وادي سوات بين جبال المعضلات

أمير سعيد

   إنه موعد الطعام، والحراس يدخلون على الملك الأسير وفي يدهم الطبق الصاعق، إنها رؤوس ثلاثة من أبنائه تحاكي رواية سالومي التوراتية عن يحيى عليه السلام.
كان أبو ظفر سراج الدين محمد بهادر شاه آخر ملوك المسلمين في الهند قد أدخل القلعة قسراً بعدما فشلت الثورة على شركة الهند الشرقية البريطانية التي كانت تحكم الهند فعلياً قبل أن يرتقي عرش السلطة؛ لتبدأ من بعد محاكمة صورية له تفضي إلى نفيه إلى مينمار (بورما سابقاً) في محبس يديره الإنجليز ظل فيه إلى أن «وافته المنية في عصر يوم الجمعة 14 جمادى الأولى 1279هـ/ 7 نوفمبر 1862م وقد بلغ من العمر 89 سنة وكان عمره حين تولى العرش سنة 1837م ستين سنة. وهكذا انطفأت آخر ذبالة من مصباح الأسرة التيمورية التي حكمت الهند منذ أن فتحها بابر شاه سنة 932هـ/ 1526م[1].
وفي مينمار كانت آخر كلمات الملك الشاعر القدير بالأردية ـ كما ينقلهــا الشيخ عبد المنعم النمر بعد ترجمتها إلى العربية ـ «... ما كانت لي أمنية إلا أن يكون بيتي في المدينة بجوار رسول الله، وبدلاً من أشرب من ماء زمزم بقيت هنا أشرب الدموع الدامية... ولم يبق من حياتي إلا عدة أيام..»[2].
طبق تعلوه الجماجم قبل قرن ونصف القرن، وآخر يحمل مساعدات تبلغ نحو 12 مليون جنيه إسترليني يحملها رئيس الوزراء البريطاني (جوردن براون) لضيفه الباكستاني الرئيس (آصف زرداري) لدى اجتماعهما في العاصمة البريطانية لندن؛ تشجيعاً لحكومة الأخير على أن تمضي قدماً في تمزيق باكستان عبر بوابة وادي سوات.
قال (براون) في مؤتمر صحفي جمعه بالرئيس الباكستاني في 13 مايو الماضي: «نحن نستطيع توفير المأوى والمياه والغذاء وتأمين الظروف الصحية لهؤلاء الأشخاص الذين تم تشريدهم نتيجة الأعمال الإرهابية».
وبالطبع؛ فإن ما يزيد عن مليون مشرد بسبب الحرب المجنونة في الإقليم لم يسبب ذلك الجيش الباكستاني باندفاعه نحو مصير مفزع في نظر (براون)، وإنما «المتطرفون» هم وراء ذلك؛ لذا فقد بادر إلى القول: «لا ينبغي أن يكون هناك مكان لأي خطأ. إن باكستان تقاوم الإرهاب، ورجال قوات الرئيس زرداري يخاطرون بحياتهم في القتال ضد المتطرفين».
ولا غرو أن يزيَّف الواقع هكذا، فرئيس الحكومة البريطانية كان يعالج ـ قبل تصريحه بساعات ـ أزمة طريفة تتعلق بانكشاف استخدامه مساحيق تجميل يضعها على وجهه، كتلك التي يستخدمها في سياسة بلاده، ولا كان عجيباً أن تلقى المساعي السلطوية الباكستانية في فرض واقعها في إقليم وادي سوات الذي تسيطر عليه حركة طالبان الباكستانية؛ تشجيعاً مناظراً من واشنطــن، التــي تعلن أنها لا تريد أن ترى الأزرار النووية الباكستانية في متناول أصابع زعماء طالبان. وتشاركها في هذا الهم بريطانيا أيضاً.
السياسة الأمريكية قد تكون مفهومة بعض الشيء، وكذا البريطانية التي بادرت ـ إلى أن نجحت ـ في زرع الشقاق بين المسلمين والهندوس إبان حكمها لشبه القارة الهندية خلال قرن ونيف، حتى تمكنت من تسليم سلطة البلاد إلى الهندوس بعد حكم للمسلمين جاوز ثمانية قرون، ونجحت كذلك في فصل المسلمين إلى باكستان (الكبرى)، التي سرعان ما فقدت أولى مناطقها (كشمير في عام الاستقلال 1947م)، ثم فقدت بنجلاديش (باكستان الشرقية) في العام 1971م، وتعاود الدولتان (الولايات المتحدة وبريطانيا) مساعيهما نحو مزيد من تفكيك باكستان. لكن ما يصعب فهمه الآن هو الكيفية التي سيجري عليها هذا التفكيك إذا ما بدا أنه خيار أوحد للاستراتيجية الأمريكية والبريطانية فيما يخص باكستان.
معطيات الأزمة:
لدينا الآن معطيات على الأرض تتعلق بهشاشة الحكم الباكستاني، وهو تعبير نستعيره من الرئيس الأمريكي نفسه الذي لم يخجل في التصريح بذلك لدى زيارة الرئيس الباكستاني (آصف زرداري) لبلاده، وهو ما حدا بالأخير أن يعلن عن بدء المعارك ضد حركة طالبان في إقليم وادي سوات مع أنه وقَّع مرسوماً يقضي بالموافقة على تطبيق الشريعة في الإقليم وفاءً باتفاق وقعته السلطة الباكستانية المحلية مع الحركة الإسلامية.
ولدينا «خريطة حدود الدم» التي رسمها الخبير الاستراتيجي العسكري الأمريكي ونشرتها مجلة (القوات المسلحة) الأمريكية في يوليو 2006م، والتي تقسم باكستان إلى أجزاء؛ منها: ما يستقــل تــماماً، كمــا فــي إقليم بلوشستان أو «جمهورية بلوشستان الحرة» مثلما هو مكتوب على الخريطة، ومنها ما ينضم إلى أفغانستان، وهي الأقاليم ذات الغالبية البشتونية التي تتكون منها حركتا طالبان على جانبي الحدود الباكستانية/الأفغانية.
ويعزز ذلك ما فاجأ به الرئيس الأمريكي (باراك أوباما) العالم، واسترعى اهتمام دوائر البحث والقرار في العواصم المعنية، عندما عيَّن مبعوثاً مشتركاً للبلدين الجارين معاً: باكستان وأفغانستان، وباشر إثرها بالفعل سياسة مشتركة تجمع الدولتين بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.
ولدينا في المقابل احتقان شديد في بيئة محافظة لقومية البشتون في إقليم سوات ومناطق القبائل الأخرى من ارتهان الموقف الباكستاني للولايات المتحدة، وحركة التغريب الجارية بشكل مفاجئ داخل المجتمع الباكستاني، وتنفُّذ زعامات طائفية إسماعيلية وغيرها في السلطة الباكستانية بدءاً من الرئيس وقائد الجيش وانتهاء بالضباط ذوي النفوذ القوي في مفاصل الجيش، ووقوع البلاد عموماً تحت قبضة الولايات المتحدة الأمريكية التي أحالت قوة الردع النووية الباكستانية من عنصر قوة واستقلال إلى نقطة ضعف واستخذاء.
ويعزز ذلك إخفاق الأحزاب الإسلامية السياسية في إدارة كفة السلطة لصالحها، وتشرذمها، وعجزها عن اتخاذ موقف موحد كان كفيلاً بإيقاف نزيف التدهور الذي تعيشه باكستان، وفشل الإسلاميين في حصد ثمار معارضتهم القوية حيناً للرئيس الباكستاني السابق (برويز مشرف)، وهو ما يصب كله بدوره في تشجيع الشباب المحافظ والمتدين في وادي سوات على الاصطفاف مع حركة طالبان المسلحة.
ولدى الثائرين وقود لا ينضب من الغضب لاحتلال الجارة أفغانستان، وإطاحة حكم إسلامي من جهة؛ وبشتوني من جهة أخرى داخل أفغانستان، واستمرار تدفق القوات الأمريكية والغربية إلى أفغانستان، في وقت تلقى فيه هذه القوات دعماً لوجستياً من إسلام آباد.
وفوق هذا تلقي الطائرات الأمريكية العابثة بلا اكتراث حممها فوق رؤوس الفقراء على جانبي الحدود فتحصد أرواحاً بريئة لا تجد من يدفع دياتها ولا يأسف لها إلا نفاقاً، وتحيل أفراحاً إلى مآتم تستفز مشاعر المؤمنين.
صراع الاستراتيجيات:
غير أنه على الصعيد الاستراتيجي ثمة معطيات أخرى تتعلق برغبة فريق في الاستخبارات الباكستانية في الإبقاء على طالبان الباكستانية وغيرها من الحركات في المناطق الشمالية؛ تعزيزاً لقوة الجماعات الدينية في كشمير المحتلة، وربما للإبقاء على النفوذ الباكستاني في أفغانستان والذي اختل بعد الاحتلال الأمريكي لها لصالح الهند (العدو اللدود لباكستان) وإيران التي تكاد تفرض سيطرتها الكاملة على إقليم هيرات الغربي بأفغانستان، ولديها تخوُّف من أن يؤدي الإفراط في استخدام القوة ضد طالبان إلى إحداث جرح لا يندمل بين القبائل والسلطة المركزية في إسلام آباد قد يؤدي إلى تعزيز فرضية الانفصال في النهاية بما يهدد أمن باكستان كلياً، وهذا ـ الاستنتاج الأخير ـ بالفعل ما نبَّه إليه مسؤول العلاقات الخارجية في الجماعة الإسلامية الباكستــانيــة عبد الغفار عزيز حين أشار إلى «تحذيرات الولايات المتحدة من سيطرة طالبان على باكستان، بالإضافة إلى الأنباء والتوقعات بأن يكون مستقبل باكستان وسلامة أراضيه ووحدته في خطر، وتصريحات الصهاينة حول الخطر الباكستاني والأفغاني، (كل ذلك يدل) على المسرحية التي يراد تمثيلها في المنطقة من أجل تمزيق باكستان وتفتيتها»[3].
لا جرم أن نقول بعد هذا: إن ما يظهر من الأزمة ليس إلا قمة جبل الجليد، وأدناه الكتلة الأساسية في الصراع، واختزالها في حركة أو حركات «تجاهد» من أجل تطبيق الشريعة، وحكومة طائفية الهوى عَلْمانية المظهر، متحالفة مع الولايات المتحدة تناهض من أجل منع ذلك، أو حتى جيش أُثخِن بالجراح يريد أن يسترد هيبة الدولة، ويكبح جماح المعارضين المسلحين أيّاً كانت مشاربهم وأيديولوجياتهم، وقوى مسلَّحة في المقابل تريد عيشاً هادئاً في ظل شريعة غراء، هو كله اختزال مخــل، يتجافــى ووقــائع أخرى ربما لا تسعد الطرفين حكايتها.
لكن قبل أن نتناولها داخلياً من المهم أن نتناول رغبة أكثر من طرف إقليمي ودولي في أن تتضاءل القوة الباكستانية، وأن تغيب بوصفها دولة إسلامية كبرى في المنطقة عن القيام بدورها المأمول المساند للقوى الإسلامية التحررية كافة في محيطها.
وإذا جاز لنا أن نتجادل حول ما إذا كانت تلك الإرادة الدولية والإقليمية ترقى إلى مسألة تفكيك باكستان أو تبقيها ولكن في طور «الرجل المريض» الذي يظل كخيال ظل أمام القوى المحازية؛ فإنه قد يكون ثمة إجماع على أن إضعاف باكستان بوصفها دولة نووية سُنية وحيدة هو هدف استراتيجي لكل من الولايات المتحدة وبريطانيا والهند وإيران، ولدى الجميع ما «يناضل» من أجل تحقيقه؛ فالولايات المتحدة لا تخفي من جهتها سياستها الرامية إلى إضعاف العديد من البلدان الإسلامية، بل هي شرعت في الحقيقة في مساعي تفكيك دول كثيرة، وهو ما يمكن تلمسه في أفغانستان وباكستان والصومال واليمن.. إلخ. والهند العدو التقليدي لباكستان ليس لها أكثر من فرصة كهذه لتقتنص أوراقاً ظلت في يد باكستان، وليس من الحكمة أبداً أن تترك باكستان في حالة ضعف كهذه دون أن تسعى لإخضاعها نهائياً، وتمدُّد الهند في أفغانستان والدول المحيطة بها مؤشر واضح على ذلك، بل حتى داخل باكستان وتحديداً عبر تجنيد المئات من العملاء في الداخل الباكستاني لا سيما في منطقة القبائل في جنوب وشمال وزيرستان ووادي سوات.
كما أن محللين رأوا في أحداث بومباي ذاتها ضربة خلفية للضغط على باكستان من أجل تقليم أظافرها في الخارج سواء كان في كشمير أو أفغانستان بعد أن هددت دلهي صراحة بضرب باكستان على خلفيتها، واتهمتها بالتراخي في لجم أنشطة الجماعات «الجهادية»، وهو ما التقطته الإدارة الأمريكية بسرعة وزادت من ضغوطها على إسلام آباد في هذا الصدد أيضاً.
قابلية التقسيم وكيفيته:
نعود إلى الكيفية التي يمكن أن تفضي إلى تقسيم باكستان، وتحديداً فيما يخص قضية إقليم وادي سوات الباكستاني، الذي تطالب به حركة طالبان وحركة تنفيذ الشريعة المحمدية الباكستانية، وتتقدم السلطة الباكستانية خطوة في السلام بالإقليم تأسيساً على موافقتها على تطبيق الشريعة الإسلامية ثم تتراجع خطوات بعد أن تحفزها الضغوط الأمريكية.
غني عن البيان أن ضعف الدولة الباكستانية الآن وهشاشة قدرتها الردعية الخارجية، وفقدانها هيبتها الداخلية؛ هي إحدى أهم نتائج التدخل الأمريكي الواسع في شؤونها الداخلية والخارجية، ويتمثل هذا في إفقار هذه الدولة الفقيرة أصلاً إلى حد عدم مقدرتها على تحقيق عملية كالتي تجريها في وادي سوات دون أن يتسول قادتها 12 مليون جنيه إسترليني من بريطانيا، بوصف ذلك مؤشراً حقيقياً على هشاشة الدولة وارتهان قراراتها السياسية الداخلية بالقرار الغربي، ويكفي أن ندل بابتزاز الدول الغربية لباكستان عن طريق صندوق النقد الدولي لتقديم تنازلات في مقابل قرض قيمته 12 مليار دولار يعفيها من مغبة الإفلاس خلال عامين مثلما تؤكد تقارير غربية.
وما يعانيه الرئيس الباكستاني سياسياً بالداخل إلى الحد الذي يجعله حريصاً الآن أكثر من أي وقت مضى على السعي وراء التحالف مع غريمه السني (نواز شريف) من أجل البقاء في السلطة التي يتوقع بعضهم أن تكون أيامه فيها قد باتت معدودة في ظل احتقان شعبي عارم، وانفلات أمني هائل، وتراجع شعبية الحكومة الطائفية، وتكبل يديها عن اتخاذ أي قرار ذي طبيعة جريئة لا سيما عجزها عن إطاحة رئيس المحكمة الدستورية عدة مرات؛ كل ذلك أيضاً مؤشر على عدم قدرة الدولة الباكستانية على التحرك ناهضة بمسؤوليتها الدينية والوطنية بعد أن خضعت لإفراغ مشابه لما جرى في العراق من كثير من عناصرها الوطنية في دواليب الحكم، وأجهزة الجيش والأمن والاستخبارات، حيث يخشى بعض المراقبين في العاصمة الباكستانية أن تكون قد أوشكت على النضوب مع الإطاحة بكثير من الرؤوس النظيفة في تلك الأجهزة.
علاوة على ما يجنيه وجود مخربين حقيقيين داخل الدولة الباكستانية في أجهزتها الأمنية والسياسية مرتبطين بالولايات المتحدة وبريطانيا والهند وإيران، يعملون بإخلاص على إثارة القلاقل وتغييب الأمن والاستقرار، وربما تنفيذ مسرحية إخفاق الجيش وعجزه عن ضبط الأوضاع، والإيعاز للقادة الميدانيين بضرورة طلب المساعدة من الخارج، سواء كانت من أمريكا أو من الهند، وهو ما يفتح الأوضاع على الاحتمالات المشؤومة كافة، ويكشف جميع حدود باكستان مع أفغانستان، والتي تجد في مقابلها نشاطات واسعة للقنصليات الأمريكية والهندية والإيرانية.
وإذا ما أغرقنا في «التشاؤم» فربما توقعنا تحرك القوات الأمريكية الخاصة المدربة تدريباً خاصاً لـشنِّ عملية بالقرب من مواقع الترسانة النووية الباكستانية في العمق الباكستاني، وهو ما يهدد ما بين 50 إلى 150 سلاحاً نووياً باكستانياً يدمن الإعلام الغربي هذه الأيام على الترويج لخطورة وقوعها في أيدي قوات «إرهابية» كطالبان أو غيرها.
ولا يليق بنا أن ننسى أن الولايات المتحدة التي أشاعت ذلك إلى حد إيهام العالم كله بقدرة ميليشيا محدودة القدرة كحركة طالبان الباكستانية على الوصول إلى تخوم العاصمة الباكستانية وتهديد المواقع النووية الاستراتيجية فيها، وهــو ما يبقى محل سخرية من الخبراء العسكريين حقيقة؛ فإسلام آباد ليست ككابول الأفغانية أو نجامينا التشادية وحتى الخرطوم السودانية علــى كــل حال، وما يعتريها من ضعف لا يدنو إلى حد التهديد العسكري من ناشطين هواة.
بيد أن واشنطن في الحقيقة عملت على ترسيخ هذه الأغلاط عمداً، واسترسل إعلامها في تضخيم وجود بعض المسلحين من طالبان في منطقة بونير التي تبعد عن العاصمة الباكستانية إسلام آباد مسافة 100 كيلو متر فقط، متجاهلة أن إقليم سوات الباكستاني يبعد في الحقيقة مسافة 130 كيلو متراً فقط عن العاصمة وأن التحرك في بونير لا يرقى أبداً لتمثيل تهديد إلا في نفوس من يتأبطون شراً.
أما كيف يتم التقسيم إن وقع؛ فالأمر يتعلق بالزاوية التي انحشرت فيها السياسة الباكستانية، سواء أكان ذلك متعمداً من خلال عملاء خاضعين للخارج في دوائر السلطة أو أن الحكومة الباكستانية قد وجدت نفسها بالفعل محشورة في تلك المنطقة دونما تقدير منها.. الأمر سيان!
إن الدلائل تشير إلى أن باكستان إما مقدمة على تحقيق نصر على المقاتلين في وادي سوات على حساب سقوط ضحايا من الشعب الباكستاني في أعقاب أزمة إنسانية، وهو ما يجعل السلطة في خانة العداء المباشر مع مدنيي القبائل وسوادها الأعظم في مناطق البشتون.
وإما متراجعة عن إلحاق الأذى بالمقاتلين، والاكتفاء بتحقيق هدنة توقعها تحت ضغط الغرب من جهة، وانقسام الجيش أو انقلابه، وتشجيع المعارضين في الأقاليم على حذو سياسة طالبان باكستان، والاستعداد لما ينجم عن ذلك من ضياع «هيبة الدولة» داخلياً.
وهما خياران أحلاهما مر (وقد لا ترى هذه الأوراق النور قبل حسم ذلك)، وكلاهما قد يقطع خطوات في طريق تقسيم باكستان سواء كان ذلك من زاوية الضعف المفضي إلى التفكيك، أو الإفراط في القوة المفضي إلى الانتقام ومن ثم الانفصال، وفي الحالين تجني الولايات المتحدة ثمار رعونة القرار السياسي الباكستاني منذ حكم (برويز مشرف) وحتى الآن.
الطرف الآخر:
لا يخفي بعض الساسة والخبراء الباكستانيين مخاوفهم من ألا يقرأ الطرف الآخر ـ وهو الحركات المسلحة في إقليم وادي سوات ـ اللحظة جيداً، وألا يكونوا يدركون مغبة «مخاطرتهم» التي يعزوها بعضهم إلى غياب الحكمة والديماجوجية السياسية، بخلاف حركة طالبان أفغانستان التي تضبط إيقاع تحركها نوعاً ما مع متغيرات التكتيك المقابل.
وكثيــراً ما تتحــدث التقارير عن أن منطقة وادي سوات لا يحكمها فصيل واحد، وإنما عدة فصائل وحركات تتحدث بعض تلك التقارير عن أنها 7 ـ 8 حركات، بعضها يطالب بالانفصال صراحة عن باكستان. وتتوافر بعض معطيات غير مؤكدة عن اختراقات واسعة لحركات المسلحين في إقليم وادي سوات، ومئات من العناصر الاستخبارية التي تعبر الحدود من أفغانستان إلى باكستان عن طريق القنصليات الهندية الكثيرة والإيرانية التي عانت من جهتها كثيراً من نشاط الاستخبارات الباكستانية ضدها في أفغانستان، وترد باكستان بين الفينة والأخرى بأسر مسؤولين في تلك القنصليات بعد عبور الحدود.
لم يفهم كثيرون حقيقة مغزى وجود مسلحين في بونير بعد الاتفاق مع السلطة المحلية في وادي سوات، ومع صعوبة الكشف عن المتسبب في اندلاع المعارك مؤخراً، وما إذا كان هذا الوجود قد استفز السلطة المركزية في إسلام آباد ومنح الرئيس الباكستاني الموتور من المسلحين في الوادي مبرراً لشنِّ عدوان جديد عليهم أو لا، لكن الأهم من ذلك هو أنه قد صبغ الأوضاع بطبقة من الغموض لا يمكن معه الجزم بقدرة زعماء المسلحين على التحكم في كل عناصرها، ولا التمكن من فهم غايات المسلحين والحكومة على وجه الدقة، لا سيما أن حزب الرابطة الإسلامية جناح (نواز شريف) قد لام الطرفين في تجدد القتال سواء كان بخروج مقاتلي طالبان خارج سوات أو رد الحكومة الباكستانية دون استشارة القوى السياسية الرئيسية في البلاد. كما أن مسؤول العلاقات الخارجية في الجماعة الإسلامية الباكستانية عبد الغفار عزيز قد رأى من جهته أنه «عقب كل اتفاق سلام سواء كان في سوات أو شمال أو جنوب وزيرستان تلجأ الحكومة إلى خيار القوة بضغط أمريكي تكون نهايته فشل الاتفاق والعودة إلى لغة التحدي والمواجهة (..) والولايات المتحدة تجعل اليوم ما تسميه بخطر طالبان باكستان كأزمة أسلحة الدمار الشامل العراقية تمهيداً للزج بقواتها مستقبلاً داخل الأراضي الباكستانية، (..) وهناك من ينتحل شخصية طالبان من عملاء لدول أجنبية أو غيرهم بهدف إشعال فتيل الحرب في المنطقة»[4].
بعيداً عن اللحظة:
نحن لا نملك في واقع الأمر كل الحقيقة، وفي ظل أوضاع متشابكة كتلك يصعب فهم ما يجري في وادي سوات خصوصاً وباكستان عموماً، بل ربما في أماكن كثيرة من العالم، لا نملك إزاءها إلا الاستشراف والتوقع والتحليل، بيد أن ثمة ما نملكه ربما لا يشاطرنا إياه الآخرون، وأعني بالجمــع المسلميـــن لا شخصي بطبيعة الحال؛ ولذا من المهم أن نقرأ اللحظة بما هو بعيد عنها، وبين أيدينا بعض المعارف التي قد تسهم في حل أحاجي السياسة في باكستان وغيرها، لا تدعنا إلى الاسترسال، وإنما إعطاء إشارات موجزة في نقاط محددة، أسوقها لتنشيط الذاكرة ليس إلا:
1 ـ الابتزاز المالي الغربي لباكستان الآن هو نظيــر ما سبقه من شركة الهند الشرقية البريطانية التي قامت بدورها كاملاً ثم سلمت الهند جميعها إلى بريطانيا لتعلن الملكة فكتوريا قرارها في الأول من نوفمبر 1858 م خضوع الهند للتاج الملكي البريطاني، وهو ما يعني تلقائياً انتهاء حكم المسلمين بعد 8 قرون ونيف، والسبب إغراق الشركة للوجهاء بالرواتب العالية.
2 ـ دفع الرئيس الباكستاني الأسبق ضياء الحق ـ رحمه الله ـ حياته في أغسطس 1988م بعد شهور قليلة من إعلانه عزمه على تطبيق الشريعة في باكستان كلها، وهو ما استفز كثيرين في الأقليات الإسماعيلية والإمامية وحتى أعلى المسؤولين في طهران، وفي مسألة الشريعة بالذات سواء كان ذلك في سوات أو في غيرها تحمر لها أنوف طائفية تستدعي تهييجاً عالمياً، ورغبات انفصالية مقابلة في أقاليم اعتادت أحداث الشغب والتفجيرات.
3 ـ خضع المسلمون في الهند لمؤامرة محكمة عندما صنعت الهند حزب المؤتمر الموالي لها، والذي بدأ شاملاً وانتهى قومياً وهو ما أدى إلى استخدام الديمقراطية في الهند لإزاحة المسلمين عن الحكم بعد رحيل الاحتلال، وعندما سمحت بريطانيا بقيام دولة إسلامية أُسميت باكستان سرعان ما تم تقسيمها إلى دولتين، والأهم في ذلك أنه قد جرى الانفصال عن الهند ثم انشطار باكستان بأيدٍ طائفية، وهو ما بدأ يتكرر الآن مجدداً.
وعلينا أن نتذكر جيداً أن الغرب الذي حارب الديمقراطيات في بلدان عربية وإسلامية هو الذي سمح بتكوين أكبر ديمقراطية في العالم (الهند)، لسبب جدير بالتأمل، وهو إزاحة الأقلية المسلمة عن حكم الغالبية الهندوسية، ثم هو استخدمها مجدداً للدفع بحزب الشعب الباكستاني الذي يهيمن الإسماعيلية عليه ليحكم الغالبية السنية لكن بإرادة سنية واهنة وذهول عن حقائق التاريخ واستسلاماً للواقع وإخفاقاً في قراءة المشهد بشكل واعٍ.
4 ـ يلزم دائماً في قضايا كهذه النظــر إليها مــن زوايــا لا تتعاطى فقط مع نبل الأهداف المعلنة لبعــض الأطــراف، ولا للأصوات العالية، التي ربما لا تكون فوق مستوى الشبهات، وحينما يتم دراسة مشكلة ما لها أبعادها المتشعبة؛ فإن اختزالها في مستويات محدودة هو اختصار مخل ينجم عنه تكرار الأخطاء ذاتها في تناول الأحداث، وفي الإفادة منها مستقبلاً، ولا شك أن الجميع يبقى متعاطفاً مع الفكرة النقية لهذا الدين، لكن يظل التدقيق فــي حَمَلَتهــا ـ أو مدعي ذلك ـ موضع نظر حذراً من الوقوع في شراك التحليل الأحادي المفضي إلى ابتعاد هذه الأهداف النبيلة عوض تحقيقها أو مقاربة ذلك.
وإن كنا لا نشكك في طالبان باكستان ولا نزكيها في المقابل؛ فإن من المهم أن نتذكر أن طالبان أفغانستان قد قامت وانتعشت في ظل حكم (بنظير بوتو) ووزير داخليتها (نصير الله بابر) (1993 ـ 1996م)، والآن تنشط أخرى إلى الجنوب من الحدود داخل حدود باكستان في ظل حكم زوجها (زرداري) من دون أن يمثل ذلك إدانة للحركة بطبيعة الحال، وإنما التفاتاً إلى أن ثمة قوى باكستانية قد تجد في أجندتها بعض الأسطر الموجودة في أجندة طالبان باكستان، مثلما تتلاقى المصالح أحياناً أو تتعارض بين القوى المختلفة بما يفضي عادة إلى استغلال القوة الأقوى للأضعف. 
5 ـ يظل تحقيق العدالة في الناس هو ضمانة الاستقرار الحقيقية، ويكفي بالنظر إلى تاريخ الهند ملاحظة أن 24 ألف جندي بريطاني قد تمكنوا من وضع الخطام في أنف شبه القارة الهندية لما انشغل ولاتها بأنفسهم. وما يتبدى الآن عند دراسة حالة النخبة الحاكمة في باكستان أن أيّاً من سنن البقاء والاستقرار غير متوفرة، وأسباب الانهيار حاضرة، ومعاول الهدم ومشارط التمزيق جاهزة بل نموذجية، ومن ثم فإن الحديث عن التفكيك عملياً وارد جداً، وربما نفتقر إلى التفاؤل الكامل حين نقول: إن تفكيك باكستان قد أضحى خاضعاً الآن لقرار خارجي.. إذ ليس الأخطر أن المتنفذين في باكستان الآن قد صاروا ما بين منتفعين أو مغرضين موالين لعواصم أخرى، بل هو أن الشعب الباكستاني حقيقة برغم كل الأحابيل والحيل التي مورست ضده هو من انتخب هذه الطغمة الحاكمة، وعليه؛ فإن مرد الانكماش والتراجع ليس فقط نخبوياً، وكيف لغالبية سنية ترتضي أن يحكمها غيرها هكذا إلا في باكستان وإحدى الدول العربية؟
إن لدى الشعب الباكستاني ـ بكل أسف ـ وليس وحده كذلك أزمة وعي حقيقية أسفرت عن مرور كل هذه المؤامرات فوق جسده المنهك، ولدى الجموع مشكلة حقيقية تتعلق بالقدرة على تمييز الخبيث من الطيب، ومن فرز خياراتها جيداً؛ إذ إن ما حدث في نهاية حكم محمد بهادر شاه يتكرر مع كل منعطف يسير به الاحتلال خطوة للأمام، وإذا لم تعِ الشعوب والجماهير حقيقة الأزمة جيداً فإن باكستان ـ ثم غيرها ـ ستتفكك.


[1] الأستاذ عبد المنعم النمر، آخر ملوك الهند المسلمين،  مجلة الحج 1372هـ عن موقع د.فهد بن عبد الله  التركي.
 
[2] المصدر السابق.
 
[3] قناة العالم 24/4/2009م.
 
[4] موقع الجزيرة نت 29/4/2009م.

 

 

للعودة للصفحة الرئيسة