(أوباما) إلى مستنقع الهزيمة في أفغانستان

ممدوح إسماعيل

  الرئيس الأمريكي المنتخب (أوباما) ركَّز تركيزاً شديداً خلال حملته الانتخابية على أفغانستان، وكان لافتاً أنه في الوقت الذي يتحدث فيه عن انسحاب من العراق كان يتحدث عن زيادة عدد القوات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، ووعد بإرسال 20 ألف جندي أمريكي إلى أفغانستان، وخلال حملته الانتخابية تسرَّبت أخبار من مساعديه عن خطته في أفغانستان والتي تتبلور في إشراك إيران معه في جبهة واحدة ضد طالبان.
وقد زار (أوباما) أفغانستان في شهر يوليو 2008م في إطار جولاته الانتخابية، ولم يمضِ شهر على تسلم (أوباما) رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية حتى أصدر في 18 فبراير 2009م قراراً يفوض إلى وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) إرسال 17 ألف جندي إلى أفغانستان.
وقال (أوباما) في بيان مكتوب: إن هذه الزيادة لازمة لفرض الاستقرار في أفغانستان التي تشهد وضعاً متدهوراً والتي لم تحظ بالاهتمام الاستراتيجي والتوجيه والموارد التي تحتاج إليها بشدة، ومن المتوقع أن يصل عدد القوات الأمريكية في أفغانستان إلى 60 ألفاً إضافة إلى 30 ألف جندي من حلف الأطلسي. وقال (أوباما): إن الوضع في أفغانستان يبدو أنه يزداد سوءاً، وإن الحل يتطلب ما هو أكثر من مجرد القوة العسكرية.
وقد صرح (أوباما) لمحطة تلفزيون «سي. بي. سي» في مقابلة في 18 فبراير قائلاً: «هناك الكثير من بواعث القلق بشأن صراع استمر وقتاً طويلاً، ويبدو بالفعل أنه يتدهور في الوقت الحالي».
وأضاف: «إنني مقتنع تماماً بأنه لا يمكن حل المشكلة في أفغانستان، مع ظهور حركة طالبان وانتشار التطرف في المنطقة؛ من خلال الوسائل العسكرية وحدها».
وتابع قائلاً: «علينا أن نستخدم الدبلوماسية والتنمية، وندرك أهمية وجود استراتيجية متكاملة».
وعقب قرار (أوباما) صرَّح قائد القوات الدولية في أفغانستان (إيساف) الجنرال (ماكيرنان) بأنه يحذر من التفاؤل بأن الأحوال في أفغانستان ستتبدل سريعاً بمجرد إرسال هذه القوات، مؤكداً أن الهجمات التي يشنُّها مقاتلو طالبان تطوَّرت كمّاً ونوعاً، كما أنها تتسم بقدرة كبيرة على التجدد. واختتم الجنرال الأمريكي (ديفيد ماكيرنان) تصريحه قائلاً: إن بلاده ستواجه «عاماً صعباً هناك».
من الواضح أنه يوجد تركيز عسكري أمريكي على أفغانستان؛ خاصة أن الوضع العسكري للقوات الأمريكية المحتلة وحلفائها يواجه صعوبة شديدة في ترسيخ احتلاله، في الوقت الذي تزداد فيه (طالبان) قوة تمكِّنها من ترسيخ سيطرتها على أقاليم وولايات كثيرة في أفغانستان.
وبات واضحاً أن أفغانستان أصبحت تشكِّل ليس رقماً صعباً إنما واقعاً صعباً على القبول بالمحتل، وذلك ينبع من أن المقاومة إسلامية خالصة، وأهدافها واضحة، وهي صامدة وصعبة الاختراق رغم عدم التكافؤ في ميزان العتاد والقوة العسكرية مطلقاً؛ بين المحتل بقواته الأمريكية وحلفائه من حلف الناتو، ومقاومة تعتمد على إيمانها بعدالة قضيتها وحقوقها، وتعتمد على ما تغتنمه من سلاح من عدوها.
لذلك اعتمدت الخطة الأمريكية في أفغانستان على ثلاثة محاور لاختراق المقاومة والإيقاع بها، وهذه المحاور هي:
المحور الأول: الإيقاع بطالبان في مستنقع المؤامرات السياسية:
وقد نشطت هذه الخطة برعاية أمريكية بعد الانتصارات المذهلة التي حققتها المقاومة الأفغانية خاصة في عام 2007م، وهو ما دفع الرئيس الأفغاني المعيَّن من قِبَل الاحتلال الأمريكي إلى محاولة الالتفاف على انتصارات المقاومة الأفغانية بطلب التفاوض مع طالبان والدعوة إلى إشراكها في الحياة السياسية، ولم يخف أن ذلك برعاية وموافقة أمريكية، وتسرَّبت أخبار عن الدفع بدول عربية لمحاولة جذب طالبان إلى العملية السياسية، وقد أعلنت طالبان رفضها بكل وضوح لكل تفاوض في ظل وجود الاحتلال.
وقد كان سبب موقف طالبان هذا التالي:
1 - أن التفاوض والاشتراك في حكومة في ظل الاحتلال يدعم الاحتلال ويقوي وجوده وينافي المبادئ الإسلامية التي تدعو إلى جهاد الدفع حتى يتم طرد المحتل الصليبي الغاصب.
2 - أن التفاوض يضعف حقها الشرعي والقانوني في المقاومة ويفتن الشعب الأفغاني في حقه المشروع في طرد المحتل.
3 - أن التفاوض في ظل الاحتلال يعني إهدار كل التجارب التاريخية لطرد المحتلين والتي نجح المحتل في بعضها في الالتفاف على المقاومة عبر المؤامرات السياسية.
4 - كيف تتفاوض طالبان وتشارك مع حكومة عميلة وهي تسيطر - بشهادة المراقبين - على 75% من الأراضي الأفغانية فعلياً والحكومة العميلة متحصنة في كابل؟
لذلك كان رفض طالبان عين الصواب وهو حقها المشروع شرعاً وعقلاً ولا تستطيع مواثيق القانون الدولي إنكاره.
 المحور الثاني: إشراك إيران في المواجهة مع طالبان:
وإشراك إيران في المواجهة مع طالبان لا يخفى أنه استغلال واضح للحقد الشيعي ضد السُّنة ومحاولة تكرار التجربة العراقية عندما دخلت الدبابات الأمريكية بغداد وعلى ظهرها المرجعيات الشيعية العميلة.
ولكن يوجد عدة نقاط تؤخر هذا التحالف:
1 - التدخل الشيعي الإيراني في العراق كان سبباً في توعية الشعوب الإسلامية بالحقد الشيعي، وإيران تحاول الالتفاف على ما حدث في العراق من مذابح ضد السُّنَّة برفع صوتها المعارض ضد الأمريكان، لكن يبقى أن العيون مفتوحة جداً للتحركات الشيعية.
2 - ازدياد النفوذ الإيراني بما حققه من مكتسبات عبر تحالفه مع الأمريكان في العراق أقلق الأنظمة العربية والإسلامية المحيطة بإيران، ومن ثم شكلت محور ضغط على الإدارة الأمريكية لفضِّ ذلك التحالف الشيطاني عبر تقديم امتيازات للأمريكان. ومن ثم فإن تحالفاً أمريكياً - إيرانياً جديداً ضد أفغانستان سيجدد المخاوف ويقلق الجميع من تنامي الدور الإيراني.
3 - وإن كان الواقع الأفغاني متعدد العرقيات إلا أن الجبهة الأفغانية المقاومة جبهة قوية واضحة المبادئ؛ فهي إسلامية سُنية عقائدية وهو ما يتيح لها أن تجمع حولها كل العرقيات، بغض النظر عن أن طالبان من قبائل البشتون وهم يمثلون قرابة 40% من السكان.
لكن منفذ المخطط الوحيد من جهة المؤامرات السياسية هو: التسلل عبر الأقلية الشيعية، غير أنها صغيرة ولا قوة لها. وإن محاولة تكرار جبهة التحالف الشمالي كما حدث عقب 11 سبتمبر صعب؛ لأن الواقع الأفغاني فطن لما يحدث.
المحور الثالث: القوة العسكرية:
وهو أهم المحاور العلنية الواضحة ويتمثل في زيادة القوة العسكرية للاحتلال وضرب المقاومة ضربات عسكرية قوية عبر استخدام كل أسلحة التدمير المتاحة. وقد بدأ الرئيس الأمريكي (أوباما) بتنفيذ هذا المخطط بقراره إرسال 17 ألف جندي أمريكي إلى أفغانستان.
ومن الواضح أن في هذا المحور عدة محاذير:
الأول: ارتفاع كمِّ الغباء الأمريكي؛ فتاريخياً لم يستطع محتلٌّ أن ينال من أفغانستان؛ بداية من الإسكندر ومروراً بالإنجليز وختاماً بالسوفييت وخروجهم الذليل من أفغانستان وانهيار إمبراطوريتهم السوفييتية الغاشمة على يد المقاومة الأفغانية.
الثاني: واقعياً؛ فإن الحرب الأمريكية على أفغانستان مرَّ عليها سبع سنوات ولم يحقق الطغيان الأمريكي مراده في تركيع الأفغان واستسلامهم، بل الواقع يشهد أن المقاومة استعادت سيطرتها على ثلاثة أرباع أفغانستان في ظل وجود أقوى القوى العسكرية في العالم بكل أسلحتها المتطورة الأمريكية والبريطانية والفرنسية والإسبانية وغيرهم.
الثالث: بالنسبة للناحية العسكرية على الأرض الأفغانية فإن هناك سؤالاً يُطرح بقوة وهو: هل كانت انتصارات المقاومة الأفغانية (طالبان) نتيجة قلة عدد القوات العسكرية الأمريكية المحتلة؟ أم نتيجة قوة المقاومة وصمودها وإصرارها على انتزاع حقوقها؟ والإجابة واضحة، ولكن الغرور الأمريكي يدفع بجنوده إلى مستنقع الهزيمة. نعم! وهذا ما جاء على لسان قائد القوات الأمريكية المحتلة لَـمَّا حذر من التفاؤل بإرسال هذه القوات لتحقيق نصر سريع.
الرابع: طبيعة الشعب الأفغاني الذي يتميز بالصلابة والجَلَد وخاصة مقاتلي طالبان المنحدرين من الجنوب الأفغاني من قندهار التي اشتهرت بالمسابقة الشعبية المشهورة التي يطلق عليها «إطفاء الجمر»، وهو ما يعطي إشارة إلى ذلك، فالمسابقة تتلخص في حمل اللاعبين جمراً مشتعلاً بأيديهم لمدة طويلة حتى تنطفــئ، ويكــون الفائز فــي هذه المسابقة هو من لا يتحرك أو يتأوَّه، وهو ما يدل على مدى عِظَم الجَلَد عند أفرادها.
لا يفوتنا في هذا الصدد الإشارة إلى أن المحتل حاول تطويع الشعب الأفغاني بقتل أبنائه ونسائه وأطفاله كي يرهبهم ولكنه فشل. وتشير الإحصائيات إلى أن عدد القتلى من المدنيين الأفغان جراء الغارات الأمريكية في عام 2008م فقط 2100 شخص ما بين طفل وامرأة وشيخ، فكان نتيجة ذلك أن ارتدَّ الأمر على قوات الاحتلال بغضب شعبي. والبرهان على ذلك أن سيطرة طالبان ما كانت تتم لولا المساعدات اللوجستية التي يقدمها الشعب الأفغاني للمقاومة.
ويبقى أنه يبدو واضحاً في الأفق أن (أوباما) يريد أن تكون إدارته متميزة عن إدارة الحقود (بوش) بتحقيق نصر عسكري سريع في أفغانستان بإصراره على تولية وزير الدفاع الأمريكي (جيتس) في إدارته وتصريحاته بتركيز المواجهة في أفغانستان، لكن الواقع والتاريخ يفضحان القناع الديمقراطي الذي يتخفى به (أوباما) تحت شعار التغيير، فها هو يرفض إعطاء الشعب الأفغاني حقه في تقرير مصيره واختيار حكومته اختياراً حراً بعيداً عن فوهات المدافع والصواريخ الأمريكية.
إن مقاومة المحتل حق مشروع كفلته كل المواثيق والأعراف الدولية، وإن قرار الرئيس الأمريكي (أوباما) زيادة عدد القوات العسكرية الأمريكية في أفغانستان يدل على استمرار العنصرية الأمريكية في ممارسة طغيانها ضد الشعوب المسلمة، وما يحدث في فلسطين من تواطؤ أمريكي على العدوان وسلب حقوق الفلسطينيين ليس ببعيد يحدث في أفغانستان.
ولكن (أوباما) سوف يدرك قريباً - بإذن الله - أنه وضع قدميه في مستنقع الهزيمة في أفغانستان، وهو مستنقع سيسقط قناعه الديمقراطي الزائف ويلحقه بمن سبقوه من المهزومين في أفغانستان.
 

 

للعودة للصفحة الرئيسة