تشهد الساحة الجزائرية صراعاً داخلياً عنيفاً، برزت معالمه بقوة بعد إلغاء الانتخابات في عام 2991م، ثم اشتعلت حرب ضروس قادها التيار الاستئصالي في المؤسسة العسكرية، أدخلت البلاد في دوَّامة سياسية مضطربة، أنهكت الشعب الجزائري وأتت على كثير من حقوقه وخيراته. وبعد أكثر من عشر سنوات من السجن خرجت قيادات الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وعلى رأسها: الشيخان عباسي مدني، وعلي بن حاج، وقبيل عيد الأضحى الماضي أعلن الشيخ عباسي مبادرته للوئام، في الوقت الذي يستعد الجزائريون للانتخابات الرئاسية في شهر أبريل القادم. وللوقوف على حقيقة هذه المبادرة وموقف المؤسسة السياسية منها؛ نلتقي فضيلة الشيخ عباسي مدني رئيس الجبهة الإسلامية، ونسمع منه رؤيته في الانتخابات، والمخرج من الأزمة التي يعاني منها الشعب الجزائري. n ضيفنا في سطور: وُلد الشيخ الدكتور عباسي مدني بمدينة سيدي عقبة جنوب شرقي الجزائر 82/2/1391م، بدأ تعليمه في المدرسة القرآنية، وختم حفظ القرآن الكريم في سنوات طفولته، التحق بالمدارس الفرنسية الابتدائية لكنه طرد منها كمعظم أطفال الجزائر القرويين، إثر ذلك تكفل بتعليمه الشيخ النعيمي في أحد مساجد بسكرة العتيقة، كما تعلم أيضاً بالمدارس الحرة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، في عام 3691م سجَّل في الدراسات العليا لدراسة الفلسفة والتربية، واستمر في دراسته حتى حصل على الدكتوراه درجة ثالثة، في الفترة من 5791 ـ 8791م انتقل إلى لندن وحصل على دكتوراه دولة في التربية المقارنة، عاد إلى بلده مدرساً ومحاضراً بجامعة الجزائر، وبدأ بعد عودته بسلسلة من الدروس والمحاضرات والنشاطات المتنوعة والاتصال بالشيوخ والدعاة. وحياة الشيخ ـ حفظه الله ـ حافلة بالأعمال الجليلة، مواكبة للأحداث والتطورات التاريخية التي مرت بها الجزائر منذ شبابه إلى الآن، في كفاح مستمر وجهد متواصل يسعى إلى تحقيق حياة إسلامية ينعم بها الشعب الجزائري المسلم، ويعد تأسيس حزب «الجبهة الإسلامية للإنقاذ» أبرز المحطات والأعمال في حياة الشيخ، حيث سعى مع الشيخ علي بن حاج إلى تأسيس الحزب، والذي فاز بالأغلبية في الانتخابات البلدية عام 0991م، وبعد استعداد الجبهة لدخول الانتخابات التشريعية بزعامته تم إلغاء الانتخابات، ليدخل الحزب في إضراب سلمي، ويُعتقل الشيخان، ويصدر في حقهما حكم نهائي بالسجن 21 سنة نافذة، لكن أفرج عن الشيخ عباسي مدني بعد 6 سنوات إفراجاً مشروطاً، ثم حُوّل إلى الإقامة الجبرية، صار بعدها معزولاً عن عائلته التي استقرت في ألمانيا وعن الناس وعن الأحداث، وصار تهدده أمراض كثيرة، إلى أن رُفعت عنه الإقامة الجبرية يوم الأربعاء 2/7/3002م، ليطرح بعد ذلك مبادرته لحل الأزمة في الجزائر. البيان: فضيلة الشيخ عباسي مدني، بعد الانتخابات السابقة التي تدخّل فيها الجيش، ودخلتم إلى السجن مع قيادات الجبهة، حصلت تغيرات كثيرة في داخل الجزائر، وحصلت فتنة عريضة، هل لكم أن تحدثونا عن الذي جرى في هذه الفترة؟ ◄ بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، ورضي عن الصحابة وعن التابعين، والحمد لله رب العالمين. الحقيقة سؤالكم الكريم يريد أن يرجع بي إلى ما يزيد على 21 عاماً، والرجوع لهذه الفترة قد يكون مفيداً إلى حد ما؛ لأن القضايا المستجدة كلما أردنا النجاعة والفعالية يقل اهتمامنا بتلك الفترة، وما دامت الرغبة أن نتذكر، فلنتذكر وإن بشيء من الاختصار. الذي حدث في الجزائر بعد الانتخابات التشريعية التي قرر فيها الشعب الجزائري إرادته في التغيير في إطار لحظة شاملة أصيلة، في إطار مشروع مستقبلي رسالي حضاري؛ هو توقيف المسار الديمقراطي وليس الانتخابي فقط؛ بدليل المدة التي مرت كلها، والتي دلت على أن البلاد منذ ذلك العهد ألقي بها في محيط اليأس والبؤس والفقر والتقتيل والتشريد؛ بحيث لا مجال للمقارنة بين ذلك وبين ما كانت عليه الجزائر إبان تلك اللحظة، وإبان تلك الصحوة، وإبان تلك الوثبة التي وثبها الشعب الجزائري؛ مما يبين كيف أن الكيد كان خطراً، وأنه ما يزال يمضي بالبلاد في أعماق المجهول، وفي أغوار اليأس والبؤس، حتى صار الشعب الجزائري الذي كان أغنى شعب في المنطقة؛ أفقر شعب في المنطقة، وحتى صار الشعب المنتصر بنصر الله له إثر حرب التحرير التي خاضها ضد الاستعمار الفرنسي، والتي كلل الله مسعاه فيها بنجاح تام، واسترجع استقلاله الكامل، وسيادته على كافة ترابه الوطني؛ يلقى به في المجهول ثانية، وما يزال على تلك الحالة. ويلاحظ كل المؤرخين أن الشعب الجزائري ما يزال على عهده مع الله ثابتاً، وما يزال على نهج الرسول -صلى الله عليه وسلم- مستمراً، وما يزال يطمح في نهضة أصيلة تكون في مستوى قيادة إفريقيا وتلك المنطقة دون شك. كما تعلمون أن الشعب الجزائري ابتلي باستعمار يعترف جل المؤرخين بأنه كان وما يزال أخبث استعمار في العالم؛ لماذا؟ لأنه في الجزائر خاصة كان يركز على الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية، ولكن حرص الاستعمار الفرنسي على القضاء ـ حسب زعمه ـ على الإسلام وعلى اللغة العربية في الجزائر؛ ما زاد الشعب الجزائري إلا تشبثاً واستماتة إلى أن نصره الله واسترجع سيادته وحريته واستقلاله، وبصفة لم يسبق أن حققها شعب ابتلي بالاستعمار من قبل ولا من بعد حتى الآن. هذا ما جعل الاستعمار عندما عجز عن فرض سياسته الاستعمارية التي كانت متمثلة فيما يسميه بالجزائر الفرنسية، عندما خاب وخضع للاعتراف بالاستقلال التام والسيادة التامة للشعب الجزائري؛ لجأ إلى المكر والخديعة، فاعترف بالاستقلال لكنه لم يترك القرار السياسي في يد الشعب، بل وضعه في يد عملائه، وضعه في يد عملائه الذين تكفلوا بما كُلفوا به للقيام به في فترة ما بعد الإعلان عن الاستقلال الجزائري استقلالاً تاماً، والمتمثل في النظام الذي استُجلب واستورد وفُرض بطريقة الخداع بطريقة العناصر، العناصر التي تسربت من الجيش الفرنسي في جيش التحرير وسرعان ما استولت على قيادة جيش التحرير، وما أن جاء الاستقلال حتى استولت عن طريق الانقلاب الذي حدث أولاً، حتى قبل عودة المهاجرين إلى الجزائر؛ أعني في طرابلس سنة 2691م، استعمل الانقلاب الأول على الحكومة المؤقتة الجزائرية التي فاوضت فرنسا على الاستقلال، وكان يرأسها بن يوسف بن خدّة ـ رحمه الله ـ. إذاً تلاحظون أن الانقلاب وقع من أجل أن يكون القرار في يد عملاء فرنسا، وكان كذلك في عهد بومدين ثم استمر إلى اليوم، إذاً الجزائر استقلت واعتُرف باستقلالها، الجزائر استرجعت سيادتها، الجزائر صارت دولة، ولكن النموذج الذي حاربت من أجل تحقيقه والمتمثل في نداء أول نوفمبر 4591م لإقامة دولة حرة مستقلة ذات سيادة في إطار المبادئ الإسلامية، هذه الدولة هذا النموذج الذي حُدد في نداء أول نوفمبر كان هو منطلق ثورة التحرير الوطني، هذا النموذج جُمّد ووضع موضعه النظام الاشتراكي العسكري الاستبدادي الذي أقل ما يقال عنه إنه خليفة الاستعمار، وبالفعل أوغل بالجزائر في التخلف وفيما آلت إليه إلى هذه الساعة. هكذا ترون كيف أن الشعب كافح من أجل نموذج لدولة جزائرية حرة مستقلة ذات سيادة، تحترم الحريات الديمقراطية في إطار المبادئ الإسلامية، هذا المشروع الذي له أكثر من معنى من حيث الأصالة، ومن حيث أنه كان موضع إجماع من الشعب الجزائري؛ يؤجل ويجمد إلى الساعة، لم يتحقق هذا النموذج بل أتي ببديل له هو الحكم الاشتراكي العسكري. من هذا الواقع الأليم يمكن للمؤرخ أن يستنبط جميع ما يمكن أن يترتب على مثل هذا المسعى المخيب للآمال، آمال شعب أبلى البلاء الحسن طيلة قرن ونصف وهو يواجه الاستعمارالفرنسي دون هوادة، لكن شاء الله أن جعل إرادة الشعب قوية على الرغم من كل الذي حدث في عهد الاستعمار والذي حدث أيضاً في هذا العهد، فإن الشعب الجزائري ما يزال ثابتاً على دينه، ما يزال مستمسكاً به أشد الاستمساك ولن يرضى به بديلاً، من أجل ذلك بقي الشعب الجزائري قوياً وما يزال ذا طموح وذا آمال وذا استعدادات قوية لفرض وجوده، فهو كما خرج من بلية الاستعمار التقليدي منتصراً؛ إن شاء الله سيخرج أيضاً من بلية الاستعمار الحديث منتصراً إن شاء الله. البيان: كما أن أبناء فرنسا قطفوا ثمرة مواجهة الاستعمار، كذلك في الانتخابات السابقة جاء أبناء فرنسا وقطفوا ثمرة الانتخابات، وأعادوا المنطقة إلى أتون الصراع السياسي والعسكري، وحدثت في هذه الفترة مجازر كثيرة وكثر الخلط واللبس، فمن المسؤول عن هذه المجازر التي تستهدف المدنيين بكل وحشية؟ ◄ سؤالكم يحمل كل أبعاد المأساة، في مختلف أشكال التضليل والمكر والخديعة، إلى درجة أنهم جعلوا من الضحية المجرم، يذبحون القتيل ويتهمونه بالجريمة! أخي الكريم! الآن الأمور اتضحت، والمكايد انكشفت، ولم تعد ثمة أي صعوبة كي نتكلم في هذا الباب بالوضوح الذي لا يترك أي مجال للشك؛ حيث إن الضباط الذين عاينوا هذه الأحداث وعايشوا هذه المأساة انفلتوا من قبضة الجيش وخرجوا للخارج وكشفوا ما حدث، مثل الضابط (سويدية) في كتابه (الحرب القذرة)، فقد بيّن كيف كان الجنود المخصصون لمثل هذه المذابح يخرجون من الثكنات، وكيف يلبسون لباساً أفغانياً أو ما شاكله، ثم يُغيرون على الأماكن المحددة مسبقاً، وماذا يفعلون بها من مجازر، حتى إنهم يأخذون الصبي الصغير ويشوونه على النار، هذه الحقيقة ما ذكره الضابط سويدية، ثم ضباط آخرون ـ جزاهم الله كل خير ـ عندما خرجوا من الجزائر قدموا اعترافات وبينوا بالأدلة القاطعة ما فعلته هذه الأيدي الآثمة المجرمة الوحشية بالجزائر في هذه الفترة، من أولئك العقيد سمراوي، الذي كان قد وعد بنشر كتاب يفضح فيه هذه الجرائم، وسمعت أن الكتاب قد نشر الآن، ويوجد في الأسواق على ما أعتقد باللغة الفرنسية. إذاً هذه الأمور صارت مفضوحة الآن، ولا تحتاج إلى جهد كبير لإظهار هذه المآسي وهذه الجرائم، في الحقيقة باختصار شديد نطرح السؤال: لِمَ حدث وما يزال يحدث؟ كل الذي حدث من الجرائم في حق الشعب الجزائري، ماذا فعلوا بعد أن أوقفوا المسار الديمقراطي مسار الانتخابات وحرموا الشعب من استعمال قراره السياسي في صالحه والتصرف في ثرواته وفي مجالات سيادته؟ الجواب صار لا يحتاج إلى دليل، عندما زعموا أنهم منعوا من أسموهم بالإسلاميين من الوصول للحكم لأنهم إن وصلوا للحكم لا يتركونه، ثم ماذا فعلوا في هذه المدة كلها؟ لو أنهم بنوا الجزائر في هذه العشرية كما كان المشروع الذي أعده المسلمون لهذه الفترة للنهوض بالجزائر حضارياً ورسالياً! ماذا فعلوا؟ لو أنهم بنوها لقلنا لهم الحق في الكلام، لكن ماذا فعلوا؟ لقد زادوا الشعب فقراً، وزادوا الشعب تقتيلاً، وزادوا البلاد هدماً وتخلفاً وبؤساً إلى الدرك الأسفل الذي لم يشهده حتى في عهد الاستعمار الفرنسي المباشر! لذلك الحقيقة ـ أخي الكريم ـ هذه المأساة من قام بها ومن دبرها ومن يزال يعمل حتى الآن على استمراريتها واضح. البيان: لكن ألم يتورط بعض المتسرعين من أبناء الحركة الإسلامية في شيء من هذه المجازر؟ ◄والله ـ يا أخي الكريم ـ يأتي متسرع كما يقولون ويشعل عود ثقاب فيشعل بركاناً! هذا غير معقول، البركان اشتعل ولا يمكن أن يُشعله عود ثقاب، البركان هو بركان معد، وتفجيره هو تفجير في وجه نهضة أمة، وفي وجه مشروع عالمي رسالي عظيم. أخي الكريم! الناس يدَّعون ولهم أن يدعوا، ولكن هناك منطق، هناك علم يسمى بعلم التاريخ يحتاج إلى أدلة يحتاج إلى براهين يحتاج إلى منطقية تجريبية تاريخية. كل هذه المزاعم باطلة باطلة تماماً، بطلان مزاعم الكفر والإلحاد طيلة صراعها مع الحقيقة الرسالية الربانية القرآنية، الحمد لله. البيان: لكن ألا توجد جماعات مسلحة تنتمي إلى الحركة الإسلامية موجودة في الساحة؟ ◄ الحركات الإسلامية التي تسمعون عنها أغلبها.. حتى أخيراً في الأيام الأخيرة في اليوم الذي كنت أنا قادم فيه من جدة إلى الدوحة في الطائرة؛ وجدت صحيفة الحياة اليومية اللندنية، وجدت فيها ما ادعى بأنه تقرير عن نشاط حركات الدعوة السلفية التي في الجبال، تبين أن هذه الحركة هي الأخرى سطوا على قيادتها الحقيقية، وأُتي بقيادات أخرى لتقودها، كما فعل غيرها بما يسمى بالحركات الإسلامية المسلحة، كما فعل (الزوابري)، وكما فعله (زيتوني)، وما فعله غيرهما. البيان: تعني أن الحركات المسلحة اخترقوها؟ ◄ أغلبها أغلبها بنسبة عالية تماماً، هي الآن مخترقة، وهي الآن تعمل وفق المخطط الذي يريد أن يبقي الجزائر تشتعل بنار الفتنة التي أشعلوها منذ حادثة 2991م، أخي الكريم! تلك المزاعم باطلة. البيان: لكن هذه الفتنة التي حدثت في الجزائر خلال الثنتي عشرة سنة الماضية؛ ألم تؤثر على قاعدة الحركة الإسلامية في الجزائر؟ ◄ القاعدة الإسلامية هي من الشعب الجزائري المسلم، مائة في المائة، الشعب الجزائري كما قلت لك عانى من أجل الإسلام منذ ما يزيد عن قرن ونصف، وما زاده ذلك إلا صلابة في دينه وثباتاً عليه، فهذه المزاعم لا تستطيع أن تغير الحقيقة التي تتمثل في رغبة الجزائر في النهضة بسيادتها وحريتها واستقلالها من أجل تشييد قطرها وعمرانها؛ بدءاً بتشييد دولتها على أحسن ما يكون عليه القوام، وعلى أحسن ما تكون عليه الشرعية والمشروعية، المشروعية العقائدية والشرعية القانونية الوضعية التي ينجح الشعب الجزائري في تأسيسها كدولة تتمتع بكافة شروط الوجود؛ من حرية واستقلال وأمن واستقرار بإذن الله، هذا الهدف هو الذي يشغل بال كل راشد وكل عاقل وكل مسلم في هذا البلد، ولئن أرادوا أن يمنعوا أو يحرموا الشعب الجزائري من تحقيق هذا المبتغى؛ فإنهم ـ لا شك إن شاء الله ـ خائبون في مسعاهم، فكل ما يحدث من أحداث هو فقط للحيلولة دون ترك الشعب الجزائري يبني هذه الدولة التي حلم وجاهد من أجل تحقيقها. البيان: بعد أن حُظرت الجبهة الإسلامية للإنقاذ، وزج قادتها وكثير من قواعدها في السجون؛ هل ترون أن قاعدة الجبهة انحازت إلى الحركات الأخرى الموجودة في الساحة الإسلامية وتركت الجبهة بعد ذلك؟ ◄ والله! هذا أمر لا يهمنا كثيراً، المهم هو أن تبقى الجبهة جبهة القضية الجزائرية، جبهة الحق، جبهة الجد في الحق والصواب فيه، الناس يتغيرون، الناس يموتون، ولكن الحق يستمر، والحركة التي ثبتت على الحق تستمر باستمرار الحق، هذا بالتجربة التي عشناها ما يزيد عن نصف قرن من مواجهة الاستعمار، وما يزيد عن قرن ونصف في مواجهة الاحتلال الاستعماري الفرنسي، تبين أن الأمر يتعلق بصدق الموقف، والتعامل مع المنهج القويم المناسب للمبدأ الشريف الذي هو تحرير البلاد، الذي هو احتضان الشعب في محنته، والذي هو قيادة الشعب من أجل نهضته، هذا المسعى هو الذي ينجح، هذا المسعى هو الذي سيحقق الله له وبه النصر بإذن الله إن آجلاً أو عاجلاً. البيان: لبثتم حفظكم الله في السجن أكثر من عشر سنين ثم خرجتم، خلال فترة السجن كان هناك انقطاع وعزلة عن الشعب الجزائري، ما الذي تغير بعد خروجكم؟ كيف وجدتم الشباب الجزائري بعد هذا الانقطاع؟ ◄ سؤال مهم جداً، هذا الذي كان يُظن قبل أن نخرج إلى الشارع ونذهب إلى المساجد، لكن الحقيقة كذّبت هذه المزاعم تماماً، ثق أخي الكريم! أننا لم نجد شيئاً من الضعف فيما تركناه خلفنا بل العكس وجدنا العزيمة، ووجدنا الروح الفياضة الوثابة في المجتمع الجزائري، إذا لم تكن أقوى ليست أقل من تلك التي تركناها قبل أن ندخل السجن، هذه هي الحقيقة، ويشهد بها كل من ذهب إلى الجزائر وشاهدنا عندما ندخل المسجد أو نمشي في الشارع أو ندخل السوق، أو عندما كنا في موسم الحج، كلما كنا نلتقي بالجزائريين استقبلونا بحرارة وشوق عجيب لا يمكن أن يترك المرء يشك في هذه الروح القوية التي ما يزال المجتمع الجزائري يعيشها ويتمتع بها، ولله الحمد، «ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل»، سبحان الله تتجلى لك هذه الأسرار وتعيشها، رغم أننا في موقف حرج لا أخرج من البيت إلا وتمشي معي ست سيارات من الشرطة ليرهبوا الناس، لكن ذلك لم يؤثر فيهم شيئاً، والغريب هناك أطفال ولدوا بعدما سُجنّا يجرون وراء السيارة: الله يحفظك يا شيخ، الله يحفظك، الله يحفظك... ، هذا في الجزائر العاصمة، وكذلك الأمر بعدما انتقلت إلى البليدة وإلى شرشال وإلى ناحية دلّس، حيثما ذهب المرء يجد هذه الروح، اطمئن أخي الكريم. البيان: هذا على مستوى الثبات العاطفي، لكن ماذا على مستوى الوعي السياسي والوعي الفكري بمجريات الأحداث؟ هل تشعر بأن هناك نمواً في هذا الوعي؟ ◄ والله! حجمتموه في نطاق عاطفي، وإن كنت لا أوافقك على ذلك؛ لماذا؟ لأن العاطفة انطباع، والعقيدة مكمنها العقل والوجدان، لو لم تكن عقيدة راسخة، لو لم تكن إرادة ثابتة، لو لم تكن وجداناً يتأجج بإرادة الحق والرغبة فيه والاستمرار عليه؛ لما دعا الأمر إلى كل هذا الثبات بعد كل الذي جرى وبعد كل الذي يجري، وطيلة كل هذه المدة. المواقف الانطباعية لا تدوم أخي الكريم، المواقف الانطباعية لا تثبت فهي تتأرجح، فهي تتغير، لو كانت كذلك لانتهى كل شيء، وهذا ما كانت تعتقده فرنسا، كانت تظن أن الإسلام في الجزائر هو عاطفة وانطباع، ومن أجل ذلك صبت جام غضبها على الشعب الجزائري بكل أنواع الأسلحة، التجهيل والتفقير والتضليل والتشتيت إلى غير ذلك والتهجير، ولكن ما زاد السياسة الاستعمارية إلا وبالاً وضياعاً، إلا دليلاً قاطعاً على أن الإيمان لا تزعزعه هذه الأمور، إيمان الشعب الجزائري معروف، شهد بذلك المؤرخون، حتى المؤرخون الفرنسيون الموضوعيون المعروفون البيان: فضيلة الشيخ، أحداث الجزائر وانعكاساتها الداخلية هل أثرت في الحركة الإسلامية في تقديركم في خارج الجزائر، بمعنى أن الحركات الإسلامية كيف نظرت إلى أحداث الجزائر وتجاوبت معها؟ ◄ كثير من الحركات الإسلامية ضُللت في العالم، سواء كانت في البلاد أو في خارجها، الحقيقة ضُللت تضليلاً كلياً، بحيث نجد أن القضية الجزائرية منذ بدء الغزو الفرنسي للجزائر لم تُظلم ظلمها في هذه الفترة، كأن وسائل الإعلام المحلية والدولية كلها شكلت حصاراً على ما يحدث في الجزائر، وتكالبت كلها لتضليل الناس، الرأي العام الدولي ضُلل، أما الرأي العام المحلي، أما الشعب الجزائري بحكم خبرته بحكم تجربته؛ لم يُضلل وما يزال ـ والحمد لله ـ ثابتاً ثبات جباله الشم جبال الأطلس والصحراء. البيان: لكنني لا أشير إلى الرأي العام العالمي، ولا أشير إلى الرأي العام العربي، وإنما أشير تحديداً إلى الحركات الإسلامية التي تؤمن من حيث الأصل بالأهداف التي تؤمن بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، يعني كيف كانت رؤيتها لهذه الأحداث؟ ◄ أرجوك أن تعفيني من الحكم على ما وقعت فيه الحركات الإسلامية، وعلى الابتلاء الذي ابتُليت به في هذه الفترة، هي أمام امتحان صعب جداً، ويُخشى عليها من الله، ويخشى عليها من التاريخ. البيان: فضيلة الشيخ، ننتقل إلى محور آخر، وهو محور المبادرة الشعبية التي طرحتموها قبل شهر تقريباً على الشعب الجزائري، كانت هذه المبادرة جريئة على الرأي العام الوطني والعالمي، فلعلكم تعطون فكرة عن هذه المبادرة؟ ◄ تتلخص المبادرة في أمرين رئيسيين: أولهما: إنهاء المحنة، بمعنى وضع نهاية للمأساة بتوجيه نداء لتوقيف وسائل العنف؛ بدءاً بتوقيف القتال، ثم على السلطة هي الأخرى توقيف ما تقوم به من العنف بأشكاله تدعيماً لنداء وقف نزيف الدم في البلاد، ثم رفع حالة الطوارئ، بحيث لا يخشى الناس الذين ينزلون من الجبال من أن يكونوا فريسة لعنف السلطة، كذلك لا بد من إصدار عفو عام رئاسي يشمل جميع المعتقلين الموجودين في سجون البلاد، وإعادة الأحياء المختطفين إلى ذويهم سالمين بما هم عليه إن كانوا من المصابين بأذى، مع السماح كذلك للمهاجرين الذين فروا حتـى لا تمتد إليهم يد الشر والظلم يد الاعتقال أو الاختطاف أو التقتيل إلى غير ذلك، ثم بعد ذلك إن أدت السلطة ما عليها نكون قد وضعنا نهاية للمأساة؛ مما يجعلنا قادرين على حل الأزمة والتي كانت هي السبب في كل شيء. وكذلك مشروع مباشر في تغيير النظام الذي أفضى بالبلاد إلى هذه المآسي: والذي بلغ به حد الفساد مبلغاً لم تبق فيه مؤسسة سالمة قادرة على أن تؤدي المهام في مختلف مصالح الدولة، وفي مختلف مصالح الأمة، وبناء على ذلك الفساد الكلي الذي عم أرجاء السلطة والحكم؛ قدَّمنا البديل في ضوء المآسي التي حدثت منذ سنة 2691م، منذ بداية زرع بذور هذا النظام الذي خلف الاستعمار، وأفضى بالبلاد إلى ما هي عليه من التخلف بكل أبعاده، وعلى مستوى أعمق مشكلاته وتناقضاته. إذاً المبادرة قدمت النموذج الذي يكون في مستوى طموحات الشعب الجزائري وأجياله المستقبلية على مدى قرن من الزمن في المستقبل إن شاء الله، لتكون الجزائر في طلائع الأمم الناهضة بما وهبها الله من إمكانات بشرية ابتداء، ثم طبيعية ينهض بها القطر الجزائري من ثروة طبيعية متنوعة، مع الموقع الاستراتيجي من إفريقيا ومن أوروبا في آن واحد، ومن موقع بين العالمين؛ العالم العربي، والعالم الإسلامي والتي تنتمي إليه بالأصالة من حيث هي بلد الإسلام دار الإسلام، من حيث هي شاركت في نهضة أمة الإسلام منذ أن وصل إليها عقبة بن نافع ـ رضي الله عنه ـ وإخوته الفاتحون الأبرار. هكذا نقدم هذه المبادرة كحل جذري للمعضلة الجزائرية فيما بعد الاحتلال الفرنسي وبعد اعتراف فرنسا بحق الشعب الجزائري، واسترجاع سيادته كاملة على كافة ترابه الوطني، وطن واحد وشعب واحد يدين بدين الرب الواحد. هكذا إذاً قدمت هذه المبادرة في ضوء المحنة وفي ضوء الأزمة وفي ضوء التجربة من جهة، وحسب تطورات العالم في القرن الجديد. البيان: لكن هل هذه المبادرة تمثل عباسي مدني أو أنها تمثل الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟ ◄ بطبيعة الحال المبادرة تعالج قضية الشعب الجزائري في المستقبل القريب والبعيد، ومن ثم لا يمكن أن تكون مبادرة شخص، كذلك لا يمكن أن تكون مبادرة حزب، فهي تتجاوز حدود الزعامة الفردية، وتتجاوز حدود الزعامة الحزبية والحركية، بل هي مبادرة الشعب الجزائري، قدمت للشعب الجزائري، وعلى الشعب الجزائري مسؤولية كل المسؤولية كي يتجاوب معها بالقدر المطلوب من حيث العبقرية، ومن حيث الإرادة المغيرة الواعية التي تكون في مستوى مستجدات عالم القرن الجديد. البيان: يعني هذا: أن هذه المبادرة عُرضت على قيادات الجبهة في الداخل والخارج وتبنوها، ثم أيضاً عُرضت على بعض قيادات الحركة الإسلامية والشعب الجزائري واتفقوا عليها ثم اطلقت؟ ◄ لا؛ بل عُرضت على الشعب الجزائري، عُرضت على كل من كان له استعداد لكي يدرسها ولكي يقبل ما فيها مما يقبله ويرفض ما يراه جديراً بالرفض، هي مشاركة عامة مفتوحة، لم تُترك لتحتكر لطرف ولا لشخص؛ لماذا؟ لأن الحق حجة على الناس ولا يمكن أن يكون الناس حجة على الحق، فالحق يجمع من يريده ويفرق من لا يريده، فنحن ننشد ليس الناس بل رب الناس، فنحن غايتنا ليس أن تقنع الناس وإنما نقدم للناس ما يقنعهم إن كانوا على صواب، إن كانوا يريدون الخير للناس جميعاً ولأمة الإسلام ولبلاد الإسلام والتي منها الجزائر، إذاً المعيار ليس هو الناس، ومتى كان الحق معياراً يخضع للناس؟! وإنما الناس هم الذين بمنطقهم بعلمهم بنواياهم يقاسون حسب تجاوبهم واستجابتهم للحق. البيان: هناك من الناس من يذكر أن أحد مفاتيح حل الأزمة الجزائرية هو موقف الشيخ علي بن حاج؟ ◄ إن شاء الله نعم. البيان: فهل الشيخ علي على وجه التحديد موافق على هذه المبادرة ومتبنيها في داخل الجزائر؟ ◄ والله! هذا يُستحسن أن يوجه للشيخ علي بن حاج، أما علمه بها فأكيد، ورأيه عليها أكيد، تبقت الإجابة، ما دام حراً وما د& | |||||