فضيـلة الشيخ زهيــر الشـــاويش لـ (البيان):
الثورة على الاحتلال الفرنسي لم ينشئها إلا العلماء

أجرى الحوار: مجلة البيان

   فضيلة الشيخ زهير الشاويش عَلَم من أعلام الدعوة السلفية، خدم العلم والعلماء عقوداً متتابعة، وكان له قصب السبق والريادة في نشر التراث العلمي وتحقيقه، أفنى زهرة حياته في طلب العلم ومجالسة العلماء، وكان من الرواد الأوائل في هذا العصر في حرصه على جمع المخطوطات ونوادر الكتب وتتبعها في مظانها، حتى أصبحت مكتبته العامرة من أكبر المكتبات الإسلامية الشخصية.
ويسرنا في مجلة البيان أن نستضيف فضيلته، ونستأنس بحديثه، وننهل من تجربته.

- البيان - 
بدايةً؛ نرحب بفضيلة الشيخ زهير الشاويش أجمل ترحيب، وإنها لفرصة كبيرة نعتزُّ بها في مجلة ^ أن نحاور فضيلتــه، راجيــن مـن الله - سبحانه - أن ينفع به المسلمين، وأن يديم على فضيلته الصحة والعافية.
لعلِّي أبدأ معكم فضيلة الشيخ بالحديث عن فترة مبكرة من حياتك أيام وجود الاحتلال الفرنسي في سورية، خصوصاً أنكم شاركتم في مواجهة هذا الاحتلال، وكان لكم قصب السبق فيه، فلعلكم تحدثوننا عن هذا الأمر.

 
- بارك الله بكم، وجزاكم الله خيراً، وأحسن إليكم، وحفظ مجلتكم الكريمة وكتب لكم العون.
قبل الحديث عن مقاومة الفرنسيين فإن لي مع السلفية حديثاً، فقد نشأت في حي الميدان في دمشق في بيت سلفي في محيط صوفي خرافي، وكان هذا البيت متمسكاً بالسلفية وبعيداً عن القضايا الشركية وما شابهها.
ومما ساعدني على ذلك وجود شيخين سلفيين؛ أحدهما: الشيخ، محمد سعيد الحافظ صاحب مدرسة اسمها (المدرسة الأموية) وهي عبارة عن غرفتين، وكان صاحبها متأثراً بالعالم الجليل الشيخ محمد بهجت البيطار، وتعلمت عنده العقيدة السلفية وشيئاً من القرآن والفقه والحساب. وسبب دراستي في هذه المدرسة أن آباءنا لم يكونوا يثقون بالمدارس الحكومية؛ لأنها مستولى عليها من قِبَل الفرنسيين وكانوا يعدونها أنها ستخرِّجنا كفاراً، وكان ذلك كله في عام 1351هـ/1931م وكان عمري حينها ست سنوات حيث إنني ولدتُ في عام 1344هـ/1925م. وأما الشيخ السلفي الثاني فكان مصرياً واسمه الشيخ محمد الفقيه المصري (شقيق إمامَي الحرم المكي عبد المهيمن وأبو السّمح) فقد تعلَّمت في مدرسته (المدرسة المحمدية) وتأثرت به أيضاً.
وبعد مدة مرضت عيناي ولم أستطع الذهاب إلى المدرسة ففرح أبي بذلك؛ لأنه كان يريدني أن أكون تاجراً مثله؛ فقد كان تاجراً في الخيول، على عكس أمي التي أرادتني أن لا أنقطع عن المدرسة وأن أكون سياسياً مثل الزعيم السوري آنذاك عبد الرحمن الشهبندر الذي كان وزير الملك فيصل للخارجية، وأرادتني أن أكون عالماً كبيراً مثل الشيخ بهجت البيطار. ودار الزمن دورته وكنت سياسياً ولكن ليس مثل الشهبندر، وطلبت العلم ولكن لم أكــن مثــل الشيخ بهجت رحمه الله.
 وأخذني والدي إلى مصر للتجارة وعمري آنذاك عشر سنوات، وهناك التقيت بسلفيٍّ كبير آخــــر اسمه التاجر الشيخ فوزان السابق، وكان شريك والدي في تجارة الخيول، وكان المعتمد السعودي في سورية ثم في مصر. ثم رجعت إلى الشام وأدخلوني المدرسة الرسمية في الصف الثاني وكان عمري آنذاك إحدى عشرة سنة، وكان من أساتذتي في هذه المدرسة الشيخ الجليل علي الطنطاوي - رحمه الله تعالى - والذي كان يعلمنا أن نقاوم الفرنسيين بالحجارة فيخرج بنا من المدرسة وكنا آنذاك 400 - 500 طالب، وكنا إذا مشينا في الشارع مائة متر انضمَّ إلينا ألف أو أكثر، وكانت الطرق مملوءة بالحجارة نأخذها ونرمي بها الجنود الفرنسيين، وكان بعض كبار السن يصنعون قنابل يدوية مؤلفة من قطع من الحجارة أو المسامير ملفوفة بالأقمشة ويصبون عليها مادة مشتعلة أو يضعون فيها البارود ويقذفون الفرنسيين بها ولما كانت تقع عليهم تحدث فيهم أضراراً ولها صوت مخيف.
ولقد كان للشيخ الطنطاوي - رحمه الله - فضل كبير في مقاومة الفرنسيين، وكان زعماء البلد يحبونه حباً شديداً ويحترمونه ويجلّونه؛ سواء كان الجيــد فيــهم كشكري القوتلي وعبد الرحمن الشهبندر وكامل القصاب، أو السيِّئ كجميل مردم بك وغيره.
وكان لنا زعيم من الشباب اسمه فخري البارودي وقد سجنوه حينها في سجن تدمر وخرج بعد أن تمت الاتفاقية بين فرنسا والقيادة القومية السورية.
وكان لنا زعيم آخر اسمه منير العجلاني وتوفي في السعودية.
- البيان - 
معنى هذا أن مقاومة الاحتلال الفرنسي كانت أيضاً من قبل العلماء والدعاة؟

- نعم؛ إن هذه الثورة على المحتل لم ينشئها إلا العلماء وعلى رأسهم الشيخ محمد الأثمر وعبد الرحمن الشهبندر  الذي كان درس العلم الشرعي على الشيخ طاهر الجزائري وجمال الدين القاسمي وغيرهما.
وبالنسبة لمقاومتي للمحتل ففي عام 1945م اعتدت فرنسا على البرلمان السوري بالقنابل وكذلك على القلعة ودمشق عموماً، وراحت تداهم الأحياء الدمشقية والبيوت، ومن ضمن هذه الأحياء حيُّنا (الميدان)، وكان أهل هذا الحي معروفين بالجهاد والثورة على المحتل، فخرجت أنا وأقاربي وأبناء الحي ومعنا بعض البنادق وقطعنا الطريق على الفرنسيين، وصادف أن مرَّ بنا الشيخ محمد الأشمر فسلّم علينا وقال: ماذا تفعلون؟ فقلنا: ننتظر الفرنسيين لنقتلهم، فأعطانا بندقيتين وكان معنا أربع بنادق، وأعطانا شيئاً من الذخيرة، وقال: إذا رأيتم الفرنسيين فنادوا علينا فنحن قريبون منكم نرابط أيضاً للإيقاع بهم.
وقدَّر الله لنا النصر على الفرنسيين وقتها وذبحنا منهم خلقاً كثيراً وغنمنا منهم بعض الخيول والبغال وكمية كبيرة من الأسلحة، وبعد أيام جاء الإنجليز وأخذوا الفرنسيين وخرجوا من بلادنا مهزومين، وكان عمري وقتها 19 سنة.
وبقيت بعدها أتردَّد على مجالس العلماء كالشيخ بهجت البيطار والشيخ محمد المصري والشيخ بدر الدين الحسني، وكان هذا الأخير يعطي إجازات في الحديث وقد أجازني، وهو من أكبر علماء بلاد الشام آنذاك في علم الحديث، وكان الشيخ يوسف النبهاني قاضي بيروت يأتينا إلى المدرسة الأموية التي حدثتكم عنها آنفاً وكان يجيزنا أيضاً.
بعد ذلك تعرّفت إلى الشيخ ناصر الدين الألباني وكان حنفيَّ المذهب يومها وتوطدت علاقتي به كثيراً وأُجزنا أنا وهو من قِبَل الشيخ راغب الطباخ المؤرخ الحلبي المشهور، وكان الشيخ ناصر الدين الألباني يفتخر بهذه الإجازة كثيراً، ولم يكن بعدها يجيز أحداً في الحديث وكذلك كنت أنا والشيخ مصطفى السباعي والشيخ علي الطنطاوي؛ لأن الإجازة المعهودة عند العلماء كانت أن يقرأ المجاز به الكتاب كاملاً ثم يُجاز به من قِبَل الشيخ، أمــا الآن فإن الإجازة تُعطَـى من دون حتى قراءة شيء من الكتــاب المجــاز، ولــذلك لا تجد أحداً يقول: أجازني الشيخ ناصــر، أو أجازني السباعي أو الطنطاوي. ولما بلغت السبعين أجزت طلاب العلم نظراً لإلحاحهم.
- البيان - 
فضيلة الشيخ سمعنا أنك ذهبت إلى فلسطين عام 1946م، وشاركت في مقاومة اليهود؛ حدثنا عن هذا؟

- في عام 1946م أتى المجاهد الكبير الحاج أمين الحسيني إلى دمشق من فرنسا فاجتمعت به أنا والشيخ مصطفى السباعي، وحدثنا عن الاستعداد للجهاد في فلسطين، وأنه بحاجة إلى شباب يرسلهم إلى فلسطين لزيارة المجاهدين هناك ومعرفة المواقع التي كانوا فيها، فتبرعتُ بالذهاب إلى هناك، وفعــلاً ذهبــت إلى فلسطـــين أكثـــر من 30 مرة  خــلال سنة ونصــف الســنة بتكليف من الحاج أمين الحسينــي، وزرت المجــاهــدين هنــاك ومنهــــم عبد القادر الحسيني وحسن سلامة وفوزي قطب، وكنت أحمل رسائلهم إلى الحاج أمين الحسيني وأحرضهم على الجهاد وأحثهم عليه، حتى إنهم أرسلوني مرة لأستطلع لهم مكاناً للهجوم عليه وكان في تل أبيب ونمت هناك ليلتين ثم رجعت إليهم بالمعلومات.
- البيان - 
ماذا عن مقاومة الشيوعيين في عام 1948م؟
- لقد قاومنا الشيوعيين الذين وافقوا على قرار التقسيم، وقمت أنا والشيخ مصطفى السباعي وغيرنا بالمظاهرات ضدهم، وقد قُتل واحد منهم فاتهموني أنا والشيخ السباعي وسبعة أشخاص من قادة المظاهرات، وأخذونا إلى المحاكمة لكن المحكمة برَّأتنا لعدم وجود دليل على اتهامنا.
وسبب تأييد الشيوعيين لقرار التقسيم أن الاتحاد السوفييتي آنذاك وافق عليه وهم تبع لهذا العملاق الشيوعي الملحد الهالك، ولكن يشهد الله أننا لم نقتل أحداً منهم. وهم قتلوا بالسكاكين عدداً من المتظاهرين ومنهم الطالب طلعت ابن الدكتور أديب الجعفري.
- البيان - 
ماذا عن جهادك في فلسطين؟

- تطوعت أنا و4000 مجاهد من دمشق للذهاب إلى قطنة للتدريب على القتال والأسلحة الحديثة للجهاد في فلسطين، ولكن الحكومة السورية آنذاك لم تسمح بالذهاب إلى هناك إلا لمائة وخمسين منا، ولما أتينا إلى قطنة للتدريب ما علمونا إلا كيف تقدم سلاحك وتؤخر سلاحك، ولما أردنا الذهاب إلى القدس منعتنا الحكومة السورية طالبة منا الانتظار، غير أننا خرجنا مع الشهيد عبد القادر الحسيني وكان عددنا أولاً سبعين مجاهداً، ثم انضمَّت إلينا مجموعة من الإخوان المسلمين في مصر جاؤوا يتدربون معنا في قطنة وكانوا 200 يرأسهم ضابط عظيم جداً اسمه محمود عبده، ثم انضمَّت إلينا مجموعة من حلب أسموا أنفسهم (أسود الشهباء)، وكذلك جاءتنا مجموعة من الإخوان المسلمين في الأردن يرأسهـــم الشيـــخ (مشهور حيمور) ولا يزال حياً يُرزق وكان وكيل وزارة الأوقاف الأردنية. والشيخ راضي الجواهري النابلسي، ومجموعة من أهل يوغوسلافيا.
ولما أردنا أن نخرج منعونا، وصادرت الحكومة السورية سلاحنا، وكنا قد اشتريناه من مالنا، وقالوا: لا يجوز أن تقاتلوا بأسلحة مختلفة، بل عليكم توحيد السلاح، فوزعوا علينا أسلحة إنجليزية من عام 1912م من بقايا الحرب العالمية الأولى.
ثم ذهب الحاج أمين الحسيني ومعه الشيخ مصطفى السباعي إلى رئيس الجمهورية السورية آنذاك (شكري القوتلي) وقالا له: نريد مجموعة من الإخوان المسلمين الموجودين هنا للجهاد معنا في القدس، وكان (شكري) رجلاً صاحب مروءة وشهامة، وسمح لهما بذلك.
وكانت القيادة السورية تريدنا أن نذهب إلى نابلس للجهاد هناك مع (فوزي القاوقجي) وكان ضد الحاج أمين الحسيني؛ فقد كان مع الأول مجموعة من القوميين والملحدين، وكنا نحن متدينين ورغبتنا الوحيدة إنقاذ القدس، فسمحـــوا لنصفنــا أن يذهب مـــع عبد القادر الحسيني، ثم سمحوا بعد ذلك للبقية بالذهاب مع الشيخ مصطفى السباعي ولحقوا بنا بعد عشرين يوماً.
وانطلقنا في الليلــة نفسهــا مـع عبد القادر الحسيني وأعطونا سيارة كبيرة فيها بنادق كانوا قد عرضوها على عبد القادر الحسيني من قبل فرفضها، ولما عبرنا نهر الأردن ووصلنا إلى مكان يسمى قبر النبي موسى أخبرته بقصة البنادق ولم يكن يعرفني من قبل وطلب من جماعته إيصال الأسلحة إلى مدرسة المأمونية وقال: شيخ زهير! هل هذه أسلحة تنفع للقتال؟! فسكتُ وكادت عينه وعيني تدمعان.
ووصلنا إلى مدرسة الروضة ورحنا نهيئ المكان، وبعد ساعة سمعنا صوتاً يصيح: النجدة! النجدة! النجدة! فأخذنا بنادقنا وكنا 55 رجلاً وبقي منا بعض المرضى، وكان معنا سيارتان ومعنا قائد من الجيش السوري اســمه (عبد الرحمن الملوحي الحمصي) وقائد من أهل اللاذقية من عائلة (الصوفي) وانطلقنا بعد أن علمنا أن عبد القادر الحسيني محاصر، ووصلنا بعد المغرب إلى منطقة اسمها (عين كارم) وهي بلدة السيدة مريم عليها السلام، وكنا تعبين جداً فنمنا، وقبل الفجر بساعة أيقظونا من أجل الذهاب للقتال، فانطلقنا وإذا بنا بعد مدة نرى بعض اليهود الصهاينة يقطعون الطريق علينا، فتبادلنا معهم إطلاق النار لنصف ساعة، ولكن المفاجئ أن نصف البنادق التي سلِّمت إلينا من قطنة لا تعمل، وفي الطريق علمنا أن عبد القادر استشهد.
وفي الليل سمعنا إطلاق نار كثيف جداً من منطقة قريبة منا، وفي الصباح ونحن نتناول بعض الطعام جاءنا أناس قالوا لنا: نحن من دير ياسين وإن اليهود هجموا علينا في الليل وأصابونا بالأذى، وراحوا يحكون المجازر التي حصلت هناك، ثم عزمنا الأمر على أن نذهب إلى دير ياسين لننتصر لهؤلاء القوم، ولكننا لم نستطع القتال؛ لأن أسلحتنــا لا تكفي، وأسلحة اليهود أكثر. ثم ذهبنا إلى القدس بالباصات ووصلنا إليها وشيَّعنا جنازة عبد القادر الحسيني في الحرم القدسي.
وفي الليل خرجنا إلى (القطمون) وهو حي من أحياء القدس تحيط به غابة كبيرة جداً وفيها رجل كبير يقاتل وهو من رجال الحاج أمين الحسيني واسمه (محمود أبو دية) ووجدنا هناك مجموعة أردنية تقاتل معه يرأسها الشيخ مشهور حيمور، فقاتلنا معهم، وكنا نهاجم من قبل اليهود من كل مكان وليس بيننا وبينهم أكثر من 50 متراً.
- البيان - 
يتضح لنا من خلال حديث فضيلتكم أن الجيوش العربية - آنذاك - لا يوجد  عندها أسلحة حديثة وأن أسلحتها من الحرب العالمية وإمكانياتها ضعيفة؟

- نعم! مع أن الجيش العراقي جاءنا ومعه مدافع ولكنها لم تُجْدِ نفعاً. ولما دخلت الجيوش العربية يوم 15 أيار  1948م فلسطين مقابل انسحاب الإنجليز منها وسلَّم الأخيرون المعسكرات المحيطة بالقطمون إلى اليهود بما فيها من  أسلحة ومدافع؛ قررنا الدخول إلى حي يهودي قديم في القدس القديمة وأسرنا عدداً من مقاتلي اليهود ووضعناهم في مدرسة الروضة، وكان المسؤول الأمني عن هذه المدرسة ضابط اسمه (ضيف الله مراد) حمصي الأصل ولكنه تربَّى في دمشق وكنت مشاركاً له في أمن المدينة، وفي اليوم التالي جاء الجيش الأردني وسحب كل المقاتلين اليهود الذين أسرناهم وأرسلهم إلى أماكن أخرى.
ثم جاءت الأوامر بأن على السوريين أن يخرجوا من القدس، فخرج الشيخ مصطفى السباعي مع مجموعتنا إلى دمشق ولــم يبــق فــي القــدس سوى 4 أشخاص وأنا منهم.
- البيان - 
هل كانت الأوامر من الجيوش العربية؟

- نعم! ولكني لم أغادر القدس أنا وثلاثة آخرون على أمل أن نستمر في القتال، وبعد أيام جاء الجيش الأردني وطلب منا المغادرة فغادرنا القدس ولكن ليس إلى دمشق بل إلـــى (صور باهر) وكان فيـــها مجموعة من الإخوان المسلمين الأردنييـــن منهــم الحــاج عبــد اللطيف أبو قورة وأحمد الخطيب وجاد الله جاد الله من أهل القرية والضابط الصرايرة فقاتلنا معهم، وبعد ثلاثة أيام ذهبنا إلى جوار بيت لحم وقاتلنا مع المجاهدين الفلسطينيين هناك بقيادة فوزي القطب.
- البيان - 
ننتقل إلى موضوع آخر: كيف بدأت صلتكم بتجارة الكتب والمخطوطات وتحقيقها؟

- لما رجعت من فلسطين أواخر عام 1949م بدأت أعمل في طباعة بعض الرسائل لجماعة الإخوان المسلمين والتي كان يكتبها الشيخ مصطفى السباعي والشيخ ناصر الدين الألباني - حيث كان من الإخوان وقتها - والدكتور أديب الصالح والشيخ عصام العطار والأستاذ عبد الرحمن الباني وغيرهم، ومن هنا بدأت بالتعلق بالطباعة.
ثم ذهبت إلى قطر للتعليم بطلب من (قاسم درويش) وزير المعارف فذهبت إلى هناك مع مدير المعارف الأستاذ (عبد البديع صقر)، وكان عندهم أربع مدارس ابتدائية، وسلموني مدرسة منها، وفي ذلك اليوم لم يأت مدرس مادة (الديانة)، فقال عبد البديع: أرجو منك تدريس الطلاب اليوم وأعطاني كتاب المادة، وكانوا قد قالوا لي: إنهم سلفيون، وفتحت الكتاب وأول كلام وجدته على اليمين دعاء الاستفتاح عند الشافعية، وعلى اليسار دعاء الاستفتاح عند المالكية، وفي الصفحة الثالثة دعاء الاستفتاح عند الحنابلة، ثم وجدت مخالفات أخــرى كثيرة متنوعة والطلاب صغار في السن لا يعرفون القراءة والكتابة جيداً، ويريدون أن نعلمهم ثلاثة مذاهب! فقلت للأستاذ عبد البديع: أنــا لا أدرس مثل هذا الكتاب.
فكلَّم وزير المعارف وقال له: عندنا الشيخ الشامي الشيخ زهير وهو يرفض تدريس كتاب الديانة، فقال له: ليرجع إلى بلده والطائرة موجودة، فقال له: هلاَّ سمعت منه! فقال: نعم! وما هي إلا دقائق حتى أتت سيارة الوزير وذهبت إليه، فقابلته وهو رجل لطيف جداً، فقال لي: كيف تقول عندنا أديان وهو دين واحد؟ فقلت: نعم! وأقصد ديناً شافعياً وديناً حنبلياً وديناً مالكياً..، أنا أتيت إلى هنا على اعتبار أن أهل هذا البلد سلفيون وأنا سلفي مثلهم وأريد أن أعلمهم كيف صلَّى النبي # وسبق أن أخبرني شيخي ابن مانع أنهم سلفيون، فاقتنع بكلامي.
ثم ذهبنا إلى حاكم قطر الشيخ علي آل ثاني ودخلنا مجلسه فإذا به مجلس مهيب، فسلّمنا عليه، ثم دعانا إلى الجلوس، ثم دخل علينا قاضي البلاد واسمه الشيخ عبد الله بن زيد آل محمود، ثم دار بيننا حــديث عــن الكتــاب سالف الذكر وقلت له: هــذا الكتــاب لا يدرَّس والذي سيدرِّسه جاهل وبعيد عن السلفية، فقال الشيخ ابن محمود: الحق كله مع الشيخ زهير، فقــال الحــاكم: كلِّفــوا المستشــار ليرسل الكتاب إلى البحرين واطبعوا من النسخة التي عدَّلها الشيخ زهير ألفي نسخة وائتوا بها إلينــا! وبعد مــأدبة الغــداء أوصلني وزير المعارف إلى المدرسة وقال لي: بعد يومين ستأتي النُّسخ إن شاء الله، وفعلاً هذا ما حصل.
وفي اليوم التالي أرسل إليَّ حاكم قطر الشيخ علي آل ثاني أحدَ إخوانه يخبرني بأن الشيخ يريد أن يراني، فذهبت إليه وجعل يسألني عن أخبار بلاد الشام ومصر وفلسطين فأخبرته بما أراد معرفته، ثم تناولنا طعام الغداء ورجعت إلى المدرسة.
وفي اليوم الثالث أرسل إليَّ مرة أخرى ودعاني إلى العشاء ثم جلس يحدث الحاضرين بما حدثته به سابقاً.
ثم قال الأستاذ عبد البديع: ضعْ نائباً عنك في التدريس وتفرَّغ أنت للجلوس مع الشيوخ. وهذا ما حدث، ووضعت مكاني الأستاذ عمر الخطيب اللبناني. ثم أراد الحاكم أن يحج فأخذني معه، ومن يومها أصبحت مع الحاكم دائماً، ويأبى إلا أن أكون معه في سيارته، ثم أعطاني مجموعته الشعرية لأطبعها له، ثم أسست المكتب الإسلامي عام 1957م في دمشق وعمل معي فيه أكثر من عشرين شخصاً من كبار العلماء آنذاك منهم: الشيخ ناصر الدين الألباني لمدة أربعين عاماً تقريباً، والشيخ شعيب الأرناؤوط لمدة عشرين عاماً، والشيخ عبد القادر الأرناؤوط لمدة عشرة أعوام، والشيخ عبد القادر الحنّاوي الدوماني الحنبلي، وغيرهم، ومن يومها هيَّأت المجال للشيخ ناصر لكي يطبع كتبه كلهــا في المكتب الإسلامي ويترك تصليح الساعات والعمل مع الوكيل الأرمني بذلك. وكــان حاكــم قطــر يشتـــري كتباً كثيرة وبأسعار عالية ويوزِّعها مجاناً، فاشتهر الشيخ ناصر وكــل إخـواننا في المكتب الإسلامي. حتــى كتــب الشيــخ علي الطنطاوي فــي فتــاويه: لولا زهير لما عُرف ناصر.
- البيان - 
لكن كيف بدأت عنايتك بالمخطوطات؟

- لما رجعت من فلسطين عام 1949م كان أبي ميسور الحال، وكان أبو جعفر أخو الشيخ ناصر عنده دكان لبيع الكتب في المسكيّة في دمشق وكان يشتري من الناس الكتب الدراسية القديمة ويصلحها ويبيعها بأسعار أقل من الحكومة، ومرة كنت جالساً عنده فجاءه شخص يريد كتباً مدرسية ولما أعطاه الكتب قال له: كم المبلــغ؟ فأخبره، فأخــرج الرجل كتــاباً وقال له: خذ هذا الكتــاب عوضاً عن المبلـــغ، فــرفــض أبو جعفر هذا العرض وأخبره أنه يريد مالاً مقابل الكتب، فقلتُ للرجــل: أعطنــي الكتاب، وأعطيته المبلغ المطلوب، وقلت لأبي جعفر: أعطه الكتب وزدْه نسخــة من كتاب رياض الصالحين، ففرح الرجل، ولما رجعت إلى البيت تصفَّحت الكتاب فإذا هو مخطوطة مذهّبة لكتاب اسمه (أيها الولد!) للشيخ أبي حامد الغزالي وهو كتاب قيِّم قمــت بطبعه بعد ذلك في المكتب الإسلامي، ومــن يومهــا بدأت أجمع ما يباع عند الدلاّل من كتب مستعملة وفيها مخطوطات كثيرة، وهكذا بدأت حياتي مع المخطوطات، ثم بدأت بشراء مكتبات كاملة من أصحابهـــا؛ كمكتبة آل الشطي الحنابلة، ومكتبة آل عابدين، ومكتبة آل الأتاسي أقرباء رئيـــس ســورية الأسبق، ومكتبــــات آل العطــــار، ومكتبـــة آل الكــزبري مشـــايخ الحــديث النبوي وغيرهم حتى أصبحـــت أملك الآن بحمــد الله 11.000 مخطــوطة، وفــي كل أسبوع يتصــل بي أنــاس يطلبــون منــي تصــويــر شيء من المخطوطات التــي عنــدي للاستفادة منها علمياً، ولــم أبخــل على أحد منهــم فــي ذلك وعلــى الأخص الجامعات والكليات الشرعية في بلاد الحرمين.
- البيان - 
وكانت هذه المخطوطات أصلية أم أن فيها بعض المخطوطات المصورة؟

- يوجد منها قرابة 300 مخطوطة مصورة والباقي مخطوطات أصلية، والمصورات من المخطوطات النادرة، وهـي فـي حكــم المخطــوطات الأصلية.
- البيان - 
بعد هذه التجربة الطويلة في تحقيق التراث ما وصيتك للباحثين والناشرين؟

- أنصحهم أن يتقوا الله - سبحانه - وأن يكونوا واعين لما يقومون به، وأن يكونوا على دراية وعلم وفهم ومعرفة، وأن يصدقوا في الحفاظ على تراث أمتنا خوفاً عليه من الضياع في بــلاد الكفر أو ما يشابههم من أهل البدع والتحريف.
- البيان - 
نشكركم فضيلة الشيخ على هذا الحوار الماتع والمفيد، ونسأل الله - سبحانه - أن يديم عليكم القوة والقدرة.

 

للعودة للصفحة الرئيسة