|
إعداد: أحمد فهمي ـ الأمين أحيمر
أجرت مجلة البيان استطلاعاً لآراء بعض رموز العمل الإسلامي في السودان في محاولة لمعرفة موقف الشعب السوداني، والحركات الإسلامية بالأخص من الأزمة الحالية، وما هي الجهود التي يجب أن تبذل لمواجهتها.
وقد شارك في هذا الاستطلاع كل من:
الشيخ: سليمان أبو نارو: أمير جماعة الإخوان المسلمين في السودان.
اللواء (م) د. محمد العباس الأمين.
وقد تضمن الاستطلاع الإجابة عن أربعة أسئلة تجمع المحاور والمواقف التي نريد تسليط الأضواء عليها بما يكشف حقائق الأوضاع القائمة والأخطار المحدقة بالسودان والسبيل الأمثل لإصلاح الأحوال.
البيان: الخلافات بين الإسلاميين كان لها دور كبير في تفاقم الأزمات السودانية؛ فهل توجد رؤية أو محاولات جدية للحد من هذه الخلافات؟
◄ اتفق المشاركون على أن الخلافات بين الإسلاميين لها دور كبير في تأزيم الأوضاع السودانية، وقدم الشيخ محمد سيد حاج رؤية تحليلية متميزة لدوائر الخلاف بين إسلاميي السودان؛ حيث قال إن: «الخلافات بين الإسلامين يمكن أن تصنف على حسب ضيق واتساع مصطلح الإسلاميين، ومن ثم يمكن أن نقسم هذا الخلاف إلى دوائر:
أ - الدائرة الواسعة: وهي دائرة أهل القبلة والتي تدخل فيها الأحزاب اليمينية (كحزب الأمة والاتحادي) مقابل اليسار. علماً بأن هذه الأحزاب تطرح في الانتخابات أطروحات إسلامية عامة. والخلاف في هذه الدائرة قاد إلى تفاقم (المشكل السوداني) بصورة كبيرة، والأغلب في هذا الصراع أنه صراع سلطة، وكانت نتيجته تبني هذه الأحزاب التقليدية للمشروع العلماني في بعض المحاور والقضايا، وفي هذه الدائرة من الخلاف لا أعلم أنه توجد رؤية واضحة ومحاولات جادة للحد من الخلاف، إنما هي مبادرات تفقد المنطلق المرتبط بأهداف واضحة والنظرة المستقبلية، وقبل ذلك روح الوحدة الإسلامية.
ب - الدائرة الضيقة: وهي دائرة الحركات والجماعات التي تتبنى الإسلام بوضوح، ومشكلة هذه الدائرة فقدان عنصر جسور الثقة بين الأطراف؛ مع وجود تباين في المناهج ومرارات تاريخية وحواجز نفسية.
ومع هذا التشخيص يمكننا الحديث عن الحل، والذي طرح أغلبه في مبادرة (مؤتمر العمل الإسلامي بين الأفتراق والاتفاق) الذي عقد مؤخراً في الخرطوم. وأقول بكل صراحة: ما زالت فكرة الالتقاء بين المسلمين، وفصائل العمل الإسلامي لمواجهة التحديات والمنازلات، والحفاظ على كليات الهوية مقولة من الناحية النظرية، لكنها ضعيفة من حيث التطبيق. والمطلوب مبادرة بقوة ووضوح وصراحة وشفافية، والوقت ليس في صالح المسلمين.
ج - الدائرة الأضيق: وهي دائرة الاسلاميين فى السلطة (المؤتمر الوطني ـ المؤتمر الشعبي) وهذا الخلاف أثر في تفاقم الأزمة، خاصة أزمة دارفور منذ خروج الكتاب الأسود وما تبعه من أحداث، وأقترح قيام مبادرة من العلماء والدعاة والمفكرين والشخصيات المؤثرة تجمع الشتات بمسودة فكرية لتكون الإطار النظري الذي يلتف حوله المسلمون يتضمن برنامج الحد الأدنى للجميع، هدفه المحافظة على هوية السودان باعتباره بلداً مسلماً.
البيان: ما هو حجم حضور الحركات الإسلامية داخل المنـاطق التي تعـاني من التمرد مثل دارفور والمنطقة الشرقية، وهل لها تأثير في الأحداث؟
◄ انقسم المشاركون في تحديد حجم حضور الإسلاميين في مناطق التمرد داخل السودان إلى فريقين، وحصر الفريق الأول وجود الإسلاميين في هيئات ووفود الحزب الحاكم، فقال اللواء محمد الأمين: «إن وجود الجماعات الإسلامية يعتبر وجوداً حكومياً بحكم الوظيفة وليس فى مجال الدعوة». ووافقه الشيخ سليمان أبـو نـارو، ولكنـــه قصـــر ذلك علــى «.. الجناح الآخر من المؤتمر الوطني (الشعبي) أما غير ذلك فلا يوجد»، ووجه الشيخ أبو نارو نقداً للحركة الإسلامية السودانية بقوله إنها أصبحت «حركة مثقفين محصورة في المدن والجامعات فقط وغير ممتدة فى العمق السوداني». ويؤكد اللواء الأمين على أن وجود الحركة الإسلامية ممثلة في الحزب الحاكم ليس له التأثير الإسلامي المطلوب؛ لأنه: «يتكون من خليط ما بين فئات المجتمع، ولا يوجد هدف إسلامي واضح له، وحتى خطاب الوفود في (أبوجا) لا يتحدث عن الاتحاد الإسلامي، بل عن القضايا السياسية».
أما الفريق الآخر فيثبت للحركة الإسلامية وجوداً لا بأس به في مناطق التمرد، ولكنه ينفي عن هذا الوجود التأثير الإيجابي، فيقول الشيخ محمد سيد حاج: «إن معظم الحركات الإسلامية سواء بمفهومها العام (الأحزاب التقليدية ذات الجذور الإسلامية) وبمفهومها الخاص ذات التبني الواضح للإسلام توجد في مناطق التمرد، بل بعض قادة التمرد في دارفور كانوا من منسوبي الحركة الإسلامية الحاكمة، أما المنطقة الشرقية ففيها ثقل واضح لجماعة أنصار السنة المحمدية».
ومــن حيث التأثيـر يقــول الشـيخ أبو نارو: «لا توجد حركات إسلامية مؤثرة فى مكان التمرد، وإنما هناك جماعات دعوية تدعو ولكن لا تأثير لها، وهناك طوائف وأحزاب في الشرق مثلاً يتبعون الطائفة الختمية، وفي الغرب ينتمون إلى طائفة الأنصار، وهاتان الطائفتان لم تقوما بالواجب المفروض».
ولكن يؤكد الشيخ محمد هاشم الهدية على أن جماعة أنصار السنة لها وجود فاعل في دارفور في بعض المجالات، فيقول: «نحن سبق لنا وجود وإلى الآن في داخل المناطق التي تعاني من التمرد، وفي دارفور فإننا نحمل إغاثاتنا ومعها الدعاة نظراً لحاجة هؤلاء الذين لم يحصلوا على علم يرفع مستواهم حتى لا ينخدعوا بالتنصير الكنسي الذي يغزو هذه المناطق، ونحس بأننا قد وفقنا في ذلك. وحتى الآن نحن في وسط هذه المناطق نمد يد العون والمساعدة لهم».
البيان: ما هو الموقف الذي ينبغي أن تتبناه الحركات الإسلامية السودانية إزاء الضغوطات الهائلة التي يتعرض لها السودان للتخلي عن هويته الإسـلامية، وبالأخص في مواجهة حركات التمرد التي تعصف بكيان الدولة؟
◄ دعا المشاركون إلى تبني الحركات الإسلامية في السودان لعدد من المواقف والسياسات لمواجهة الهجمة النصرانية الشرسة على هذا البلد الإسلامي العريق، لكن مع ملاحظة ما يلي:
أولاً: يقول الدكتور إسماعيل حنفي إنه: «لا بد من الاعتراف بالتقصير تجاه تلك المناطق فى مجال التنمية وغيرها، ونحن في السودان نتعامل بالعاطفة، وكان الأوْلى معالجة مشكلات هذه المنطقة قبل اشتعالها» ثم دعا «إلى اتخاذ موقف واضح ومشترك للحركات الإسلامية، والترفع عن الإشكاليات، والتصدي لهذا الخطر الذي يستهدف الوجود الإسلامي، ولا يتحقق ذلك إلا إذا أُخلصت النوايا».
ثانياً: يقدم اللواء محمد الأمين نصيحة للإسلاميين أن يتجهوا: «جنوباً؛ لأن السودان يمثل دوراً ريادياً في أفريقيا أقوى بكثير من الذى يمثله في العالم العربي؛ لأن منبع التمرد في الأصل الجنوب، ثم تأثرت به المناطق الأخرى». بينما يدعو الشيخ سليمان أبو نارو إلى تكثيف الحضور «داخل مناطق التمرد على مستوى الأفراد والجمعيات الخيرية والحركات ليصبح هناك تأثير إيجابي».
ثالثاً: يعتبر الشيخ أبو زيد حمزة أن توحد الإسلاميين هو الحل الأمثل لمواجهة الأخطار، فيقول: «الموقف الذي ينبغي أن تتبناه الحركات الإسلامية أن تتحد أولاً في نفسها وأن يتناصحوا وأن يرجعوا إلى دينهم الأول الذي يجمع بينهم ويوحدهم؛ فالعدو يعلم أن المسلمين لو رجعوا إلى دينهم سوف تعود إليهم قوتهم؛ لذلك يعمل العدو جاهداً لتفريقهم وتقطيع أوصالهم». ثم يستدل الشيخ على كلامه بأن المتمردين في دارفور كلهم من المسلمين، فيقول: «لقد زرتُ هذه المناطق ومعظم مناطق الشرق والغرب حتى وصلت إلى الأهالي هناك، وهم مسلمون، ولم أرَ فيهم نصرانياً قط».
رابعاً: يضيف الشيخ محمد الهدية عنصراً هاماً لكي يكتسب اتحاد الإســـلاميين قـــوة، فيقـول: «العلاج لا يكون إلا إذا تكتل المسلمون في صعيد واحد، وأقنعوا السلطة أن تقف بجانبهم؛ فإن الحق يحتاج لسلطة تحميه».
خامساً: يذكر الشيخ محمد حاج تفصيلات لهذا الموقف الموحد: «لا بد من قيام تيار عريض بعيداً عن الاستقطاب السياسي يقوم عليه العلماء للمحافظة على نسيج المجتمع القيمي والاجتماعي مع تكثيف البرامج الدعوية والتربوية في أوساط المسلمين ـ ومن جهة أخرى لا بد من دعم الدولة القائمة بالنصح وبيان خطورة المخطط، وكذلك بالسعي للمحافظة على كيان الدولة ـ إذا توحد المسلمون في السودان فيمكنهم أن يقودوا زمام المبادرة بأعتبارهم قوة كبيرة، ومن ثم حل مشكلات المسلمين القبلية والعرقية وغيرها».
البيان: ما موقف الشعب السوداني من أزمة دارفور؟
◄ يتفق المشاركون على أن الشعب السوداني تتنازعه الحيرة والانقسام حيال أزمة دارفور، فيقول اللواء محمد الأمين: «إن الشعب في حيرة من أمره كمثل صاحب الجرة التي تكسرت منه لا يستطيع صناعتها بصورة جيدة، ولا يمكن اعادتها إلى حالها الأول». ويقول الشيخ أبو زيد حمزة إن: «الشعب السوداني منقسم على نفسه في أمر دارفور، ومنهم من ينادي بالتدخل الأجنبي؛ فكل الذين لا يريدون وحدة الأمة ويعملون ضدها يريدون تدخل القوى الأجنبية بدعوى الإنصاف والرحمة ولذلك نقرأ في الصحف بعض الكتّاب الذين يتباكون على قضية دارفور ومنهم من يرى الخطر الداهم من التدخل العسكري». لكن رغم هذا الانقسام يؤكد الشيخ حمزة على أن «الغالبية العظمى يرون حل هذه القضية دون التدخل الأجنبي، ويخشون أن تحدث في بلادنا مثل ما حدث في أفغانستان والعراق وغيره من البلاد التي تدخلت فيها أمريكا وحليفاتها».
ويقدم الشيخ سليمان أبو نارو تقسيماً لفئات المجتمع السوداني في موقفه من الأزمة فيقول: «يمكن تقسيم الشعب السوداني إلى فئات:
الأولى: عامة الناس؛ والإنسان العادي نجد انفعاله ضعيفاً.
الفئة الثانية: القوى السياسية والمثقفون، وهنا تظهر الفجيعة؛ لأنهـــم لا يرون بأساً من التدخل.
الفئة الثالثة: قطاع العلمانيين والنصارى لا يرون في ذلك شيئاً، وتصورهم عكس ما نتصوره نحن.
الفئة الرابعة: هم الذين يسمون أنفسهم بالوطنيين نجد انفعالهم طيباً. عموماً الانفعال العام هو الرفض التام للتدخل بشتى أنواعه».
ويؤكد الدكتور إسماعيل حنفي على أن: «التفاعل مع القضية ليس بالمستوى المطلوب، ولكن أغلب الشعب السوداني يتألم لما يحدث في دارفور، ولا بد أن يكون التفاعل مع القضية أكبر من ذلك».
ويحاول الشيخ محمد سيد حاج أن يقدم مسوغات لهذا الموقف الشعبي السلبي، فيقول عنه: «لعل هول الصدمة هو ما جعل عموم الشعب صامتاً، ولكن بعض من تكلم معنا من عامة الشعب من مختلف القبائل يستنكرون استغلال (فتنة القبلية) لصالح برامج أجنبية معادية للدين».
ويشير الشيخ محمد الهدية إلى أن الشعب السوداني يؤيد الحوار بدلاً عن القتال لحل الأزمة، فيقول: «نحن نرى ونحس أن الشعب السوداني جميعه وفق ما كتبت الصحف يفضل الحوار بدل القتال، بل يدين القتال، ولا سبيل للحل إلا بالحوار، ونرجو من أبنائنا حاملي السلاح أن يرجعوا إلى صوابهم، وأن يعودوا إلى الحوار».
|
||
|
|