العلاَّمة محمد سالم ولد عبد الودود لـ (البيان):
المحاظر(*) حافظت على بقاء التراث الإسلامي رغم محاولات الاحتلال

  أجرى الحوار: مجلة البيان(**)

    الضيف في سطور:
وُلِدَ العلاَّمة محمد سالم بن محمد عالي بن عبد الودود (عدود) عام 1349هـ،  ودرَسَ على والديه العلوم الشرعية واللغوية حتى برز في جميعها وهو لا يزال دون العاشرة من عمره. وما ناهز الحلم حتى بزَّ الأفذاذ من أكابر علماء الأمة الإسلامية في علوم اللغة والنحو والفقه، فعُدَّ مكتبة تمشي على قدمين، وعُرف بموسوعيته العلمية، فكان عالماً بالتفسير لا يُبارَى، ومرجعاً فقهياً كبيراً، وعلاَّمة باللغة العربية وفنونها العقلية، وراوية لأشعار العرب وأيامهم، وأحد علماء السيرة الأفذاذ ومحدثي بلاد شنقيط المسندين الذين تفاخر بحفظهم وذكائهم.
 بدأ مساره العلمي خارج محظرة والده بالعضوية في هيئة تدريس معهد أبي تلميت (150 كم شرقي نواكشوط) وهي أول مؤسسة تعليمية تدرس المناهج العلمية في موريتانيا بطريقة عصرية. ثم ابتُعث العلامة (عدود) ضمن بعثة من القضاة الشرعيين للتدريب في تونس، وفيها نظم ألفيته في القانون الدولي أثناء دراسته له هناك.
ثم التحق بسلك القضاء وتدرج في سُلَّمه حتى عُيِّن رئيساً للمحكمة العليا، وقد تمكَّن خلال فترته في القضاء من تغيير كثير من القوانين الوضعية وسنّ قوانين الشريعة الإسلامية بدلاً عنها، كما تولى حقيبة وزارة الثقافة والتوجيه الإسلامي، وبعدها عُيِّن رئيساً للمجلس الإسلامي الأعلى. ثم هجر الوظائف الرسمية ليتفرغ للتدريس والتأليف فترك عشرات المؤلفات العلمية في العقيدة والفقه واللغة مثل: نَظْمٌ في عقيدة السلف، ونَظْمٌ لمختصر خليل في الفقه المالكي يزيد على عشرة آلاف بيت، ونَظْمٌ في فهارس وعناوين تبصرة الحكام لابن فرحون. كما نظم العدة لابن قدامة المقدسي.
وللشيخ دواوين شعرية لم تُنشر بعد. وكان الشيخ عضواً مؤسساً في أغلب المجمعات العلمية واللغوية بالعالم العربي والإسلامي، كـ: رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ومجمع بحوث الحضارة الإسلامية بالأردن، والمجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي، والمجمع الفقهي للمؤتمر الإسلامي، والمجلس العلمي للأزهر، والأكاديمية المغربية، كما أنه عضو في عدد من مجالس أمناء الجامعات الإسلامية، وقد شارك في الكثير من المؤتمرات العلمية. 
وتفرغ في العقدين الأخيرين للإشراف على محظرته التي تقع بقريته أم القرى، وهي المحظرة التي تعد محجة يؤمُّها مئات الطلبة من كل قارات العالم؛ حيث اشتهرت خلال العقود الماضية بوصفها منارة هادية لنشر العلوم الإسلامية والعربية، كما عُدَّ القائم عليها ركناً من أركان الدعوة وبحراً زاخراً بالمعارف ظل ينشر العلم ويعلِّم الناس الخير لعدَّة عقود أحيا خلالها تاريخ علماء الأمة الإسلامية الغابر  في الديانة والعلم والأدب والمعرفة والظرافة والأخلاق.
واهتماماً من مجلة البيان بمكانة العلم ووفاء منها للعلماء وتقديراً منها لمنزلة الشيخ ومشاركة منها للأمة في مصابها فيه فقد قررت نشر جزء من مقابلة كانت أجرتها معه - رحمه الله تعالى - قبل عام تقريباً.

- البيان - 
شيخنــا الكريم! بــدايةً؛ هلا حدثتمونا عن المحاظر؟

المحاظر تختلف؛ فهناك محاظر متخصصة في تدريس القرآن، وهناك محاظر عامة يدرَّس فيها مختلف العلوم حسب مستويات القائمين على التدريس فيها. والمحظرة تمثل جميع مراحل التدريس الموجودة حالياً وهي: مرحلة ما يسمَّى بروضة الأطفال، ومرحلة التعليم الابتدائي والمتوسطي والجامعي، والتخصصي في علوم الإسلام بمختلف أنواعه، بما في ذلك علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم الفقه أصولاً وفروعاً وقواعد وقضاء وفرائض، وعلوم العربية من اللغة والنحو والصرف والبلاغة بما في ذلك علم المعاني وعلم البيان وعلم البديع، والإنشاء: إنشاء الشعر وقرضه، وإنشاء الرسائل والخط والتاريخ، حتى العلوم الإنسانية التي كانت سائدة من قبل، مثل: الطب والجغرافية والمساحة وغيرها من مختلف العلوم التي كانت رائجة في المجتمع الإسلامي.
وكانت المحظرة صرحاً شامخاً والناس الذين تخرجوا منها كانت لهم صدارة في البلاد الإسلامية التي رحلوا إليها مثل: المغرب وتونس وتركيا والمملكة العربية السعودية وغيرها، حتى وجدنا آثارها وأصداءها في دول جنوب شرق آسيا مثل: إندونيسيا وغيرها، وجدناهم يقولون: تعلمنا على أيدي المشايخ الشناقطة. ويمكن أن نقول: إنها التي حافظت على بقاء التراث الإسلامي في هذه الصحراء رغم محاولات الاحتلال لصرف الشباب عنها وإغرائهم بالمدارس النظامية الفرنسية وتهميشهم لأصحاب المحاظر، فهي بقيت على ما كانت عليه من العطاء والشموخ ورفض الغريب. والآن لا أقول بقيت كما كانت، ولكن الحمد لله ما زالت منها بقية خير والناس تتسامع بها وترغب فيها، وكثير من المواطنين هنا من المجتمع المدني في العاصمة وغيرها يكون لهم الأولاد في المدارس النظامية فيعملون على سحب أولادهم من تلك المدارس النظامية وإرسالهم إلى المحاظر. وفي محظرتنا توجد محظرة مستقلة داخلية درس فيها أبناء السراقلة (زنوج)، وهي محظرة مستقلة لها شيخها - وهو يَدْرُس عندنا - ويدرِّس فيها الأطفال القرآن ولما يختمونه تنحر لهم الإبل، ويبلغ عددهم قريباً من أربعين شاباً من السراقلة الموريتانيين، وهذا نمط يمكن أن نسميه نموذجياً في بقاء المحظرة على عطائها وتنوعها واستيعابها لمختلف الأطياف والمجتمعات كالبلاد التي يكون الإسلام فيها قليلاً جداً مثل: ليبيريا وكذلك بلاد أوروبا والأمريكيتين.
وهؤلاء - الحمد لله - يدرسون العقيدة الصحيحة واللغة العربية السليمة والفقه والتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ويذهبون دعاةً إلى بلدانهم.
- البيان - 
لقد أشرتم إلى أن المحتل الفرنسي حاول جاهداً تقويض دعائم المحظرة وأنشطتها وتأثيرها داخل المجتمع، وقد عجز عن ذلك؛ إذ لا تزال المحظرة صرحاً قائماً يتخرج فيه العلماء والدعاة، فما رأيكم في مستقبل هذه المحظرة في ظل العولمة والضغط على الإسلام وأهله؟

أنا أريد أن أكون واقعياً؛ فلست ذلك المتفائل إلى حدود الخيال، ولست بذلك المتشائم الذي ينظر إلى المستقبل نظرة ظلامية ونظرة خوف؛ فالله الذي حفظ هذه المحظرة وزميلاتها في هذه البلاد قادر على أن يحفظها فــي المستقبــل ما دام في الناس طباخ، وما دام القرآن لم يُـرفَع؛ فالمحظــرة ستظــل قائمــة - بإذن الله تعالى - لا ضير عليها، وإذا رُفِعَ القرآن لم يبق في الناس خير، فالمحظرة جزء من حفظ القرآن {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ} [الحجر: ٩]، فبقــاء هذه المحاظر جزء من تنفيذ الله - تعالى - هذا الوعد، وإن أراد الله أن يقبض القرآن إليه ويقبض العلماء وينهي الدنيا؛ فالدنيا لا تنتهي إلا بغضبة يغضبها الجبار - سبحانه وتعالى - كما في حديث الشفاعة: «إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»، فنحن نسأل الله - تعالى - أن لا يدركنا ذلك الزمن، فما دام القرآن باقياً فالمحظرة باقية إن شاء الله.
- البيان - 
هل من كلمة توجهونها للمسلمين بصفة عامة وللشباب بصفة خاصة حثاً لهم على طلب العلم؟

النبــي - صلى الله عليه وسلم -  بُعــث معلماً، والصحابة - رضي الله عنهم - هم طلبة تلك المدرسة القديمة، والعلم هو الذي أمر الله - تعالى - الملائكة أن يسجدوا لآدم من أجله، ومن أجله كان آدم خليقاً لأن يكون خليفة لله - تعالى - في الأرض، فعلى الشباب أن يوجهوا هممهم أولاً إلى تصحيح العقيدة والتآخي في الله - تعالى - ونبذ جميع أسباب الفرقة؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - لم يسمح لأتباع هذه الديانة التي رضيها أن تكون آخر الديانات السماوية وأن يكون كتابها  آخر عهد من السماء إلى الأرض وأن يكون رسولها آخر نبي وآخر رسول؛ بأي نوع من الشحناء أو البغضاء أو التعادي فيما بينهم. يقول الله - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [البقرة: ٨٠٢]، فعليهم أولاً أن يقوموا بامتثال هذا النداء الواضح وأن يشتغلوا بتحصيل العلم والاجتهاد في طلبه وأخذ أنفسهم بامتثال ما يتعلمون حتى يكون علمهم نافعاً؛ لأن العلم إذا لم يُعمَل به يكون وبالاً على صاحبه وحجة عليه، والعلم قبــل العمــل، وهــذه تــرجمة من تراجم البخــاري في كتــابـه: العلــم، بــاب: العلم قبــل العمــل ونَزَعَ بقوله - تعالى -: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْـمُؤْمِنَاتِ} [محمد: ٩١]، فبدأ بالعلم قبل العمل.
- البيان - 
حدثتنا قبل قليل عن أن مـرتادي محظرة أم القرى جاؤوا من بلدان كثيرة في العالم؛ فهلاَّ سمّيت لنا هذه البلدان!

يرتاد هذه المحظرة طلاب من مختلف جهات القطر الموريتاني؛ جنوبه وشرقه وشماله وغربه ومن مختلف أطيافه وألوانه، ومن مختلف بلدان المغرب العربي، ففيها الجزائري والليبي والمغربي والتونسي بقلّة، وحتى المصري والسوري والأردني والسعودي واليماني والعماني والإماراتي والقطري والكويتي، وفيها من بلاد أوروبا الشرقية والغربية من فلندا وبريطانيا وإيطاليا والبرتغال وفرنسا وإسبانيا، ومن أمريكا، ومن المشرق الأقصى، ومن أوروبا الشرقية، وحتى مما كان يُعرف سابقاً بالاتحاد السوفييتي، وفيها من إفريقيا: غربها وشرقها ووسطها، ومما يسمى بالقرن الإفريقي. وأكثرهم جاء من السنغال ومالي وغينيا كناكري وغينيا بيساو، إنهم كثيرون والحمد لله، ويكادون يزاحمون أبناء هذا البلد.
- البيان - 
ختاماً نسأل الله - تعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجازيكم فضيلة الشيخ خير الجزاء وأن يطيل بقاءكم لتعليم دينه، والسلام عليكم ورحمة الله - تعالى - وبركاته.


(*) مفردها محظرة، وهي المدرسة القائمة على شيخ واحد يدرس مختلف فنون الشريعة واللغة.
(**) أجريت هذه المقابلة في 2/3/1429هـ أي: قبل وفاة الشيخ بأكثر من سنة. نسأل الله أن يتغمده برحماته ونعمه وأن يسكنه فسيح جناته وأن يخلف الأمة الإسلامية فيه خيراً.

 

للعودة للصفحة الرئيسة