الإسلاميون ليسوا زوبعة في فنجان العَلْمانيين

 أحمـد فهمي

   «الفَزَّاعة»، «البديل»... إنهما كلمتان تعبران عن الفلسفة العَلْمانية في النظر إلى دور التيارات الإسلامية في المجتمع.
المصطلح الأول يشير إلى استخدام «الإسلاميين» بوصفهم نموذجاً سلبياً لشحذ همة - أو جيب - كل من يكره رؤية الإسلام حاكماً في حياة الناس. والمصطلح الثاني يبرز الدور الذي تلعبه التيارات الإسلامية في الحياة السياسية عندما تحرز أحزابها مكاسب في الانتخابات على حساب العَلْمانيين، عندها يتمحور الخطاب العَلْماني حول فكرة أن الجمهور «يعاقب» أو «يعاتب» الأحزاب العَلْمانية باختيار هؤلاء بديلاً مؤقتاً، ولن تلبث المياه أن تعود إلى مجاريها لاحقاً.
إخوان مصر فازوا في الانتخابات؛ لأن الحزب الوطني ترك لهم المجال بتهاونه، وحماس فازت؛ لأن الشعب أراد معاقبة فتح، وجبهة الإنقاذ الجزائرية اكتسحت الانتخابات؛ لأن الجماهير ملَّت من الفساد الاشتراكي.
هناك قلب للمعايير والحقائق احترف المفكرون العَلْمانيون ممارسته في تناول الشأن الإسلامي... من يتعيش على من؟ هل حقاً أن الإسلاميين ليسوا إلا حدثاً عابراً في مسيرة الأمة؟ أم أنهم مجرد زوبعة في فنجان العَلْمانيين؟
إن تأمُّل التاريخ الإسلامي يُنبئ بما لا يدع مجالاً للشك أن العَلْمانية ليست إلا نتوءاً شاذاً مستنسخاً في جسم الأمة، وبعبارة أخرى: ليست «الظاهرة» الإسلامية من تحتاج إلى تبرير وتأويل وتفسير لظهورها، بل الانحراف العَلْماني هو الذي يفتقر إلى ذلك، وبعبارة مبسطة: ليس السؤال: لماذا تتحجب النساء؟ بل: لماذا تبرجت النساء من الأصل؟
إن العَلْمانية بطابعها العربي الشاذ أشبه بنتاج التلاقح بين الحصان والحمار، أي «البغل»، فأصلها مشوش تطاله الريبة، ومستقبلها مجهول يكتنفه الغموض لأنه ليس لمسخٍ نسلٌ ولا عقب.
من يتتبع كتابات الإسلاميين وأدبياتهم يجدهم مقصرين في تحليل «الظاهرة» العَلْمانية في عالمنا الإسلامي؛ فهم منصرفون إلى قضايا كثيرة تتوزع عليها جهودهم، لكن في المقابل يندر أن تجد كتاباً للمثقفين العَلْمانيين أو الليبراليين لا تنبني فكرته الرئيسة على نقد الإسلاميين، إنهم من يتسول - حقيقة وواقعاً - على موائد الإسلاميين ويشحذ على أبوابهم، حتى إن أحدهم لا يستقيم له عود بين ظهراني قومه إلا باعتناء مثقف إسلامي بنقده. ثم هم يجاهرون بأن الإسلاميين مجرد «ظل» لهم، وأنهم ليسوا إلا «فزاعة» أو «بديلاً».
إن آفة الإسلاميين ليست في قوة أعدائهم - فهم «مســخ» - ولكنهــا ضعف في أنفسهم، كما ذكر الله - جل وعلا - في كتابه الكريم: {قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ} [آل عمران: ٥٦١]، فهم ينتصرون بقدر ما يمتثلون لمقدمات النصر وأسبابه، وينهزمون - ليس لقوة أعدائهم - ولكن بقدر تخليهم عن موجبات النصر.
 
 

للعودة للصفحة الرئيسة