التداعيات المحتملة للأزمة المالية على الإسلاميين

عبد المنعم منيب

   عصفت الأزمة المالية العالمية بالنظام المالي الدولي الراهن، ولن يخرج العالم من الأزمة إلا وقد تغيرت الخريطة المالية الدولية بما يستتبعه ذلك من تغيير خريطة النظام السياسي الدولي.
وتشير ملامح الأزمة المالية الحالية ومتغيرات الواقع السياسي الدولي إلى أن النظام الدولي الجديد سيكون متعدد الأقطاب؛ حيث ستتوزع القوة الدولية بين عدة أقطاب بعدما كانت مركزة في قطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية.
وصحيح أن التغيرات الاقتصادية والتطورات في عالم الاتصال لن تجعل الصراع أو التنافس الدولي بالشكل الذي ألفه العالم على مرِّ تاريخه؛ بسبب تداخل المصالح الاقتصادية والمالية وتشابكها، وبسبب ثورة وسائل الاتصال التي يصعب على أيِّ أحد أن يوقفها؛ ولكن لا شك أن عناصر القوة والتأثير لن تظل رهناً لإرادة الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بل ستتوزع بين دول عدة كروسيا والصين والهند واليابان والاتحاد الأوروبي بجانب الولايات المتحدة الأمريكية، ومن الطبيعي أن تزداد استقلالية حكومات العالم الإسلامي في صنع القرار خاصة فيما يخص سياستها مع شعوبها بعدما يترسخ النظام الدولي الجديد، وتعطي هذه الاستقلالية لهذه الحكومات قدرات أكبر في البطش بمعارضيها؛ وإن كان هناك عامل آخر مضاد ولكنه أقل تأثيراً وهو انتعاش الاتجاهات الدولية المدافعة عن الحريات وحقوق الإنسان.
وهذه الاستقلالية سوف تؤدي إلى مزيد من الضغط على الحركات الإسلامية عبر التدابير الحكومية القمعية والسياسية على حدٍّ سواء، لكن ستظل هذه الحكومات معرَّضة لضغوط المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الإنسان، وهو ما يخفف قليلاً من قمعها، ولكن قد تقلُّ حساسيتها لهذه الضغوط بسبب أنه لا توجد حكومات من الأقطاب الدولية يمكن أن تدعم هذه المنظمات سوى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، بينما يمكن لحكومات الدول الإسلامية أن تلجأ إلى أقطاب دولية أخرى لا يهمها منظمات حقوق الإنسان من قريب ولا من بعيد مثل: الصين وروسيا والهند أو حتى إيران أو الــدولة الصهيــونية - فكلتاهما قوة إقليمية عظمى - كي تستند إليها في مواجهة الغرب المساند (ولو شكلياً) لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان.
ورغم ذلك كله فلا بد من رصد العديد من المتغيرات السياسية والاقتصادية وتأثيرها على النحو التالي:
• كما أن التعددية القطبية في النظام الدولي ستتيح لحكومات العالم الإسلامي منفذاً تقاوم به الضغوط الغربية بشأن تقليل القمع والاستبداد تجاه شعوبها؛ فإن الأزمة المالية وما يتبعها من خلل اقتصادي مؤثر سيضعف قدرة هذه الحكومات على القمع والاستبداد؛ كل بقدر درجة أزمته؛ لأنه من المتفق عليه أن ضعف حكومةٍ مّا اقتصادياً يتبعه ضعف سياسي، كما أنه كلما قلَّت إنجازات حكومةٍ مّا الاقتصادية والسياسية كلما تآكلت شرعيتها السياسية أمام شعبها، وهذا الضعف طبعاً إذا أصاب المستبدِّين فإنه يخدم قضية الحريات وتخفيف قبضة الاستبداد وتقليل القمع. 
• ربما سيخف الضغط الدولي بدرجةٍ مّا عن الحركات الإسلامية بصفة عامة والسلمية منها بصفة خاصة بوصف ذلك جزءاً من نتائج الهزائم الأمريكية والغربية وهزائم حلفائهم في أفغانستان والعراق والصومال، وكذلك بسبب نتائج الأزمة المالية العالمية وما يتبعها من مشكلات اقتصادية، وهذا سيصبُّ في مصلحة حركة هذه التيارات سياسياً؛ كل في محيطه، كما أن هزائم الغرب وحلفائهم قد تُستخدم إسلامياً لضمِّ مزيد من الأنصار إلى الحركات الإسلامية باتجاهاتها كافة.
• بعد الهزائم والأزمات التي مُنِيَ بها الغرب وحلفاؤه ستتعلم الدولة الصهيونية أنها يجب أن تتعامل مع الحركات الإسلامية، ومن ثم ستفضِّل التعامل مع التيارات ذات الطبيعة السلمية، كما أنها ستتعامل مع التيارات المسلَّحة التي لن تجد بدّاً من التعامل معها كـ «حماس»، كما أنها لن تمانع من التفاهم والتعاون مع جهات لديها نمط من (البرجماتية) يدفعها إلى التفاهم مع الدولة الصهيونية، وأبرز مثال على ذلك هو: إيران وحزب الله والقوى الشيعية العراقية ونحوها، ولن يتفاهم الصهاينة - ولا الغرب بطبيعة الحال - مع القاعدة أو الجهاد المصري أو السلفية الجهادية بالمغرب أو في أي مكان؛ لأنها غير مضطرة لـــذلك لا الآن ولا في المدى المنظور، لكنها - هي والغرب - قد تضطر للتفاهم مع حركة طالبان في أفغانستان وحركة شباب المجاهدين في الصومال إذا انتصرتا وسيطرتا على البلد، لاسيما أن طالبان وشباب المجاهدين أكثر واقعية ورغبة في التفاهم من القاعدة ومن السلفية الجهادية.
• ستستمر إيران في غضِّ الطرف عن الحركات الجهادية السُّنِّية ما دامت تستنزف الغرب وحلفاءهم في المنطقـة بمـا لا يهدِّد مصالحها ولا أتباعها ولا مناطق نفوذها، كما ستستمر إيران بنجاح في السعي لتقسيم المصالح ومناطق النفوذ في المنطقة بينها وبين الولايات المتحدة والغرب والدولة الصهيونية، ولن تألو إيران وأتباعها جهداً في التضحية بالحركات الإسلامية السُّنِّية في سبيل تحقيق الأهداف الإيرانية، ولكن عندما تستقر مناطق النفوذ الإيرانية وتتراضى عليها مع الصهاينة والغرب ويتم ترسيم حدود نفوذ كل منهم بدقة؛ فإن إيران ستحاول منع الحركات الإسلامية السُّـنِّية من الحركة في مناطق نفوذها، وحينئذ إما تتحول حراب الحركة الإسلامية السُّنِّية إلى ضرب إيران بدل الغرب داخل هذه المناطق أو تنسحب الحركة الإسلامية السُّنِّية - لا قدَّر الله - من هذه المناطق تاركة لإيران حرية تحويل جماهير السُّنَّة في هذه المناطق إلى التشيع كما حدث في العصر الصفوي، كما ستتعاون إيران - في حالة ترسيم خطوط مناطق النفوذ هكذا - مع الصهاينة والغرب لضرب الحركة الإسلامية السُّـنِّية المسـلَّحة والضغط على الحركة الإسلامية السُّنِّية غير المسـلَّحة.
• سيضع العالم بقيادة الغرب تدابير مالية جديدة للتقليل من مخاطر تكرار الأزمات المالية المماثلة، وستمثل هذه التعديلات تغييراً هيكلياً في جوهر الرأسمالية، ورغم أنهم سيضعونها تحت مسمَّى «تطوير النظام الرأسمالي المعاصر» إلا أن بعضاً من هذه التدابير ستقترب كثيراً من تعاليم وأحكام اقتصادية إسلامية موجودة في نص السنة النبوية المطهرة، ورغم أنهم وصلوا إليها بالتجربة والخطأ إلا أنه سيمكن للدعاة الإسلاميين الاستدلال بذلك على صلاحية أحكام الإسلام لكل زمان ومكان، وعلى كون الإسلام قد جاء بما فيه تحقيق مصالح البشر الدنيوية بجانب الأخروية على حدٍّ سواء، وانتهاز هذه الفرصة سيمكِّن دعاة الحركة الإسلامية من التوغل في فئات مجتمعية ومناطق جغرافية لم يكونوا متمكنين من الانتشار فيها من قبل، وهو ما سيعطي الحركة الإسلامية مزيداً من القوة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
• سيؤدي تعدُّد أقطاب النظام الدولي الجديد إلى إتاحة الخيارات أمام الحركة الإسلامية؛ سواء كان ذلك على المستوى الدعوي - الفضائيات والإنترنت ونحوهما - أو على مستوى الحركة الاقتصادية والسياسية، وهو ما يقلِّل - ولا يزيل - مخاطر الحصار الدولي على الأقل تجاه الحركات الإسلامية السلمية.
• ستتضرر شعوب العالم الإسلامي - وأغلبها من الفقراء - من الأزمة المالية الدولية في بعض الميادين، ولكنها قد تكون أقل تضرراً من الغرب، كما أنها قد تعودت على شظف العيش، وهو ما يعني أن انتفاع الشعوب الإسلامية من فوائد الأزمة المالية العالمية أكبر من ضررها ومعظم الانتفاع سيكون سياسياً، والله أعلم.
 

 

للعودة للصفحة الرئيسة