|
الجزء
الأول
كلام خارج الظل
هي شجرة غريبة، جلبوها من أحراش الغرب الفكرية، وغرسوها في تربة ليست
بتربتها.. لم تنبت كما أرادوا، فراحوا يعملون في أشجار هذه التربة
تقطيعاً وتحريقاً؛ لاستنبات الشجرة الغريبة.. قالوا: إن هذه الشجرة
لا تنبت وسط أشجار من غير فصيلتها، حرثوا الأرض لها، اقتلعوا كل ما
عداها، ثم راحوا يجففون المنابع عن كل ما سواها؛ لتوفير التربة
المناسبة والمناخ الملائم.. شجرة مدللة محمية !..
وعَدُونا بقطف ثمارها عندما تينع باسقة، ووعَدُونا بالراحة في ظل
رخائها، ووعدُونا بالتمتع بشمس الحرية وبالتنعم بنور العلم اللذين
حُرمنا منهما عندما حجبتها الأشجار المقتلَعة.. هكذا وعدُونا وهكذا
زعموا!.
استوت الشجرة الغريبة الغربية وأينعت، فإذا بنا نطعم ثمارها حنظلاً،
وإذا بظل رخائها يُتخم بطوننا فقرًا وفسادًا، وإذا بشمس حريتها تُلهب
ظهورنا قمعاً وقهرًا، وإذا بنور علمها يغشى بصيرتنا وهمًا وسرابًا..
!.
قالوا: صبراً ! فلا بد من دفع ضريبة التقدم، ولا بد من تحمل مشاق
الطريق.. فمَن زرع حصد، ومَن جدَّ وجد.. صَبَرْنا وصَبَرنا وتحملنا،
نعم.. هم حصدوا وهم وحدهم وجدوا، أما نحن فوجدنا أنفسنا نجلس في
العراء لنشاهد تساقط أوراق شجرتهـم غير مأســوف عليها.. عنـدهـا
قالوا: إن ما ذقتموه ليس حنظلاً؛ بل هو شهد مصفَّى، والعيب في
ذائقتكم، وإن تساقُط أوراق الشجرة ليس علامة مرض واحتضار،
بل علامة صحة وتجديد، والعيب في بصيرتكم.. عليكم بتجرع المزيد..!
تلكم هذه قصة العلمانية في بلادنا..
فحتى متى المخادعة؟ وإلى متى نستمرئ الدجل؟ متى نقتلع هذه الشجرة من
أرضنا المباركة ونتخلص من سمومها وحنظلها؟
إلى
الذين ما زالوا يشكُّون في هذه المخادعة، ويترددون تجاه هذا الدجل،
ويتحيرون في الموقف من العلمانية والعلمانيين.. نقدم هذا الملف: ليس
تصيُّداً لأوراقهم المتساقطة؛ فتساقط الأوراق لم يبق من شجرتهم
الخبيثة إلا عصا هراوة.. وليس جمعاً لكل حصاد العلمانية، فحنظلهم علا
وطمَّ..
وهذا الملف للعلمانية أقل من جرد حساب لكامل التجربة العلمانية،
وأكثر من مجرد هجاء لها؛ فهو يكشف نقطة من بحر.. عفواً: نقطة في
مستنقع.. مستنقع آسن تُرفع على حدوده لافتة تقول: ممنوع دخول الطهر
والمتطهرين.. محمية محظورة!
الجزء
الثاني
وما زال
الحديث مستمر
عندما تُذكَرُ
العلمانية يتبادر إلى ذهن بعض الأشخاص شكلاً من أشكال مخالفة أو
محادة الشريعة بمعناها القانوني، وقد تذهب الأنظار بهم إلى بقعة (أو
بقاع) معينة في عالمنا الإسلامي اشتهرت بتلك المخالفة (أو المحادة)،
وهذا التصور إما أنه ناشئ عن قصور في معرفة العلمانية، أو محدودية في
فهم الإسلام، أو عدم إحاطة بمدى التغلغل العلماني في واقعنا.
فالعلمانية مذهب
فكري له أساس عام، تنبثق منه تصورات وأفكار تشمل الحياة كلها، وتبنى
على قاعدة هذه التصورات والأفكار هياكل ومؤسسات ونظم وتكتلات تتغلغل
في حياة الأفراد والجماعات لتصبغهم بصبغتها، وتسيرهم وفق فلسفتها.
وفي المقابل: فإن
الإسلام ـ كما هو معلوم عند جميع المؤمنين به ـ دين يحوي نظاماً
متفرداً وذا خصوصية؛ فهو دين شامل ومهيمن وموجه لحياة الأفراد
والجماعات: أفكارهم وتصوراتهم، مشاعرهم وعلاقاتهم، نظمهم ومؤسساتهم..
فالإسلام على حقيقته والعلمانية في جوهرها ضدان لا يجتمعان ولا
يتفقان، وحسب قوانين الإحلال (أو الاحتلال) فإنه كلما ارتفع أحدهما
في مجال (أو أكثر) انخفض الآخر في هذا المجال، والعكس بالعكس.
ومن هذا المنطلق
حرصت البيان أن تكون مشاركات هذا الملف على طرف من الشمول الموضوعي
والتنوع الجغرافي، حتى يقدم مساهمة في إيضاح نماذج لهذا التنوع
والانتشار، آخذين في الاعتبار أن الإحاطة بهذا الموضوع لا يقوم به
ملف واحد ولا حتى مجلد واحد.
ففي الحلقة الماضية
قدم لنا الدكتور عوض القرني عرضاً موجزاً لفكرة العلمانية ومفهمومها
وظروف نشأتها في موطنها الأصلي (الغرب)، وبين أن هذه الفكرة والظروف
لا تتفق مع حقيقة إسلامنا وظروف مجتمعنا الذي قام على هذا الدين، ثم
بحث الأستاذ خالد أبو الفتوح في جذور العلمانية والتغريب ومسيرتها في
عالمنا الإسلامي، متنقلاً بين سنوات التاريخ وحدود الجغرافيا، فتحدث
عن مصر والشام وتركيا والجزائر. وعن الليبرالية العربية المستقاة من
الفكر الغربي تحدث الأستاذ محمود سلطان موضحاً أحد أكبر تجليات
العلمانية، وفي المجال السياسي بيَّن الأستاذ كمال حبيب الأثر المدمر
للقومية في مسيرة منطقتنا، موضحاً إخفاقها في إقامة بديل خالٍ من
التبعية والتشرذم لأساس الولاء والبراء في الإسلام، وأخيراً حدثنا
الدكتور مصطفى محمود أبو بكر عن جانب من علمانية الاقتصاد، رابطاً
بين العلمانية والعولمة، وموضحاً إخفاق خطط التنمية التي قامت على
هذا الأساس ومدى الفساد الاقتصادي والاجتماعي الذي صاحبها.
وفي هذه الحلقة يجد
القراء استكمالاً لهذا الحديث، من خلال مشاركات عن العلمانية بوجهها
الفكري والسياسي والقانوني والاجتماعي، في بلاد متعددة، كتركيا وتونس
ومصر والهند، نتركك تطالعها بنفسك.. وما زال الحديث مستمراً.
|