الشريد

بدر محمد عيد الحسين

   عاشَ منصورٌ يتيماً في قريةٍ جبليّةٍ عامرةٍ بالخُضرة وشتَّى أنواع الزّهور العاطرة...  كان قلبُه الطيب واحداً من تلك الزهور.. يُعطي ولا يأخذ.. يهَبُ العبيرَ للغادين والرائحين.. كان أحبّ إخوتِه إلى قلبِ أمّه... تُداريه وتصدُّ عنه سهامَ السّخرية الموجّهة إليه من إخوتِه ومعظم أطفال القرية... منصور طاهرُ النّفس صادقُ القول..  فلا تراه إلا ممسكاً برقبةِ خروفٍ شارد.. أو حاملاً قربةً من قِِرابِ الفلاحين الذين يحرُثون الأرض في الجبل، فهو يعرفُ جميعَ أهل القرية وأمتعتهم وخرافهم... يُعيد الأشياء إلى أهلها، ولكن حذاءَه المتقطّع لم يَعُد له منذ أن  فقدَه صبيحةَ وفاة أمه.
ماتت أمُّ منصور، وماتت معها همسةُ الحنان الصادقة.. ماتت وتركت منصوراً شريداً يكابدُ الجوعَ والعطش..  لقد ظلّ مدّةً طويلة مشرداً لا يأوي إلى عُش.  طالَ خريفُه هذه المرّة، وأقفرت رياضُه الحالمة إلا من بقايا الحنين الذي يشَمُّه من ثرى قبر أمه الذي يزوره بين الفينة والأخرى.
استيقظَ منصورٌ ذاتَ يوم فتوجَّهَ كعادتِه إلى ساحةِ الحيّ فلم يجد أحداً من الصّبية الذين يلعب معهم. افتقَدهم جميعاً، واشتاقَ لهم على الرّغم من مضايقتهم له في معظم الأحيان.. منصور يُحبّهم ويأنَس لرؤيتهم، وإذا ما مرضَ أحدٌ منهم فهو أولُ الزائرين تحملُه فطرتُه السليمة وسجاياه النقيّة.. يعودُ رفاقَه المرضى من غير أن يحملَ في يده هديةً أو باقةً من الزهور.
صَعِد الجبلَ يبحثُ عنهم فلم يجدهم.. قصدَ المسجدَ فلم يجدهم.. ثم توجّه صوبَ المدرسةِ المقفَلة على حدِّ علمِه.. لقد أحسَّ بأصواتٍ تهتفُ بالنشيد وأخرى تردِّد آياتٍ من القرآن الكريم.. اقتربَ من النافذة فانفجرَ التلاميذُ بالضّحك.. التفتَ المعلمُ متفاجئاً من ضحك الطلاب، فرأى منصوراً يبتسمُ لأقرانه من الشُّباك. طلبَ منه أن ينضمّ إلى أقرانه.. لكنّه أطلقَ ساقيه للريح خوفاً من عقوبة مُنتظرة.
فتحَ المعلمُ النافذةَ، وناداه وأعطاه الأمان.. عاد منصورٌ متوجّساً، فمسحَ المعلمُ على رأسه، وأعطاه قطعةً من الحلوى، وقال له: لماذا لا تحضر إلى المدرسة يا منصور؟! فأجابَ منصورٌ ببراءة: كانت أمي تقول: إنني لا أصلح للدراسة... ثم من يحرسُ الجبل؟  ومن يُعيد الخرافَ الشاردة من الرّعاة إلى أهلها؟ تحدّرت دمعاتٌ ساخنة فوقَ وجنةِ المعلم، وأقنعه أن يُمضي اليوم مع أقرانه في غرفة الدّرس.
عادَ التلاميذُ في اليوم الثاني إلى المدرسة، ولكنّ منصوراً لم يَعُد لأنّه راجَع نفسَه في الليل وضربَ أخماساً لأسداسٍ، فوجد أنَّ صفحةَ الكون أجملُ من صفحةِ الكتاب، وتغريدَ البلابل أشجى من صوتِ نشيدِ التلاميذ، وأغصانَ الزّيتون أمتعُ من قلم الرّصاص.
مرّت الأيامُ تلوَ الأيام، والسنون تلو السنين.. كَبِرَ منصورٌ وأصبحَ شاباً وسيمَ الوجه حسنَ الأخلاق، فراحت أختُه الوحيدةُ تنشُدُ الأراملَ والعوانس لعلَّ واحدةً منهنّ تقبلُ بالزواج من شقيقها الشّريد، ولكن من دونِ جدوى. ثمّ راحت تبحثُ له عن زوجةٍ في القرى المجاورة، ولكن هيهات!
الأمر سيّان عندَ منصور؛ إذ كان يسألُ أختَه بين الفينة والأخرى: أيهما أصعب المدرسة أم الزواج؟ توقّفت أختُه عن البحث، ثم فكّرت أن تبحث له عن عملٍ يناسبُه ويفرّغ فيه طاقاتِه ويُمضي فيه وقتََه.. اتّصلت بزوجها الذي يعملُ في إحدى المدن، وطلبت منه أن يتحدّثَ مع مدير الـمَدْجَنة بشأن أخيها.
رقّ قلبُ صاحبِ المدجنة لمنصور، وخصّصَ له مرتّباً يسدُّ الرّمق.
تسلّمَ منصورٌ عملَه، ووجدَ مشقّةً وصعوبةً بالغةً في عَدِّ عُلب البيض. ثم طلبَ منه مدير المدجنة أن ينظّفَ المستودعات، ويرتّب محتوياتها.. وقبل أن ينتهي أسبوعٌ واحد على تسلّم المهمّة الجديدة قرّرَ منصورٌ العودة إلى القرية.. لقد اشتاقَ للنسيمِ الرائق وللنجوم المتلألئة.
لقد حاوره ربُّ العمل طويلاً من أجلِ إقناعهِ بالبقاء لكنه لم يُفلح.. فكّرَ المديرُ بالأمر ثم عنَّت له فكرةً توفّر لمنصور هوايته في الرّغبة بالمشي خارجَ أسوارِ المدجنة التي كان يرى فيها سجناً قاسياً..  وافقَ منصور على الفكرة، وتحمّس لها.
ومع شروقِ شمس اليوم التالي راحَ منصورٌ يوزّعُ البيضَ على المحلاّت القريبة.. واستمرّ على هذه المهمّة سنةً كاملة وسطَ ثناءِ أصحابِ الدَّكاكين وإشادتِهم بأمانته وإخلاصه.
لقد تفتّحت مواهبُ منصور وراحَ يعشقُ العملَ، ويُبدع في التوزيع فهو أولُ من يستيقظُ وآخرُ من ينام وأصدقُ من يحاسب.. لقد أكسبته العلاقةُ بالآخرين والاحتكاكُ بهم تطوراً ملموساً.
ثمَّن مديرُه ذلك وأعطاه دُكّاناً على حسابه.. فتضاعفَ إنتاجه أكثرَ وأكثر، وبات أشهرَ الموزّعين في سوق المدينة.
منصور لا يجيد إعداد الخطــط، ولا يجيدُ التعامل مع الآلــة الحاسبة أو مع برامج الحاسوب ولا يعرف كيف يرسلُ رسالةً عبر البريد الإلكترونيّ (الإنترنت) ولا يُعمِلُ ذهنَه بأرباح اليوم القادم.. ولكنّه يُفكّر بالصّدق في التعامل والنيّة الطيبة تجاهَ من يتعامل معهم.
عادَ منصور بعد غيابِ عامٍ كامل إلى القرية بلباسٍ جميل وطلعةٍ بهيّة... تزوّج فتاةً خلوقاً من بنات القرية.
ثم عادَ من جديد إلى المدينة، ومع إطلالةِ كُلِّ هلالٍ من أهلّةِ رمضان المباركة يُرسلُ منصورٌ ظروفاً مغلقَةً مليئة بالنقود إلى شقيقته تحملُ أسماءَ كل الفقراء والمحتاجين في القرية.. وهل أحد أعلمُ بالفقراء من منصور؟
 
 

للعودة للصفحة الرئيسة