السنة  التاسعة عشرة  * العدد 204* شعبان 1425هـ  *   سبتمبر/أكتوبر  2004م

 لا ينال عهدي الظالمين..!

 

راوية توفيق

ويحاول المقال مناقشة هذه التساؤلات وإلقاء الضوء على بعض الحقائق الأساسية التي يجب أخذها في الاعتبار عند تحليل هذا النزاع.

` دارفور: القبائل والمجموعات السكانية:

يقع إقليم دارفور في أقصى غرب السودان، وتحده ثلاث دول هي: ليبيا، وتشاد، وأفريقيا الوسطى. وهو إقليم تبلغ مساحته 510 آلاف كم2، ومقسم إدارياً إلى ثلاثة أقاليم هي: شمال وغرب وجنوب دارفور. ويبلغ عدد سكانه حوالي ستة ملايين نسمة من عرقيات عربية وأفريقية.

وتنقسم القبائل فيه إلى «مجموعات القبائل المستقرة» في المناطق الريفية، والتي يسكن بها حوالي 75% من السكان، ومنها «الفور» (التي جاء منها اسم الإقليم) و«المساليت» و«الزغاوة» و«الداجشو» إضافة إلى مجموعات القبائل الرحل التي وفدت إلى المنطقـة وتتنقـل مـن مـكان لاَخـر مثل «المحاميد»، و «بني حسين» و «الرزيقـات» و «المعالية». وغالبية القبائل المستقرة من الأفارقة، وبعضهم من العرب، بينما غالبية القبائل الرحل من العرب، وغالبية سكان دارفور مسلمون سنة.

وتؤكد عدة دراسات أن الرحل والمجموعات المستقرة من المزارعين قد عاشوا في انسجام، ونشأت بينهم علاقات مصاهرة. وقد كانت هناك صراعات قبلية على المرعى والأرض ومصادر المياه، لكن هذه الصراعات كانت محدودة، ويتم تسويتها من خلال الأطر والأعراف المحلية، إلا أن هذه الأوضاع بدأت في التغير مع تشعب النزاع وتأثير بعض العوامل الإقليمية.

إذن؛ فقد كان هناك أسباب عدة وجذور متشعبة لهذا النزاع نفصلها في المحور التالي.

` أسباب وجذور النزاع: عرقية، أم اقتصادية اجتماعية؟

بالإضافة إلى عنصر الصراع على الموارد الطبيعية نتيجة لاختلاف النمط الإنتاجي بين القبائل الإفريقية المستقرة والقبائل العربية من الرعاة الرحل، هذا الصراع الذي زاد من تعقده ظروف التصحر والجفاف في الإقليم؛ فإن هناك عدداً من الأسباب التي أدت إلى تصعيد الخلافات العادية بين الرعاة والمزارعين والتي كانت تتم تسويتها من قبل بشكل سلمي، ومن أهم تلك الأسباب:

كانت الإدارة المحلية في الإقليم، والمتمثلة في السلطان والناظر والعمدة والشيخ تقوم في الماضي بعمل تنظيمي ايحابى لحل النزاعات بين القبائل سلمياً. وكانت هذه الإدارة تمتلك سلطة قانونية خولتها لها الدولة بجانب مكانتها الاجتماعية بين القبائل، إلا أن هذه الإدارة قد ألغيت من قِبَل الرئيس السابق جعفر نميري الذي استبدلها بلجان الاتحاد الاشتراكي التي لم تتناسب مع التعددية التي اتسم بها الإقليم. ويشير ذلك إلى حقيقة أن الحكومات السودانية تتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذا النزاع لعدم تفهمها طبيعة هذه المناطق والآليات المناسبة للتعامل مع الخلافات التي تنشأ فيها.

كذلك تتحمل الحكومات السودانية المتعاقبة جزءاً من المسؤولية عن هذا النزاع لعدم اهتمامها بتنمية غرب السودان الذي عانى من التهميش على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؛ فالإقليم يفتقر بشكل واضح للبنية التحتية والمشروعات الاستثمارية الكبيرة والخدمات التعليمية والصحية، والتنمية الزراعية والحيوانية، ويعاني من البطالة التي دفعت العديد من الشباب إلى الانخراط في التنظيمات العسكرية.

وبالإضافة إلى الأسباب الداخلية هناك بعض العوامل الإقليمية التي غذَّت هذا النزاع؛ فهناك عدد من القبائل الأفريقية والعربية في دارفور مشتركة بين السودان وليبيا وتشاد؛ وقد تأثرت هذه القبائل بالتفاعلات السياسية داخل هذه الدول، وبين هذه الدول بعضها ببعض. فقد تأثرت بالحرب الأهلية في تشاد في السبعينيات والثمانينيات حتى أصبحت دارفور مسرحاً خلفياً للقوى والصراعات الدائرة في تشاد؛ كما أصبحت معبراً للسلاح بين هذه القوى مما أدى إلى انتشار السلاح في الإقليم.

وتذكر بعض التحليلات أن هناك أطرافاً إقليمية قد تدخلت لدعم متمردي دارفور، فتلمِّح لدور إسرائيلي في هذا النزاع، وهو ما أكدته الحكومة السودانية، كما اتهمت الحكومة السودانية إريتريا بدعم المتمردين، والعمل كحلقة وصل بين بعض حركات التمرد وإسرائيل.

وبذلك يتضح أن النزاع في دارفور ليس مجرد نزاع عرقي بين قبائل عربية وأخرى إفريقية؛ فهو نزاع يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية، وهو في أحد أبعاده نزاع طبيعي بين مزارعين ورعاة غذَّته ظروف التهميش التي يعاني منها الإقليم، وبعض العوامل الإقليمية التي وفَّرت السلاح للأطراف المقاتلة. وإذا كانت الحكومة السودانية تتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذا النزاع، كما سبق التوضيح، فإن أطراف النزاع الأخرى شريكة في المسؤولية وفي الأزمة الإنسانية التي عصفت بالإقليم. ويعرض المحور التالي لهذه الأطراف وأهدافها وآلياتها لتحقيق تلك الأهداف.

` أطراف النزاع: بين عدالة القضية والانتهازية السياسية:

هناك ثلاث حركات تمرد أساسية ناشطة في إقليم دارفور بالإضافة إلى ميليشيات الجنجاويد التي تتهمها حركات التمرد ووكالات الإغاثة بأنها من أنصار الحكومة السودانية؛ بينما تنفي الحكومة ذلك. وقبل التفصيل في أهداف هذه الحركات وآلياتها تجدر الإشارة إلى أن حركات التمرد الثلاث الحالية في دارفور قد سبقتها بعض الحركات التي تأسست منذ الستينيات أهمها: جبهة نهضة دارفور التي ركزت على المشاركة في السلطة والثروة وكانت حركة سياسية، وحركة بولاد التي كانت ذات طبيعة عسكرية.

أما الحركات الحالية فهي:

1 - حركة تحرير السودان: وقد نشأت كحركة مسلحة في فبراير 2003م من قبائل الزغاوة والفور والمساليت والبرتي وآخرين من القبائل الإفريقية. ويتزعمها المحامي «عبد الواحد نور» من قبائل الفور بينما يحتل «أركو مناوي» موقع أمينها العام، ومعظم القادة العسكريين في صفوف الحركة كانوا ضباطاً سابقين في الجيشين السوداني والتشادي.

وترى الحركة، كما جاء في إعلانها التأسيسي، أن دارفور كانت تتمتع بالاستقرار والرخاء، وشهدت تعايشاً بين القبائل العربية والإفريقية فيها، إلا أن الحكومات السودانية المتعاقبة، المدنية منها والعسكرية، اتجهت نحو سياسات التهميش والتمييز العنصري والاستغلال والتقسيم تجاه الإقليم، بل تجنيد بعض القبائل العربية لتقاتل ضد القبائل الإفريقية التي طالما عاشت معها في تناغم تام. وتؤكد الحركة أن هذه السياسات بلغت ذروتها مع مجيء حكومة الإنقاذ إلى الحكم عام 1989م، والتي أمعنت في سياسة الفصل العنصري بين القبائل العربية والأفريقية في الإقليم، وانتهاك حقوق الإنسان فيه إلى حد وصل إلى التطهير العرقي في بعض المناطق، وفقاً لمزاعم الحركة. وهذه الظروف والمسوِّغات هي التي أدت الى إنشاء الحركة.

وهدف الحركة وفقاً لإعلانها هو «خلق سودان ديمقراطي موحد على أسس المساواة، وتفويض السلطة، والتنمية والتعددية السياسية، والرفاهية المادية والأخلاقية لكل أبناء السودان». وتدعو الحركة أبناء دارفور من العرب الى الانضمام إليها ضد حكومة الخرطوم لتحقيق هذه الأهداف.

والجدير بالملاحظة أنه رغم أن الحركة فعالة عسكرياً، إلا أن أجندتها السياسية لا ترقى الى نفس المستوى. ورغم ذلك فقد قبلت الحركة مؤخراً في التجمع الوطني الديمقراطي المعارض، وأصبحت تنسق رسمياً مع الحركة الشعبية لتحرير السودان في الجنوب ومؤتمر البجا في الشرق من خلاله.

2 - حركة العدل والمساواة: نشأت الحركة عام 2003م بعد حركة تحرير السودان، ويقودها «خليل إبراهيم» الذي ينتمي إلى قبائل الزغاوة؛ بينما يقود عملياتها العسكرية «التيجانى سالم درو». ودواعي قيام الحركة هي أوسع نطاقاً وتفصيلاً مما جاء في إعلان حركة تحرير السودان؛ فقد تطرق البيان التأسيسي للحركة لقضية احتكار السلطة من قِبَل الشمال. ويذكر البيان بعض الحقائق التي جاءت في الكتاب الأسود الذي كان «خليل إبراهيم» أحد المشاركين الأساسيين في إعداده، والذي حوى حصراً لكافة المناصب القيادية في السودان منذ الاستقلال ليثبت مقولة هيمنة الشمال على السلطة واستئثاره بها. هذا بالإضافة إلى الدواعي الأخرى مثل ضعف التنمية، والتفرقة العنصرية، وتراجع الحكومة عن الحكم الفيدرالي، وغيرها من الدواعي التي ورد مثيلها في إعلان حركة تحرير السودان.

وأهداف الحركة، كما ورد في بيانها التأسيسي، هي: إنهاء التمييز العنصري في منهج الحكم في السودان، ورفع الظلم الاجتماعي والاقتصادي والاستبداد السياسي عن كاهل الجماهير، وإشاعة الحرية والعدل والمساواة، ووقف جميع الحروب، وبسط الأمن وتأمين وحدة البلاد، وتسخير إمكانات الدولة وتوجيهها لتحقيق تنمية بشرية واقتصادية متوازنة، ومحاربة الفقر، وإقامة نظام فيدرالي ديمقراطي لحكم البلاد.

وترى الحركة أن أهم وسائل تحقيق هذه الأهداف تتمثل في: اعتماد النظام الفيدرالي أساساً لحكم السودان، واعتماد النظام الاتحادي الرئاسي الدائري لضمان تداول السلطة بين أقاليم السودان المختلفة، وتأكيد سيادة القانون واستقلال القضاء، وتقسيم مناصب رئيس الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ورئاسة مجلس الشيوخ ورئاسة البرلمان والقضاء والمحكمة الدستورية والحقائب الوزارية بين أقاليم السودان المختلفة، واختيار رئيس الجمهورية وولاة الولايات بالانتخاب الحر المباشر، واعتماد المواطنة أساساً للحقوق والواجبات دون تمييز على أساس الدين أو الجنس أو العرق أو اللون.

ويتضح مما سبق أن الحركة لها أجندة سياسية أكثر تفصيلاً وقوة من حركة تحرير السودان، وأن كلاهما ينطلق من مقدمات متشابهة ويحمل أهدافاً متقاربة، وإن كانت المقدمات والدواعي التي انطلقت منها حركة العدل والمساواة أوسع نطاقاً؛ لأنها لا تقتصر على إقليم دارفور، كما أنها تطرح فكرة تقاسم السلطة بشكل أكثر تفصيلاً.

3 - حزب التحالف الفيدرالي: وهو الأقل نشاطاً مقارنة بالتنظيمين السابقين، ويتزعمه «أحمد إبراهيم دريج» الذي ينتمي الى قبائل الفور، ونائبه هو «شريف حرير» من قبائل الزغاوة. والجدير بالذكر أن «أحمد إبراهيم دريج» كان من أنشط أعضاء جبهة نهضة دارفور التي تشكلت عام 1964م، ولكن حزب الأمة قد سارع آنذاك باستيعابه وضمه، واختاره رئيساً للمعارضة مما أدى إلى توقف نشاط الجبهة.

وعلى الجانب الآخر وفي مواجهة تلك التنظيمات الإفريقية المسلحة تأتي ميليشيات الجنجاويد، وهي ميليشيات من الفرسان المسلحين من قبائل البدو الرحل العربية القادمة في الأصل من شمال دارفور ودولة تشاد. وهم أساساً جماعات تقتات من النهب المسلح، وينسب إليها أنها تقوم بعمليات قتل ونهب وإحراق الآلاف من المنازل، وأن هدفهم من مهاجمة القبائل الإفريقية هو طردهم من بيوتهم، وإجبارهم على التخلي عن موارد المياه والمراعي المهمة للقبائل الرحل ذات الأصول العربية، مما يؤكد أن الصراع هو في أحد جوانبه صراع على الموارد. كما أن هذه الميليشيات تهاجم أحياناً بعض القبائل العربية التي ترفض الانضمام إليها مما يؤكد أن القضية ليست مجرد نزاع عرقي بين عرب وأفارقة.

وبذلك يمكن استنتاج أن التنظيمات الأفريقية المسلحة تدافع نظرياً عن قضية عادلة، وإن ساقت في بعض الأحيان دواعي مشكوكاً في صحتها، مثل مسالة التطهير العرقي التي شككت العديد من المصادر المستقلة في صحتها ومنها صحيفة الجارديان البريطانية، بل وكولن باول نفسه لدى زيارته للإقليم في يوليو الماضي، ولكنها في الوقت ذاته ليست مجرد جماعات تسعى إلى تنمية إقليم يعاني من التهميش، وقضيتهم هي ليست ببساطة، كما يعبر قادتهم، قسمة الثروة والسلطة بعدالة ومساواة؛ فالصورة أعقد من ذلك.

إن هذه التنظيمات العسكرية هي حركات مسلحة اشتركت في القتال، وينسب إليها العديد من خروقات وقف إطلاق النار، وانتهاكات حقوق الإنسان. ولا أدل على ذلك مما نقله المركز السوداني للخدمات الصحفية من أنباء عن تنظيم جديد لأبناء دارفور بواشنطن يتهم حركتي التمرد الناشطتين في دارفور بخرق اتفاق نجامينا لوقف إطلاق النار، والذي وقع في أبريل من هذا العام. وقد قام هذا التنظيم بمظاهرة أمام الكونجرس الأمريكي لم تحظ بتغطية إعلامية. وكان المتحدث العسكري باسم حركة العدل والمساواة قد أكد لوكالة فرانس برس أنه «ليس هناك وقف لإطلاق النار» في إعلان صريح بنسف الاتفاق.

كذلك تنقل بعض وكالات الأنباء مهاجمة حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان للمدنيين، واختطاف الأطفال والاستيلاء على بعض الآلات التي تعمل في مشاريع توفير المياه للإقليم، بل وفي بعض الأحيان مهاجمة قوافل الإغاثة والعاملين في المنظمات الإنسانية العاملة بالإقليم للحصول على المؤن والأغذية.

ومن ناحية أخرى فإن هناك انقسامات حادة داخل هذه التنظيمات المسلحة بشكل يعوق التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الوضع المتأزم في الإقليم. فقد تناقلت وكالات الأنباء أنباءً عن انشقاقات حادة داخل حركة العدل والمساواة لرفض عدد من المنتمين للحركة النهج التخريبي، ونقض المواثيق والاتفاقيات التي توقع مع الحكومة. وقد انشق عن الحركة بالفعل فصيل سمي «الحركة الوطنية للإصلاح والتنمية» الذي تعرضت قياداته في شهر مايو من هذا العام لاعتداء كبير أدى الى مقتل بعض أعضائه واختطاف آخرين مما دفع الحركة الى إصدار بيان حمَّلت فيه (خليل إبراهيم) رئيس حركة العدل والمساواة، وغيره من أعضاء الحركة المسؤولية عن هذا الاعتداء.

والأمر لا يختلف كثيراً في حركة تحرير السودان؛ فقد انتشرت أنباء عن صراع لعدة أجنحة داخل الحركة. وقد نقل عن القائد آدم حجاب المنشق عن الحركة أن هناك نزاعاً داخلياً قبلياً انتشر في الحركة، وكانت أهم المطالب التي أثارها بعضهم داخل الحركة إبعاد رئيس الحركة (عبد الواحد نور) وأمينها العام (أركوي مناوي) لانتهاجهما نهجاً عنيفاً، وبرزت أصوات تطالب بحملة إصلاحات جذرية أولها ضرورة التعاطي الإيجابي والجاد مع فرص السلام المطروحة. وقد كشف مؤتمر وادي هور للإصلاح والتجديد الذي عقده مجموعة من المنتمين لحركة تحرير السودان في يونيو من هذا العام عن هذا الخلاف؛ حيث أعلن المجتمعون عزل زعيم الحركة وأمينها العام مقررين أن تكون القيادة جماعية، وأن تكون هناك لجنة لتقييم وقف إطلاق النار والسعي إلى الالتزام به، وقد نفت قيادات الحركة انتماء المشاركين في المؤتمر لحركة تحرير السودان. هذا بالإضافة الى الاختلاف في الحركة حول مسألة التدخل الأجنبي بين (عبد الواحد نور) الذي يرى أن التدخل الأجنبي هو المدخل الوحيد لحل أزمة الإقليم، و (آدم النور) الذي يقدم نفسه بصفته نائب رئيس الحركة والذي يرفض التدخل الغربي معتبراً الدعوة إلى هذا التدخل بمثابة دعوة الى إعادة استعمار السودان.

إذن فخريطة القوى السياسية والعسكرية في دارفور هي خريطة شديدة التعقيد، ينشق فيها عن الحركتين الأساسيتين عدة فصائل يزعم كل منها أنه هو الممثل الرسمي للحركة، وينتقد الفصائل الأخرى. كما ترتبط بعض الفصائل بقوى خارجية، ويغير قادتها انتماءاتهم وعقائدهم. فقد كان (خليل إبراهيم) رئيس حركة العدل والمساواة عضواً في المؤتمر الوطني الحاكم والحركة الإسلامية، ووزيراً في حكومة الإنقاذ لعدة سنوات، وها هو يرفع السلاح ضد الحكومة ويتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان ذات الطابع العلماني. وفي الوقت الذي لا تحاول فيه حركات التمرد في دارفور التنسيق فيما بينها رغم تقارب أهدافها، بل ويهاجم بعضها بعضاً أحياناً بتصريحات عدائية؛ فإنها لا تجد صعوبة في التنسيق مع الحركة الشعبية في الجنوب.

وهكذا ففي الوقت الذي أعلنت فيه الحكومة السودانية استعدادها لتقاسم السلطة والثروة وعقد اتفاق مع المتمردين، وتطبيق فيدرالية حقيقية كانت هذه الحركات منشغلة بصراعاتها الداخلية للسيطرة على تلك الحركات وادعاء تمثيلها، وصراعاتها بعضها مع بعض رغم كونها نظرياً تحارب من أجل قضية واحدة؛ وذلك كفيل بالتصديق بأنه قد أصبح من التعسف تحميل الحكومة السودانية وحدها مسؤولية ما يجري في دارفور، كما جاء في قرار مجلس الأمن.

` الخلاصة:

تتفق العديد من التحليلات على أن أصل النزاع في دارفور هو صراع حول الموارد الطبيعية، وأنه ليس صراعاً عرقياً، وإن اكتسب فيما بعد بعض الملامح العرقية. وإن كانت الحكومة السودانية تتحمل قدراً من المسؤولية لعدم اهتمامها بتنمية الأقاليم المهمشة، وعدم توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل؛ فإن ذلك لا يعفي التنظيمات الإفريقية المسلحة من المسؤولية عن تصعيد القتال، وتشريد المدنيين، وانتهاكات حقوق الإنسان؛ فقد استغلت هذه التنظيمات انشغال الحكومة بمفاوضاتها مع الحركة الشعبية، ووجود مناخ دولي غير متعاطف مع الحكومة السودانية لتصعيد القتال، ورغم استجابة الحكومة وإعلانها الاستعداد لتقاسم السلطة والثروة، انشغلت هذه التنظيمات بالصراعات داخلها على السلطة لتجعل طريق السلام محفوفاً بالشكوك.

وخطورة تفجر الأزمة المسلحة في دارفور هي أنها جعلت من الأداة العسكرية ورفع السلاح ضد النظام، حتى ولو كان على حساب المدنيين البعيدين عن الصراع على السلطة، السبيلَ الوحيد أو على الأقل الأكثر جاذبية للوصول إلى السلطة والثروة في السودان حيث ترفع بعض الجماعات المهمشة السلاح في وجه الحكومة لتجبرها على التفاوض، وإذا ما تحقق السلام؛ فإنه يصبح سـلام العسكـر مـع تنظيمات ومجمـوعات مسـلحة لا تعبر بالضرورة عن مواطني هذه الأقاليم المهمشة وتطلعاتهم.

وحتى لا ينتقل لهيب القتال من الجنوب والغرب الى الشرق والمناطق المهمشة الأخرى في السودان ليتكرر نفس السيناريو السابق، ليس هناك بديل عن إرادة حقة لدى النظام الحاكم في السودان لعلاج قضايا الهامش، كل الهامش.

` أهم المصادر:

(1) إبراهيم الأمين، «لدارفور أولوية»، صحيفة الرأي العام السودانية، 20/3/2003م

(2) إجلال رأفت، «مشكلة دارفور: الأسباب والتطورات والنتائج»، الحلقة النقاشية المغلقة حول ملامح الأزمة في دارفور: الأزمة والأفق المستقبلي، جامعة القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 20/6/2004م

(3) البيان التأسيسي لحركة العدل والمساواة، موقع الحركة www.sudanjem.com

(4) البيان التأسيسي لحركة تحرير السودان، موقع الحركة www.slma.tk

(5) «الجارديان تشكك في حدوث إبادة بدارفور»، إسلام أون لاين، 2/8/2004م

(6) «بيان من حركة تحرير السودان حول تصريحات آدم النور في القاهرة»، إسلام أون لاين، 10/8/2004م

(7) حافظ حامد عبد الله، «دارفور: الأزمة، النتائج، التداعيات»، صحيفة سودان نايل الإلكترونية، 24/3/2003م.

(8) خروقات متمردي دارفور لوقف إطلاق النار (آراء ووقائع)، المركز السوداني للخدمات الصحفية www.smcsudan.net

(9) خليل إبراهيم: نشرت الكتاب الأسود لفضح سيطرة مجموعة سكانية صغيرة على البلاد»، الحياة اللندنية، 3/6/2003م.

(10) «دارفور.. الحكومة مستعدة لتقاسم السلطة والموارد»، إسلام أون لاين، 3/8/2004م.

(11) «دارفور... بوادر انقسام بحركة تحرير السودان»، إسلام أون لاين، 10/8/2004م.

(12) عبد الوهاب الأفندي، «فتنة دارفور ونهاية السياسة في السودان»، القدس العربي، 3/11/2003م.

(13) محمد جمال عرفة، «دارفور:التاريخ والقبائل والجنجاويد»، إسلام أون لاين، 9/5/2004م.

(14) مؤتمر وادي هور وصراع الأجنحة داخل حركة تحرير السودان، المركز السوداني للخدمات الصحفية.

(15) هاني رسلان، «دارفور: الأزمة والجماعات المقاتلة والأدوار الخارجية»، إسلام أون لاين، 9/5/2004م.

في الوقت الذي كان يخطو فيه السودان الخطوات الأخيرة لتحقيق السلام في الجنوب بعد حرب دامت أكثر من عقدين، كان نزاع مسلح آخر يندلع في غرب البلاد مخلّفاً وراءه كارثة إنسانية، وقد حملت وكالات الأنباء لعدة أشهر بيانات متتالية واتهامات متبادلة بين أطراف النزاع، إلا أن فهم طبيعة هذا النزاع يحتاج إلى تحليل خلفيته والإجابة عن تساؤلات عدة: ما هي الأطراف الأساسية في هذا النزاع؟ وما هي أجندتها وأهدافها؟ وما هي أسباب هذا النزاع، وهل هو بالفعل نزاع عرقي يهدف إلى تصفية عرقية للقبائل الأفريقية في الإقليم كما يحلو لبعض الأطراف أن تصفه تحقيقاً لمصالح خاصة؟


(*) معيدة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.