مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم

سالم بن رزيق بن عوض




 
إلى أين يا قلبي تطيرُ وتخْفِقُ
تسافرُ في الدنيا تجوبُ دروبَهَا
ظليلُ المآسي حيثُ تَحْنِي جناحهَا
غريبٌ على طينٍ مِنَ الأرض لازبٍ
وَحُرّ؛ وإن كانت قيودُ رُفاتِه
 
إلى أين؟ والأهوالُ في كُلِّ بُقََْعَةٍ
تهادتْ على فَيْحٍ من الأرض لافِحٍ
تُعمِّقُ جُرْحَ الجُرْحِ، تجتاحُ صوتَهُ
صرِيخُ الحَشَايا لا سبيلَ لِوَأدِهِ
وهاجَتْ به صُمُّ الرواسي وقَبْلها
 
إلى «طيبةَ الأطيَابِ» يممْتَ ناظراً
وفي الروحِ ما يُغْني الزمانُ عن الهنا
تفتحت الأزهارُ في كلِّ روضةٍ
مروجٌ من الإيمان يَنْداحُ عِذْقُها
وطُهْرٌ مُصَفى كالشَّذَى في زُهُورِهِ
 
«مدينةَ خيرِ الخَلْقِ!» شمْسُكِ أشْعَلتْ
وذاقتْ بكِ الأرواحُ طعْمَ حياتِها
ويورِدُ إنساناً، ويُصدِرُ غَيْرَهُ
ومَصْدرُ إلهامٍ، ونَامُوسُ رِفْعَةٍ
هَدِيَّةُ هادِيها، ومَوئِلُ عِزهَا
 
«مدينةَ خيْرِ الخلْقِ!» حيَّاكِ مُنْشِدٌ
أتى يُنشِدُ التاريخ قولاً مُزَخْرفاً
أتى ينشُدُ الإيمانَ مِنْ أصْلِ أصْلِهِ
أتى يطلُبُ العِزَّ التليدَ ويَرْتَوِي
يطوفُ على خير الديار، يُذِيعُهَا
 
«مدينةَ خير الخلقِ!» ما زال في المدى
وما زالتْ القَصْواءُ تَتْبعُ سَيْرَها
تحيّي من الأعماقِ كُلَّ يمَامَةٍ
وتهدي بنظراتِ الحبيبِ حبيبَها
ولكنَّها الأيامُ تجمعُ شَمْلَها
 
«مدينةَ خيرِ الخلقِ!» بين جوانِحِي فؤادٌ
وما زالَ في روضٍ من الحُبِّ طافِحٍ
تُغني به الآمالُ نحو حضارةٍ
لكِ البِشْرُ في الدُّنيا، وفي خافِقِ المدى
شَرُفْتِ بخيرِ الخَلْق حيَّاً ومَيتاً
 

 
 
وتلْقى مِنَ الأيام ما لا يُصدَّقُ؟!
وتُغْضِي عن الآلام دَوْماً وتُطْرِقُ
تروحُ على عين الرواحِ وتُشْرِقُ
وإن كان فيه ما يمُورُ ويَبْرُقُ
لها لونُها، تَلْوي عليه وتُطبقُ!
 
تُفتِّحُ آلاماً عليكَ وتُغْلِقُ؟!
فَضَاءاتُهُ مِنْ  وَقْدَةِ الفَيْحِ تُحْرِقُ
وإنْ كانَ هذا الجرحُ في القلبِ أعْمَقُ
وإنْ هدَّهُ موتٌ، وحيَّاهُ ضيّقُ
طُرُوقُ الليالي في حشَاياهُ تَطْرُقُ!
 
وفي النَّفس أشواقٌ من الشوقِ تعْبقُ
وفيها من الأسرارِ ما لا يُمنطَقُ
وهذي الطيورُ الغانيات تُحلقُ
وفَيْضٌ من الإيمان أصْلٌ مُنَمَّقُ
وكالفجر من كلِّ الرياحين يَعْبُقُ
 
رُفاةَ البرايا؛ فالفَضَاءاتُ تُشْرِقُ
وراحَ الـمَدَى من كلِّ فجٍّ يُصفقُ
فيسمو على طُولِ الزّمانِ التَّأنُّقُ
ومَغْنَى على مَغْنَى الرَّشادِ وأرْفَقُ
ومأرِزُ مَنْ لله باللهِ أوثَقُ
 
له نَسَبٌ في ساكِنيك مُعتَّقُ
وينفثُ في أجوائِهِ ما يُوَرِّقُ
ويُصغِي إلى هَدْي الحبيب ويُطْرِقُ
على غابرِ الدنيا يجودُ ويُنْفِق
تَبَاشِيرَ مُشتَاقٍ، إلى الشوق أَشْوَقُ
 
«قُبَاءٌ» وما زال الضياءُ يُحلِّقُ
تخُبُّ إلى ذاك المكان وتُشْفِقُ
تَغَنَّى بها من شِدَّةِ الحُسْنِ مَنْطِقُ
له في يديها فضلُ خيرٍ يُطوّقُ
وتبقَى اللَّيالي في النواحِي تُفَرقُ!
 
إلى رُؤياكِ ما زالَ يَخْفِقُ
إلى مَوطِنٍ مِنْ فارِهِ النُّور يَشْرَقُ
أساريرُها من ربقةِ الرِّقِّ تُعْتِقُ
وفي كلِّ ممدودٍ من الأرضِ يُشرِقُ
فشرَّفَكِ المولى العظيمُ الـمُصَدَّقُ

 

 

 

للعودة للصفحة الرئيسة