة منظمات تنصيرية تريد تغيير عقيدة منطقة سلمت قيادها للإسلام منذ قرون طويلة؟

ولكن هناك أيضاً من يفسر ما جرى على أنه ميدان آخر للتنافس الفرنسي الأمريكي على مناطق النفوذ والثروات في أفريقيا.

هذا السؤال يشغل بال كثير من المحللين، وقد عبر عن هذه الحيرة وزير الخارجية السوداني (مصطفى إسماعيل)، ولكنه رجح أن أمريكا لا يمكن أن تغزو السودان.

ولمعرفة حقيقة التهديدات الأمريكية والدور الأمريكي في هذه الأزمة لا بد من تتبع أهداف السياسة الأمريكية في العالم، ومن ثم الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط واستراتيجيتها في أفريقيا؛ حيث تتقاطع الاستراتيجيتان في السودان، ومن ثم يمكن عن طريق ذلك محاولة استكشاف القوانين والسنن التي تجري عليها الأمور في هذا البلد، كما يمكن محاولة تتبع مسار المشكلة مستقبلاً.

` أهداف السياسة الأمريكية في العالم:

منذ ولادة ما يعرف بأمريكا يتوالى على الضمير الجمعي الأمريكي عدة عناصر تتداخل فيما بينها ليظهر في النهاية ما يعرف بالخصائص العامة للشعب الأمريكي، وهي الخصائص التي تتبلور في عدة أهداف عادة ما تندفع وراء تحقيقها السياسة الأمريكية ومن ورائها الطبقة السياسية التي يجري بينها تداول السلطة هناك داخل لعبة الديمقراطية، ويصطلح كثير من المفكرين والمتخصصين في الشأن الأمريكي على أن هناك ما يعرف بثلاثية: الثروة، والدين، والقوة. وهذه الثلاثية هي التي يجري على أساسها تفسير أي سلوك اجتماعي وما يتفرع عنه من سلوك سياسي تسير وفقه السياسة الأمريكية.

فغطرسة القوة الأمريكية هي الرغبة الجامحة في فرض السطوة والاستحواذ على مقدرات وقدرات وممتلكات الآخر، وإخضاعه واستعباده، بأي شكل من الأشكال. فأمريكا أنشأت كيانها على أساس القوة عبر الاحتلال والسلب، ولهيمنة القوة على العقل الأمريكي، فإن الوحدة بين الولايات تحققت أيضاً بفعل القوة عبر الحروب الأهلية الطاحنة. ويقول (والتر راسيل ميد) وهو باحث كبير في برنامج هنري كيسينجر ومتخصص في السياسة الخارجية الأمريكية في مجلس العلاقات الخارجية: لقد عملت القوة العسكرية للولايات المتحدة وجاذبيتها الثقافية على إبقائها على رأس النظام العالمي. والأمثلة لا تحصى وتجدها في تصريحات الساسة الأمريكيين وقادتها العسكريين.

أما الثروة والمال فهو دافع مغروس بشدة في النفسية الأمريكية؛ فالربح السريع، وعدم الشبع المالي قيمة تطبع حياة الفرد الأمريكي؛ حيث للمال الدور الرئيسي والكاسح في أسلوب الحياة. وقد وضع (جيرمي بريتشر) أحد الخبراء الاقتصاديين كتاباً تحت عنوان «القرية الكونية، أم النهب الكوني؟» فضح فيه الجشع الأمريكي الذي أطلقته العولمة، وزادت في نهمه وجعلته كأخطبوط يضرب شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً مدعوماً بقوة عسكرية.

والدين يمثل جانباً كبيراً في التكوين النفسي للأمريكيين؛ فالتجارب التي مر بها المهاجرون البروتستانت من أوروبا إلى أمريكا قارنوا بينها وبين التجارب التي مر بها اليهود القدماء عندما فروا من ظلم فرعون إلى أرض فلسطين. لقد كان هؤلاء المستوطنون بحاجة إلى شيء يسوّغ أفعالهم هذه، ويضفي عليها نوعاً من الشرعية والأخلاقية، فلم يجدوا هذا التسويغ إلا في العهد القديم؛ ولذلك يقول (ميشال بوغنون) في كتابه الجديد الذي صدر العام الماضي (أمريكا التوتاليتارية): هذا الشعور بتجسيد حقيقة سياسية واجتماعية بلا حدود مدعوة إلى فرض نفسها في كل مكان إنما يتجلى في كل أعمال الأمة الأمريكية حتى اليوم، وهي حقيقة لا تخطئ؛ لأن الله يؤيدها.

وفي سبيل تحقيق هذه الثوابت الثلاثة المتجذرة في الأمة الأمريكية كان عليها سلوك استراتيجيات متغيرة.

ولقد ظلت منطقة الشرق الأوسط هي المنطقة المفضلة لأسباب جيوسياسية وعقائدية متعددة تحاول فيها القوى فرض هيمنتها على العالم، وإثبات نفوذها، ولم تكن الولايات المتحدة بعيدة عن تلك الفرضية.

وكثيرون يظنون أن التوجهات الأمريكية نحو السودان حديثة، ولكن منذ منتصف الخمسينيات كانت أمريكا تدرك أهمية منطقة شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، فكان إعلان (دالاس) وزير الخارجية الأمريكي في أواخر الخمسينيات: «إن اعتبارات الأمن في منطقة البحر الأحمر هي التي حكمت علينا أن نضم أريتيريا إلى الحبشة».

إن رؤية الاستراتيجية الأمريكية نحو السودان يتداخل معها عاملان مهمان:

الأول: الاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا بصفة عامة.

والثاني: المخططات الأمريكية حيال الشرق الأوسط.

بالنسبة للاستراتيجية الأمريكية تجاه أفريقيا يمكن ملاحظتها من خلال التصريح الذي عبر عنه (كلينتون) أثناء زيارته لغانا خلال الفترة من 23/3/1998م إلى 2/4/1998م: «لقد آن الأوان لأن يضع الأمريكيون أفريقيا الجديدة على قائمة خريطتهم». ومن خلال كثافة الزيارات التي قام بها مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى إلى أفريقيا في الفترة التي تلتها تمثلت في زيارة أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية في سبتمبر 1997م وزيارتها في أكتوبر 1999م، وجولة كلينتون في مارس 1998م. وفي عام 2001م أخذ الاهتمام الأمريكي بُعداً آخر عندما طرح المسؤولون الأمريكيون مبادرة جديدة في هذا المجال أُطلق عليها (مشروع مبادرة مواجهة الأزمات الأفريقية)، وبدأت الإدارة الأمريكية تطبقه على الدول الأفريقية، مستفيدة من الصفقات العسكرية الأمريكية الخاصة مع تلك الدول، ويهدف هذا المشروع إلى تكوين وحدات عسكرية وطنية بأعداد ضخمة تُقدر بـ 12 ألف جندي قادرة على العمل بشكل فعال، بمفردها، أو بالتعاون مع مجموعات دولية مماثلة في مجال حفظ السلام في كافة المناطق المتأزمة. وشهدت الأزمة الليبيرية تدخلاً أمريكياً عسكرياً في أغسطس 2003م، بعد ضغوط مارسها الرئيس بوش على الرئيس الليبيري (تشارلز تايلور) ليتنحى الأخير عن السلطة؛ ورغم أن التدخل الأمريكي فسره بعضهم على خلفية الارتباط التاريخي والمعنوي بين الولايات المتحدة وليبيريا؛ بحكم أن الأخيرة استوطن فيها العبيد الأمريكيون المحررون؛ فإن هذا التدخل الأمريكي كان خلفه مصالح أمريكية تصب في قلب الاستراتيجية الجديدة في التعامل مع القارة الأفريقية؛ ويتمثل في بناء واشنطن مطار (روبرتسفيلد) الدولي الذي يستخدم كقاعدة رئيسية لإعادة تموين الطائرات العسكرية الأمريكية بالوقود في المحيط الأطلنطي؛ كما أن ليبيريا بها محطة إرسال تابعة لـ «سي آي إيه» لالتقاط كل ما يبث في القارة.

كل هذا الاهتمام يوضح أن هناك توجهاً أمريكياً جديداً للقارة الأفريقية. ويمكننا ملاحظة هدفين رئيسيين تسعى إليهما الإدارة الأمريكية:

أولهما: استغلال القارة اقتصادياً، وهو ما تسميه أمريكا الإدماج الاقتصادي العالمي أو الشراكة الاقتصادية.

وثانيهما: النظرية الأمنية الأمريكية والتي ترى أن أمن أمريكا يمتد عبر البحار مثل قضايا انتشار الأسلحة غير التقليدية والإرهاب والمخدرات والبيئة وغيرها.

أما الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط فيلخصها (كولن باول) وزير الخارجية الأمريكية في جزء من شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ التي عقدت يوم 6/2/2003م فيقول: إن الإطاحة بصدام حسين ونظامه يمكن أن تؤدي إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط بطريقة إيجابية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها.

هكذا يعلن باول بصراحة ووضوح عزم الولايات المتحدة على الشروع في إعادة تشكيل المنطقة.

لقد ظهر للكثيرين أن مسألة القرار الأميركي تجاه العراق ليس قراراً ظرفياً، وليس قرار ردة فعل على ممارسة عراقية معينة، بل إن مسألة التعاطي بالقرار هي جزء من نظرة استراتيجية للإدارة الأميركية وفق أسلوب تعاطيها وتواجــدها؛ لا بل وضع يدها على واقع المنطقة كلياً.

وينطلق التغيير الذي تريده الولايات المتحدة للمنطقة عبر محورين:

الأول: هي النظم العربية نفسها من حيث بنيتها والتفاعلات الداخلية والخارجية لهذه النظم، ووفق التصور الأمريكي هناك نوعان من النظم:

الأول: نظم ذات علاقة خاصة مع الولايات المتحدة كالنظام الأردني والمصري والخليجي والمغربي والتونسي والجزائري، وهذه النظم تخطط الولايات المتحدة لتغيير نظمها التعليمية والإعلامية، وأوضاعها السياسية والاقتصادية وفق آليات تغيير سلمية بالتنسيق مع حكومات تلك الدول مثل الضغوط الدبلوماسية والمنح والمعونات والبعثات التدريبية لنخبة معينة وبرامج الشراكة الاقتصادية.

أما النوع الثاني من النظم: فهي نظم غير صديقة لأمريكا مثل النظام السوري والليبي والسوداني والعراقي أيام حكم صدام حسين، وهذه تمارس معها الإدارة الأمريكية الآليات غير السلمية كالعقوبات الاقتصادية أو الوسائل العسكرية. وهذه لها صورتان: الأولى هي التلويح بالقوة العسكرية المصاحب للضغط الدبلوماسي كما حصل مع سوريا مؤخراً، واستجابت ليبيا للضغوط، وما يحدث حالياً مع السودان، أو من خلال عمل عسكري مباشر يتمثل في شن حرب شاملة أو جزئية مثلما حدث مع النظام العراقي.

أما المحور الثاني للتغيير الذي تريد الإدارة الأمريكية ممارسته فهو يتعلق بتغيير الوضع الجيوسياسي للمنطقة وخاصة ما يتعلق منه بالحدود، وهناك نظريات أمام الإدارة الأمريكية تتمثل في:

- الإبقاء على الوضع الحالي للدول في الخلط بين الأنظمة والكيانات، والتي سادت في حقبة النصف الأخير من القرن العشرين؛ بحيث كان بعض الحكام يمزجون بين حتمية استمرار النظام السياسي القائم ووحدة الكيان الوطني.

- تجزئة المنطقة العربية إلى كيانات عرقية وطائفية.

- الفيدراليات الديمقراطية: والمقصود به أوطان منقسمة على أسسٍ عرقية أو دينية أو مذهبية، ثم تجميع للقطع المبعثرة في صيغٍ فيدرالية ديمقراطية. وسيكون الوجود العسكري الأميركي القوي في منطقة الخليج وداخل العراق مستقبلاً بمثابة قوة ضاغطة [ومساعدة أحياناً] لضمان حقوق الأقليات في المنطقة، وللوصول إلى الصيغ الفيدرالية الديمقراطية.

ولعل ما حدث في العراق يوضح ما تنويه أمريكا للمنطقة؛ حيث تصر على أن العراق سيكون المثل؛ فمنذ سقوط النظام العراقي والولايات المتحدة حريصة على التعامل مع العراق على أساس مذهبي وعرقي، وقد ظهر ذلك في تشكيلها لمجلس الحكم ومن بعده الحكومة المؤقتة؛ حيث جرى تقسيم المقاعد في هذه الهيئات الحاكمة على أساس مذهبي (شيعة وسنة) وعلى أساس عرقي (عرب وأكراد وتركمان) مع إبقاء درجة من الفوضى تسري في أوصاله، بل ذكرت مصادر إعلامية غربية أن بعض هذه الفوضى قد سعى لها الحكم الأمريكي للعراق، وهذه الفوضى تحقق للولايات المتحدة الذريعة لتقسيم العراق إلى كانتونات في حالة إخفاق القوى السياسية العراقية في إيجاد نظام يحقق المصالح الأمريكية في المنطقة.

ولذلك فإنه من السذاجة تصوُّر أن أحداث دارفور أتت في توقيتها بمعزل عن السياق السابق؛ فهي تمثل نموذجاً مثالياً للأهداف الأمريكية في العالم والتي سبق ذكرها:

- فالثروة التي تكمن في السودان، ودارفور تحاذي بحيرة النفط الممتدة من إقليم بحر الغزال مروراً بتشاد والكاميرون هي من الأسباب التي جعلت أمريكا تهتم بتلك المنطقة؛ ناهيك عن حفرة النحاس المتاخمة التي يقال إنها غنية بالمعادن لا سيما اليورانيوم، وألمحت صحيفة الجارديان البريطانية الواسعة الانتشار إلى أن النفط سيكون القوة الدافعة الرئيسية في أي غزو عسكري خارجي للسودان، وخلصت إلى أن التدخل العسكري المحتمل في السودان سيوفر خزان نفط ضخماً وغير مستغل في جنوب إقليم دارفور وجنوب السودان لا سيما أن هناك دافعاً آخر يبدو بارزاً، وهو أن امتياز استخراج النفط في جنوب دارفور تتمتع به الشركة القومية الصينية للبترول: باعتبار أن الصين هي أكبر المستثمرين في النفط السوداني.

والاهتمام الأمريكي بنفط السودان لا يعود فقط إلى أن اكتشافه تم على يد شركة شيفرون الأمريكية التي أنفقت ما يفوق مليار دولار على نشاطها هناك قبل خروجها في عام 1992م، وأن كل النفط السوداني الذي تستمتع به الشركات الصينية والماليزية والهندية يأتي من حقول اكتشفتها شيفرون، وإنما يعود كذلك إلى إمكانية نقل النفط السوداني عبر تشاد الذي يتم نقله حالياً عبر خط طوله 1610 كلم إلى ميناء بشائر على البحر الأحمر.

ويقدر احتياطي السودان من النفط بحوالي 2 مليار برميل من المتوقع زيادتها إلى 4 مليارات برميل عام 2010م. كل هذا يجعل شهية الولايات المتحد مفتوحة لالتهام هذا المنجم المفتوح.

- أما البعد الديني في مشكلة دارفور وهو عامل متجذر في السياسة الأمريكية، فيظهر جلياً في التهافت التنصيري على دارفور، وهو اندفاع علني، ولا يمكن لأي باحث سياسي تجاهله. وقد حذر المهندس (الحاج عطا المنان) والي جنوب دارفور من وجود بوادر حملة تنصيرية بدارفور، وكشف لدى لقائه وفد الحكومة الزائر لولايته عن قيام عدد من رجال الدين المسيحي بتوزيع كتب التنصير على المواطنين في محاولة لتنصيرهم وإبعادهم عن الدين الإسلامي. وقال عطا المنان: إن الخطر الحقيقي ليس في التدخل الخارجي بالسلاح، ولكن في تنصير مواطني دارفور الذين عُرفوا بحبهم للقرآن وكتابتهم للمصحف الشريف.

وكشف وزير الداخلية السوداني عن أن عدد المنظمات التنصيرية الأوروبية والأمريكية العاملة في دارفور يبلغ أكثر من 30 منظمة تقوم بأدوار في غاية الخطورة، وتستغل العمل الإغاثي في عمليات التنصير في دارفور التي يعتبر غالبية سكانها مسلمين، ولا يوجد بها كنيسة واحدة، وكانت قمة التدخل التنصيري في أثناء اجتماع الأساقفة الإنجيليين بالمركز الكنسي التابع للأمم المتحدة بنيويورك في شهر إبريل الماضي؛ حيث دعا رئيس الشمَّاسين كل بروتستانتي إلى تقديم يد العون لسكان دارفور والمشردين منها، وأرسل بابا الفاتيكان مبعوثاً شخصياً له وهو رئيس الأساقفة الألماني بول كوردز إلى السودان أواخر شهر يوليو 2004م، للضغط على الحكومة السودانية لتسرع في إدخال المنظمات الكاثوليكية وتقدم لها التسهيلات، والأهم من هذا هو السماح للفاتيكان بتقديم تضامنه الروحي للمنكوبين أي التنصير. ومن بين المنظمات التنصيرية التي كرست جهودها مؤخراً في دارفور: منظمة ميرسي كوربس الأمريكية الإنجيلية التي قضت 25 عاماً بالتنصير في جنوب السودان. ويبدو أن ثمة تعاوناً وثيقاً بين نصارى الجنوب وبين المنظمات التنصيرية؛ فقد أرسل رئيس الأساقفة الإنجيليين بالسودان (يوسف مارونا) إلى نظرائه في مناطق مختلفة في العالم يحثهم فيها على التدخل في دارفور.

- وبعد الهيمنة واستعراض القوة الأمريكية بالنسبة للسودان يتحقق من خلال محورين أساسيين:

المحور الأول: مواصلة التربع على قمة النظام الدولي مع استبعاد القوى الأخرى. ولدارفور أهمية جغرافية في أنها تمثل المدخل لعموم غرب إفريقيا. والغرب الإفريقي سياسياً واستراتيجياً تعتبره فرنسا منطقة نفوذ تقليدي لها، ولا تسمح بمساس نفوذها ومصالحها هناك. وعلى هذا الأساس فإن تدهور الأوضاع بالمناطق المجاورة لنفوذها يؤثر على مصالحها؛ ودارفور تلاصق حدوداً مفتوحة على مناطق النفوذ الفرنسي: تشاد وإفريقيا الوسطى. ويقول (د. سيف الإسلام) أستاذ دراسات حوض النيل في جامعة النيلين: إن الوجود الأمريكي في القارة الإفريقية جعل فرنسا تنظر إليه بعين الشك، وتتخوف من التأثير على مصالحها بغرب القارة، ولذلك سعت فرنسا إلى إعادة تأهيل مناطقها القديمة لتثبت أنها لا تزال صاحبة القبضة. وفي بيان صادر عن الرئاسة الفرنسية قال: إن الرئيس (جاك شيراك) قد أعطى توجيهاً بنشر قوات من الجيش الفرنسي على الحدود بين السودان وتشاد لأغراض إنسانية، لكن على الأرض فإن المهمة تبدو غير ذلك؛ فالجنود الذين وصلوا إلى المنطقة يرفعون من درجة الاستنفار؛ فضلاً عن وصول تعزيزات جديدة وطائرات محملة بالمساعدات الإنسانية. وكان البيان الفرنسي أشار في وقت سابق إلى أن مهمة القوات الفرنسية بالمنطقة هي مهمة إنسانية للمساعدة في تخفيف الوضع الإنساني المتردي؛ بيد أن شهود عيان قالوا إن القوات الفرنسية باشرت مهامها الجديدة على الفور، ونشرت أعداداً كبيرة من الجنود للعمل في معسكرات اللاجئين والنازحين؛ وذلك بتولي توزيع المساعدات والعمل على تسهيل حركة انسيابها وحفظ النظام منعاً للفوضى. وذكرت تقارير صحفية متطابقة نشرت في الخرطوم أن القوات الفرنسية تمركزت في مناطق مختلفة بالأراضي التشادية، واقتربت من الشريط الحدودي بين السودان وتشاد، ورفعت من درجات الاستعداد والاستنفار كما لو أنها تتأهب لخوض معركة عسكرية كما توقعت التقارير نفسها حدوث تقدُّم من قِبَل القوات الفرنسية نحو الأراضي السودانية المتاخمة للحدود التشادية فيما ذهبت بعض التقارير الصحفية في الخرطوم إلى دخول القوات الفرنسية الأراضي السودانية في إطار تفقُّد معسكرات اللاجئين والوقوف على الاحتياجات الإنسانية للمتضررين. ويبدو أن الإجراءات الفرنسية التي اتخذتها لم توقف التراجع الفرنسي؛ فقد حدث أخيراً في غمرة التفاوض مع متمردي دارفور قبول دولة تشاد الوسيط نقل المفاوضات من إنجمينا إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا لتكون المفاوضات تحت إشراف الاتحاد الإفريقي، وهو الأمر الذي يشير إلى اكتساب أمريكا نقطة زيادة عن فرنسا، وانتزاع ملف دارفور من النفوذ الفرنسي.

- المحور الثاني الأمريكي على صعيد امتلاك أسباب القوة ويتمثل في خطتها للتغيير في الشرق الأوسط، والتي بلورتها إدارة بوش في مشروع الشرق الأوسط الكبير، والسودان نموذج أمثل لذلك التغيير؛ حيث أقلية عرقية تثور وتطالب بمطالب، وكل ذلك لإعادة تركيب النظام السوداني وفق الأسس التي تحدثنا عنها سابقاً وهي تتلخص في توليفة نظام تتركب من إسلاميين وعلمانيين وصوفيين وجميع الأعراق والأديان في السودان.

والملاحظ أن الضغط الأمريكي في مشكلة دارفور بدا لكثير من المراقبين غير متوقع؛ حيث استجاب النظام السوداني لجميع الضغوط الأمريكية في مسألة التسوية المتعلقة بتمرد الجنوب، ووقَّع أقطاب الإنقاذ على اتفاقية مع (جارانج) سلموا فيها بغالبية مطالبه. ولكن المتتبع لمجريات أحداث العراق يدرك أن المشروع الأمريكي للتغيير في المنطقة متعثر في العراق بسبب صمود المقاومة العراقية وتسديدها لضربات قاصمة للوجود الأمريكي ومشاريعه للسيطرة على العراق، وبات النظام في وضع قلق على مشروعه الأساسي في المنطقة، ومع اقتراب موعد الانتخابات الأمريكية أصبحت إدارة بوش في وضع حرج: إما التسليم بإخفاق مشروعها للتغيير، وهذا يعني هزيمتها أو محاولة ترميم وضعها في العراق بقدر الإمكان، وفي نفس الوقت الانتفال خطوة أخرى نحو تطبيق مشروعها للمنطقة، والبدء بالحلقة الأضعف وهي السودان. وهنا سوف تكون آلية التدخل هي الآلية التي تم اعتمادها أمريكياً عام 2001م كبديل للتدخل الأمريكي المباشر في النزاعات الإفريقية، وقد أطلق على هذا المشروع «مبادرة مواجهة الأزمات الإفريقية» وبدأت اللجنة الفرعية الخاصة بالبنتاجون تطبيقه على الدول الإفريقية، مستفيدة من الصفقات العسكرية الأمريكية الخاصة مع تلك الدول. ويهدف هذا المشروع إلى تكوين وحدات عسكرية وطنية بأعداد ضخمة تُقدر بـ 12 ألف جندي قادرة على العمل بشكل فعال بمفردها، أو بالتعاون مع مجموعات دولية مماثلة في مجال حفظ السلام في كافة المناطق المتأزمة. وقد أدرك صناع القرار الأمريكي أن التدخل المباشر للإدارة الأمريكية في المشاكل الإفريقية الداخلية قد يؤدي إلى نتائج عكسية خاصة بعد حرب الصومال، وتعززت تلك القناعة مؤخراً بعد بروز المستنقع العراقي. ويبقى الدعم الأمريكي اللوجستي لهذه القوة. وقد تأكد ذلك الخيار في الظهور تدريجياً مع وصول قوات رواندية إلى درافور يقدر حجمها بمائة وخمسين جندياً؛ بينما طلب الرئيس النيجيري من برلمان بلاده الموافقة على نشر ما بين 150 و1500 من الجنود النيجيريين في الإقليم السوداني.