أزمة الطرح العلماني: من محاولة تأصيل الفهم إلى ترويج الوهم..!

مولاي المصطفى البرجاوي

   أهمية هذه الرسالة ليست علمية ذهنية وفكرية باردة جـامدة، بل هي تحمل جديتها لكونها تصبُّ في معالجة إشكالية خطيرة على واقعنا ومستقبلنا، ذلك من خلال الوقوف على البضاعة الغربية المنتحلة وصورها الفضائحية - التي يروِّج لها نخبة من بني جلدتنا - لاستنباط دلالتها القدحية وإيحاءاتها الخطيرة، وإسقاطها إسقاطاً معوجّاً على أبناء الأمة العربية والإسلامية.
 ولأنني أعتقد أن الجهاز المفاهيمي الممسوخ وتطبيقاته على أرض الواقع، قنابل موقوتة وملغمة في منطقتنا العربية والإسلامية، وأن جزءاً كبيراً من المعارك الفكرية سيكون معها، ومن ثم سيضيع معها الجهد - في الوقت الذي كان يجب أن يُصرَف الاهتمام إلى رُقيِّ وتنمية بلداننا بالتفكير الجاد - وهي بالفعل إحدى خيارات الدول الشيطانية من يهود ونصارى في طرحها بدائل عن الإسلام الصحيح؛ فإننا مدعوّون - في هذا الإطار - بقوة إلى فهْم هذه الحمولة المعرفية عقدياً، والاطلاع الواعي على السُّبل العملية المتبناة في إرسالها من خلال تغليفها بغلاف علمي.
وليت الذين يزعمون الفهم الدقيق، والتحليل والتفسير العميق، والذكاء السامق، والترسانة المعرفية الضخمة؛ أن يهتموا بدراسة آليات عمل مؤسسة راند الأمريكية - من خلال تقرير لها عنوانه: (الإسلام المدني الديمقراطي: الشركاء والمصادر والاستراتيجيات) الذي دعت فيه إلى ربط علاقات وطيدة ومتماسكة مع القوى الإسلامية المحبة للغرب، مثل: الصوفيين، والعلمانيين، والحداثيين. والأسبوع المنظم من طرف الجامعات الأمريكية تحت عـنوان: أسبوع أمريكي للتوعية بما سموه زوراً وبهتاناً (الفاشية الإسلامية!)، المدعوم من المؤسسات الصهيونية التي تعمل على فرض نفسها وتمرير نبوءاتها ومعتقداتها في داخل مجتمعاتنا - ليت أولئك اطَّلعوا على ذلك التقرير والأسبوع الأمريكي لوصم الإسلام بالفاشية بدل اهتمامهم بلوْكِ الكلام الفارغِ من كل فائدة باسم (المشروع الحداثي تارة، والمشروع النهضوي تارة أخرى)، وما هذه المشاريع في حقيقة الأمر إلا مساحيق تجميلية يراد من ورائها زعزعة عقيدة المسلم؛ وذلك بليِّ أعناق النصوص الشرعية الـمُحْكَمة لتتماشى مع أطروحاتهم الوهمية، والتي مبناها على التأمل الذاتي والاستشراف الوهمي، والتبجح بمعرفة أسماء الكتب السياسية الظرفية المموهة والموغلة في المغالطات! وحَقَّ فيهم قول رب العزة: {وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: ٦ - ٧]، فقد أوضح - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة أن {أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولاً أولياً، فقد نفى عنهم - جل وعلا - اسم العِلم بمعناه الصحيح الكامل؛ لأنهم لا يعلمون شيئاً عمّن خَلَقهم، فأبرزهم من العدم إلى الوجود[1].
وإن كانوا فعلاً يتبنون العلمية في الطرح؛ فليرجعوا إلى دارسي حضارات التاريخ الذين تبينوا أن أي حضارات كان مبناها الأول على أسس دينية وإيمانية. يقول (وول ديورانت): «إنه وإن وجـدت حـضارات بغير بناء وعمارة، إلا أنه لم توجد حضارة مـن غـير معـابـد». ويـُثبت هـذا أن حـركـة الإنسان لا يمكن أن تنطلق إلا من أساس إيماني. وما أروع كلام الصحابي الجليل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «كنا أذلَّ قوم فأعزنا الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة بغير الإسلام أذلنا الله» عجباً والله حين لم نأخذ الدروس والعبر من هؤلاء الشوامخ والجبال المحصنة التي أثْرَت الثقافة الإسلامية، بل الإنسانية عامة. وهذا القول لا يعني العودة إلى الوراء والبكاء على الأطلال، أو أن تنزل الأمة منزلة هذا (الهيروغليف) الذي قبره المصريون في الأحجار – حاشا لله! ليس تقليلاً من الجوانب الإنسانية الأخرى؛ كحاجة الإنسان للمال، وامتلاك ناصية العلم، ومواكبة مستجدات التطور التقني، وتوفير المواد الاستهلاكية، وحب الغلبة والسيطرة، وإعداد العدة والتخطيط السليم الذي يعود على الأمة بالنفع العام... كلاَّ، ولكن لا يمكن أن تعطي هذه الأمور آثارها وأُكُلها في حركة الإنسان إلا إذا طُبِعت بثوب الإسلام البعيد عن كل المزايدات والتأويلات الملفقة، التي ظاهرُها الرحمة وباطنها من قِبَلها العذاب والتشويه بسمعة الأمة الإسلامية والتشجيع على تشرذمها، ليصفو الجو للكيان الصهيوني الغاصب.
ورحم الله الشاعر العربي إذ يقول:
يجري على الحاضر حُكْمُ الغائب
فيثبت الحق بسهم صائب
ويقول آخر:
آياته تنبيـــك عن أخباره
حتى كأنك بالعِيــانِ تراه
وهناك اتجاه - من الداخل والخارج - قوي لترسيخ مبدأ الصراع على أساس إسلامي، وأن الحياة قد استقر أمرها على تبنِّي الحرية الإنسانية (الليبرالية) في كل شؤون الدنيا وادِّعاء أنه لا دوْرَ للأديان فيها، وأنه قد انتهى عصر العقائد (الأيديولوجيا). ومن هذه الكتب التي أحدثت أصداء واسعة في هذا الاتجاه وروّج لها الاعلام الغربي والعربي (المرئي والمكتوب) كتابُ الياباني الأصل الأمريكي الجنسية فرانسيس فوكوياما المسمى (نهاية التاريخ والإنسان الأخير)، الذي يعلن فيه سقوط العقائد (ويستثني الإسلام ببعض بقاياه الدينية والخُلُقية) والانتصار النهائي لليبرالية (حرية الاختيار في السياسة والاقتصاد والاجتماع)، ومقولة صِدَام الحضارات لصمويل هنتنجتون. وقد صدر العديد من الكتب التي تنعَى العقائد والتمسك بالهوية منها: كتاب (النفس المبتورة هاجس الغرب في مجتمعاتنا) للمستغرب الإيراني داريوش شايغان، وله في هذا الاتجاه نفسه كتاب (أوهام الهوية). وهذان الكتابان يمثلان صورة نموذجية لجهود المستغربين في إسقاط الهويات في داخل مجتمعاتنا، ومن المؤسف أن بعض المعمّمين في داخل إسلامنا يمارسون - (صوت أسيادهم) - في ترديد الشعارات والمصطلحات التي تنزل علينا من الغرب تتراً؛ واحدة تتبناها، وأخرى تسقطها على الثلة المنبوذة من طرف الغرب والعلمانيين التي تجدف في الاتجاه المعاكس لموجتها الظالمة. بصيغة أخرى: تضفي عليها أنواعاً من التزيينات الموحية: كالتقدم، والتطور، والبناء، والتنوير، والتجديد، والتحديث، والعلمية، والمنطقية... إلخ. في حين تقذف المبادئ والثوابت الشرعية بأبلغ أنواع السباب والشتائم والأوصاف المقذعة، مثل: الرجعية، والغيبية، والميتافيزيقة، والتخلف، والجمود، والتحجر، والتقوقع، والظلامية، والسلبية، والتعصب، وأخواتها من الأصولية والإسلام السياسي، وأن الحرب بيننا وبين اليهود ليست دينية ولكنها حرب على حقوق ذاتية، وغير ذلك. لذلك سعوا إلى فتح شراكات تتخطى التطبيع إلى التضبيع، وأن الفتح الإسلامي أنموذج من نماذج الاستعمار! وأن الإسلام يجب أن يُسحَب البساط من تحت قدميه بشكل تدريجي في البلدان الإسلامية، ليبقى اسمه كما هو الشأن في البوسنة؛ التي حولوها إلى كومة من الأشباح التاريخية والكوابيس الخيالية. ولكن: {قُلْ كُلٌّ مُّتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى} [طه: ٥٣١]؛ فهل نعي الدرس؟
وليطمئن إخواننا (العلمانيون الجزئيون) على حد تعبير الدكتور عبد الوهاب المسيري، (الذين زين لهم سوء عملهم فرأوه حسناً، وممن بقي في قلبهم حب الإيمان والإسلام الذين يدعون إلى فصل السياسة فقط عن الدين، وليس العلمانيين المتطرفين الاستئصاليين الذين يسعون إلى اقتلاع الإسلام من جذوره!)؛ ليطمئنوا أن الثقافة الغربية التي يتشدقون بها ويتبعونها حَذْو القُذة بالقُذة لا تميز ألبتة بين الموالي وبين المعادي، فهم في الكفة سواء. يقول مراد هوفمان - المفكر الألماني المسلم في كتابه (رحلة إلى مكة): (إن الغرب يتسامح مع كل المعتقدات والملل، حتى مع عَبَدَة الشيطان؛ ولكنه لا يظهر أي تسامح مع المسلمين؛ فكل شيء مسموح إلا أن تكون مسلماً). حتى بالرغم من ركوع بعض العلمانيين من أمثال (أركون) أمام أصنام الفكر الغربي؛ فالغرب لا يرضى منه إلا السجود؛ ولأن الحقيقة العلمية لها وقع وتأثير في العقول الواعية التي لم تتلطخ بالتبعية، وتقليد الآخر في خطواتها ومسيرة حياتها.
ولعـل هـذه الأسـطر تكـون مراجعة نقدية: أولاً: لما نلاحظه من هجمات العلمانيين الذين يتشبهون - على حد تعبير المثل الفرنسي - بالشجرة التي تحاول إخفاء الغابة، فعلاً غابة من المسلمين الذين تشبعوا بالعقيدة الإسلامية. وإن وُجِد هنالك تزحزح، فسرعان ما يصطدم ذلك الفكر المعوج مع العقيدة السليمة الصلدة، فيضطر إلى المراجعة وتغيير الاتجاه نحو الأصوب! وثانياً: لما نلاحظه في المناخ الديني المضطرب، فيعود المناخ إلى أصالته ونقائه، بعيداً عن ضجيج الإعلام والخطابات السياسوية والقوالب التنظيمية المصطنعة.
والحق يُقال أيضاً: إن العلمانيين العرب والمسلمين لم يأخذوا من الغرب في نشر الأفكار العلمانية في المجتمعات العربية والإسلامية؛ إلا قشورها، وليس الأصل الذي يقوم على أساس العدل وحفظ الحقوق؛ فروّجوا للإباحية أكثر، وللفسق والفجور بشكل أطم، ونقلوا أعفن ما وصل إليه الغرب في مجال الأخلاق؛ فحتى تكون عَلْمانياً يعتقد العَلْمانيون أنه يتوجب عليك أن تفنّد صدق رسالة القرآن (كما فعل طه حسين ونصر حامد أبو زيد.. ) التي يؤمن بها ما يفوق المليار مسلم! ولتكون ممن يتبنى المبادئ العلمانية؛ يتوجب عليك تسفيه معتقدات الناس والهزء بأفكارهم وعاداتهم وما اعتادوه من تقاليد وقيم راسخة؛ وحتى تكون قيادياً علمانياً يجب عليك أن تسفِّه آراء الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - ؛ بدعوى أنه يمثل اتجاها قرآنياً (وهو في هذا المضمار ليس من أهل القرآن ولا من أهل السُّنة). عجباً! كيف يمكن فهْم القرآن وتعاليمه وفرائضه لولا السُّنة المبينة؟ فليتدبروا قول الله - تعالى - في القرآن المجيد: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} [النساء: ٩٥]. 
ويؤسفنا – كما قال الدكتور عبد العزيز كامل - أن نجِد مِن بني جلدتنا مَنْ يجعل من نفسه منصة تنطلق منها صواريخ الدمار الفكري الشامل؛ القادم من أوروبا وأمريكا صوبَ أراضينا المكشوفة وسماواتنا المفتوحة، متعللين بحريتهم في الفكر والفعل.
فعلاً، هؤلاء - العَلْمانيين - أدخلوا سمومهم الثقافية ودسوها في بطون كتبهم، ونشروها عبر وسائل الإعلام على حين غفلة من أهلها، أو كما سماها مالك بن نبي - رحمه الله - القابلية للاستعمار؛ فيقولون: الإسلام غير السياسة، وغير الاجتماع البشري، وغير الاقتصاد، وغير الثقافة، وغير التاريخ، وغير المعاملات... أهو هذه الركعات والصلوات في المسجد؟ ألهذا أيها العلمانيون نزل القرآن نظاماً متكاملاً مفصلاً؟ {وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [النمل: ٥٧]، ألم يعلموا أن النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم -  عرّفنا حتى كيفية قضاء الحاجة؟
ولكن، أعتقد أن الأحداث قد علّمت المسلمين أن يخرجوا من دائرة العاطفة الجوفاء[2] إلى دائرة البحث عن خطة، عن طريق، عن منهج يمكن به تفادي الوقوع في الأخطاء مرة أخرى بعد أن تكشّفت لهم حقائق كثيرة عن هؤلاء العلمانيين، ربما كانوا يجهلونها، ووضحت لهم وجوه ربما كانوا حسني الظن بها، وهي تخفي في أعماقها الرغبة في تدميرهم والقضاء على كيانهم، {هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ} [آل عمران: ٩٩١].
لهذا، فالفكر الإسلامي الذي أخذ خلاصة الوحي الرباني كله؛ الذي أُنزِل على الرسل والأنبياء واستصفاه من مصدريه (القرآن والسنة) نوراً على طريق البشرية كلها إلى يوم القيامة، كان لا بد أن يواجه من الدعوات والملل والنِحل والمناهج البشرية وقبائل من الرأي، وهي التي عجزت عن العطاء وأسقطتها المتغيرات، وكان آخر ذلك سقوط قلاع الاشتراكية؛ فأُسقِطت هذه المناهج في مسقط رأسها وفي بلادها التي صاغتها، وأعلنت البشرية منذ سنوات طويلة أنها في حاجة إلى منهج جديد ينقذها من براثن هذا النظام؛ فسقوط الماركسية على النحو الذي حدث كشف عن عجز الأيديولوجيات البشرية عن العطاء، حتى إنها بعد سبعين عاماً من سيطرتها على مجرى الأحداث، ومن خلال فلسفة عريضة خالفت فيها مناهج الفطرة وعارضت حقائق الدين ومفاهيم العلم، وحاولت أن تشق طريقها ضد التيار؛ عجزت وحاصرتها الأحداث، وقصفتها الرياح وأسقطت منهجها وحطمت شراعها.
من هنا نخلص إلى مقولة نفيسة ورقراقة لأبي حيان في كتابه الإمتاع والمؤانسة (1/128): «إن الشريعة متى فصلت من السياسة كانت ناقصة، والسياسة متى عريت من الشريعة كانت ناقصةً». وأقول أنا شخصياً: متى فصلت الشريعة عن الحياة كلها – وليس فقط السياسة - كانت كلها خِدَاعاً وفوضى عارمة، ومرتعاً واسعاً لكل من هب ودب للتطاول السافر على الدين الإسلامي. ولا يعني هذا أن الإسلام كله زواجر وروادع.. كلا، بل الإسلام فتح مجالاً واسعاً للإنسان المسلم، وأرسل له هذا الدين الذي ينظمه ويوجهه انطلاقاً من القاعدة الأصولية التي تقول: (الأصل في العادات الإباحة حتى يرِد المنع)، والقاعدة الأخرى التي تقول: (صحة الأبدان مقدَّمة على صحة الأديان).
المشكلة إذن عند هؤلاء العلمانيين أنهم يجترّون ويتشربون ما يلفظه الغرب دون أن يميزوا بين ما يناسب ثقافتنا وما يتنافى معها، أخذاً بقولة أرنولد توينبي: «إن الحضارات تؤخذ كلها أو تترك كلها». نجد هذا الطرح وهذا التوجيه (في ضرورة أخذ الحضارة كلها من الغرب)، في فترة مبكرة من أطروحات المتغربين من أمثال: طه حسين وسلامة موسى، ثم الجيل الثاني مع الدكتور نجيب محمود وغيره، ثم الجيل الحالي الذي يتزعمه نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وعبد الله العروي.. والقائمة تطول. ولكن تصفُّح الكتب التاريخية يُبيِّن، على المستوى العملي الواقعي، أن الحضارات الأوروبية وفي بدء انطلاق النهضة الأوروبية، تبنّت مبدأ الانتقاء؛ فقد رفضت كل ما يتنافى مع الأسس والثوابت المميزة لها، في حين أن حضارة المسلمين في مرحلة تقهقرهم تبنّت مبدأ (الابتلاع) على حد تعبير جبران؛ خليل جبران الذي يقول في وصفه العلاقة بين الشرق الغرب: «قلّد الغربُ الشرقَ بحيث مضَغَ وحوّل الصالح مما اقتبسه إلى كيانه. أما الشرق فإنه اليوم يقلّد الغرب، فيتناول ما يطبخه الغربيون ويبتلعه دون أن يحوله إلى كيانه، بل إنه على العكس يحوِّل كيانه إلى كيان غربي. فيبدو أشبه بشيخ هَرِم فَقَدَ أضراسه، أو بطفل لا أضراس له». ههنا، ألا يجدر بنا الأخذ بالتوجيه النبوي الذي يحث على الأخذ بالحكمة أنَّى كانت، واعتبارها ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها وطبّقها على سلوكه، وأفاد منها في حركة الواقع، بشرط أن تكون حكمة حقاً ومفيدة حقاً؟ وهي قد تكون وسيلة مادية أو فكرة عملية؛ فقد قال الإمام محمد بن سيرين - رحمه الله -: «إنَّ هذا العلم دين؛ فانظروا عمَّن تأخذون دينكم».
لماذا لا نستفيد مما قامت به فرنسا بلد الحريات – كما يزعمون - في تعاملها مع كتاب (أطلس الخلق) للباحث الإسلامي التركي الجنسية المشهور هارون يحيى؟ فبعد أن تلقت وزارة التعليم الفرنسية مئات الاستفسارات حول الكتاب ذي الصبغة الإسلامية، والذي عُدَّ في فرنسا بمثابة صاعقة وهجوم علمي على فرضية النشوء والارتقاء (الداروينية)، التي تقوم عليها المناهج التعليمية والتربوية في العديد من دول العالم، بعدّها حقيقة علمية مسلّماً بها؛ سُلِّم الكتاب والاستفسارات لمتخصصين وبدأ التحقيق؛ إذ ساد الاعتقاد بارتباط نشْرِه في فرنسا بوجود أكبر جالية مسلمة في أوروبا وعلى أرض فرنسا، لكنه تبدد بعد التأكد من عشوائية التوزيع، حيث شمل مختلف مناطق البلاد، بغض النظر عن التقسيم الديني للسكان.
بينما وصفت مجلة (New Scientist) الأمريكية الكاتب بـ «البطل الدولي» لجهوده الضخمة في تفنيد مزاعم التطور. واجتاح الزلزال الفكري للكِتاب الأكاديميات العلمية الفرنسية؛ فأثار حفيظة أعداء حقيقة الخلق من ماديين وداروينيين، وعمدوا إلى الضغط على الحكومة لحظر الكتاب. وبالفعل، صـدر بـيان يحظـر تداول كتاب (أطلس الخلق)، ويؤكد أنه «لا مكان له في المدارس الفرنسية» ولو في مخازنها[3].
إن من أعضل الأمور وأشدها التباساً ألا يكون ممن يدعي النخبوية في العلم والفكر قادراً على أن يقيس ببيانه أو علمه المطارحة الغربية ويستفيد من أسياده هؤلاء. لكن للأسف، يريد العلمانيون منا أن نلبس لَبوس الغرب بقده وقديده وغثه وسمينه، ويرفعون شعار: لتكون متقدماً؛ لا بد أن تسلَخ جلدك وتلبس جلد الأوروبي والغربي، بل تغير ذاتك أيضاً!
ألا يجدر بنا مراجعة ذواتنا وأولوياتنا، والانطلاق من ديننا وقيمنا بدلاً من الجري وراء السراب والاشتغال بالأحلام الزائفة، أو التغلغل في سرداب مظلم – أو بالتعبير النبوي - دخول جحر ضبٍّ خلف من دخلوا واختنقوا وهلكوا؟
 ويكفي من القلادة ما يحيط بالعنق، نرجو من الناظر في مقالتنا هذه ومن هذا المنبر الجاد، أن يمحو عـن قلبــه ما عسى أن يكون قد سدل من إشكال به!
فليس كل خلاف جاء معتَبَراً
إلا خلاف له حظٌّ من النظرِ
 وبعد: فإن وجدت – أخي القارئ الكريم - في هذا المقال جهداً فادعُ لنا بالمغفرة، وإن وجدت زلة القلم وخطأ في الاجتهاد – الفكري طبعاً، فلستُ أهلاً للاجتهاد الفقهي - فافتح لنا باباً للتجاوز والمغفرة، أو النقد البناء.
ورحم الله الشاعر العربي؛ إذ يقول:
فلا بد من عيب؛ فإن تجدنه
فسامح، وكن بالستر أعظم مفضلِ!
فمن ذا الذي ما ساء قطُّ، ومن
له المحاسن قد تمت سوى خير مرسَلِ؟
أصل هذا المقال – بالأحرى رسالة – عصارة مجموعة من الدراسات والتآليف التي اشتغلت عليها في هذا المجال، فآثرنا الاكتفاء بما تسمح به المساحة المتاحة، متجاوزين كثيراً من التفاصيل، مكتفين بالإشارة عن العبارة.  



[1] لقد صادفت في هذا الباب مجموعة من العلمانيين يتطاولون على الدين الحنيف، وإذا سألته مثلاً عن فرائض الوضوء يعجز عن الكلام! وليس هذا يعني أنني أدعو إلى تهميش العلوم الدنيوية، كلا! بل هي من الفروض الكفائية إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين. بل تأثم الأمة – كما تعلمنا من علمائنا الأجلاء - إذا انعدم من يقوم بهذا الدور. لكن بشرط استغلال هذه العلوم الدنيوية في خدمة الإسلام والسيْر به إلى أفق أرحب؛ أفق العلم والمعرفة والمعاملة الحسنة. ومن غرائب هؤلاء العلمانيين ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين؛ ولا أدل على ذلك أنهم استطاعوا أن يبعدوا الناس عن التعمق في العلمانية ليكتشفوا فشلها، وذلك بأن أشغلوهم بالشعارات الجميلة والأهداف العامة، والاختباء خلف العلم المادي والديمقراطية والعقلانية، وتوجيه الاتهامات الكثيرة لخصومها، خصوصاً للاتجاه الإسلامي. فإذا كان الاتجاه الإسلامي على علاقة طيبة مع حكومة عربية اتُّهم بأن هذا تحالف مع الاستبداد والانتهازية والمتاجرة بالدين، واتُّهم علماء الإسلام بأنهم وعاظ السلاطين. وإذا فعل العلمانيون ذلك قالوا: هو تعاون لمصلحة الشعب، ومحاولة إصلاح من الداخل، وتفويت الفرصة على أعداء الوطن الخارجيين. أما إذا حمل الاتجاه الإسلامي السلاح على المحتل (حماس مثلاً)، فإنهم يتهمونه بالإرهاب والتطرف، وبأنهم خوارج ومن تنظيم القاعدة، وأن هدفهم كرسي الحكم، ولو فعلوا هم ذلك لوصفوه بأنه كفاح وثورة! وما أقوله ليس افتراضات، بل واقع شاهدناه خلال السنوات الماضية، ولا شك في أن هذه العقلية العلمانية لا تصلح للبناء والإصلاح؛ لأنها تحتكم إلى الهوى وخدمة أغراضها الشخصية وشعارها: «أنا، وما بعدي الطوفان»! وبصريح العبارة: لم نجنِ منها سوى قبض الريح وحصاد الهشيم!
 
[2] أي الاستفادة من عثرات المسلمين ومن سيطرة فقهاء التخلف –على حد تعبير المفكر الإسلامي توفيق الواعي - حيث يحذرنا التاريخ الإسلامي من فترات سيطرت فيه العقلية الفقهية المحنطة التي لا تواكب مستجدات العصر ولا ترغب، بل تخاف التغيير الاجتهادي. من ذلك: لما تفلتت أوروبا من جهلها وانطلقت وأخذت من الفكر الإسلامي ما أخذت، واخترعت المطابع وسارت بذكرها الركبان، ونحَّت الكبت وعمّت المعرفة، وكانت الدولة العثمانية قد تخلفت وتآكل الفهم والعقل فيها؛ فأرادت الخلافة استيراد المطابع من ألمانيا، فأفتى بعض الفقهاء بتحريم تلك المطابع! وبعد أخذٍ وردٍّ سُمِح بها على ألا يطبع فيها القرآن الكريم لشرفه وفضله؛ ولأن الأحبار التي يعمل بها لا يضمن طهارتها. كما تكررت الفتاوى نفسها بالحل والحرمة في أشياء من البديهيات!
 
[3] جريدة السبيل المغربية، العدد 27، 01 أكتوبر 2007م.

 
 

للعودة للصفحة الرئيسة