القراءة والثقافة

أ. د. جعفر شيخ إدريس

   يقرأ بعضنا الإحصاءات التي تنشرها بعض المؤسسات العالمية كالأمم المتحدة عن متوسط ما يقرؤه الفرد في البلاد المختلفة، فيربط بين القراءة والثقافة فيعتقد أن الأمة الأكثر قراءة هي بالضرورة الأكثر ثقافة. وهذا استنتاج غالط. وغلطه في كونه لا يميز بين المعاني المختلفة للثقافة وصلة كل منها بالقراءة، كما أنه لا يميز بين أنواع القراءات، وأنواع القراء. وسنبين شيئاً من ذلك في هذا المقال القصير، فنقول:
كلمة الثقافة بحسب الاستعمال الحديث الذي جعلها ترجمة لكلمة (culture)، لا بمعناها العربي الأصلي؛ لها ثلاثة معانٍ: 
فعلماء الإنثروبولوجيا يستعملونها بمعنى ما تمتاز به كل أمة أو كل مجموعة من الناس من معتقدات، وقيم خلقية، وعادات وتقاليد، وأنماط سلوك، بل أغانٍ وموسيقى ورقص، وطريقة أكل وشرب.
فبهذا المعنى يكون لكل أمة بالضرورة ثقافة؛ قارئة كانت أم غير قارئة، فلا علاقة للقراءة بهذا النوع من الثقافة. لكن ثقافة أمة من الأمم قد تؤثر في أمة أخرى بوسائل كثيرة لعل أهمها في عصرنا هو التليفزيون والسينما وبعض المجلات، وأما المادة المقروءة فربما تأتي في المرتبة الدنيا. والأمريكان يسمون هذا النوع من الثقافة بالقوة الناعمة في مقابل القوة الخشنة التي هي قوة السلاح. ويعتقدون أن هذه القوة الناعمة لها تأثير حتى ما كان منها مثل انتشار مطاعم (ماكدولاندز) ومقاهي (ستار بكس)، ومثل انتشار أفلامهم وسائر عاداتهم. وهم محقون في ذلك؛ لأن التشابه الخارجي - كما كان يقول علماء مثل: شيخ الإسلام ابن تيمية - يورث تشابهاً داخلياً، وهذه هي الحكمة في مخالفة الكفار في هديهم الظاهر. والغربيون يعلمون شيئاً من هذا، ولذلك يسرُّهم أن يجدوا ثقافتهم تنتشر في بلاد العالم ولا سيما العالم الإسلامي. ولقد انتشر هذا النوع من الثقافة الغربية حتى صار بعض الناس - ولا سيما بعض النساء - يستمسكون به كأنه من ضرورات العصر التي لا يكون الإنسان عائشاً فيه إلا إذا كان ملتزماً بها.
أما الاستعمال الثاني للثقافة فهو الثقافة بمعنى كثرة المعلومات في مواضيع متعددة. فالمثقف بهذا المعنى هو الذي يلمُّ من كل علم بطرف، فيكون ذا إلمام بالتاريخ؛ تاريخ قومه الخاص وتاريخ العالم، وذا إلمام بما يدور في العالم من أحداث، وذا إلمام بالعلوم المنتشرة في عصره، وغير ذلك.
وعامة الغربيين ليس لهم اهتمام بهذا النوع من الثقافة، بل إن الكثيرين منهم ولا سيما في أمريكا لا يكادون يعرفون شيئاً عن العالم. لكن هذه الثقافة متوفرة في خواصهم أكثر مما هي متوفرة في خواصنا.
وأكثر ما يقرؤه عامة الناس في البلاد الغربية إنما هو الروايات والقصص والمقالات التي تتحدث عن الرياضة والأفلام. لكن الذين يجرون الإحصاءات لا يفرقون بين هذا النوع الذي هو أكثر انتشاراً وبين النوع الأول، وقد يكون هو السبب الأساس في ارتفاع متوسط القراءة عندهم. سمعت بعضهم يذكر إحصائية تقول: إن متوسط ما يقرؤه العربي هو ربع صفحة، ثم تساءل: كيف نتقدم بربع صفحة؟ وربع الصفحة شيء قليل ما في ذلك شك لكن فائدته كانت ستكون أكثر ثقافياً لو كان من النوع المفيد.
ثم إنه ليس هناك علاقة اطِّراد بين التقدم وبين ارتفاع معدل القراءة. أذكر أنني قرأت قبل عدة سنين إحصائية تقول: إن أكثر الناس قراءة هم الروس، مع أن الروس لم يكونوا في ذلك الوقت وليسوا هم الآن بأكثر تقــدُّماً من الأمريكان بل هم وراءهم بسنين. وعزت الإحصائية كثرة قراءتهم إلى شدة البرد عندهم، وهو ما يضطرهم لأن يجلسوا في بيوتهم. وأذكر أنني قلت في نفسي آنذاك: هل يفسر الحر قلة قراءتنا، ولست أدري ماذا حدث للروس الآن بعد انتشار القنوات الفضائية.
ومن أحسن ما في الثقافــة بهــذا المعــنى الثانــي هــو ما يسمى بالثقافة العلمية، وهو الأمر الذي يجدر بنا أن نهتم به على المستوى العام وعلى المستوى الخاص. كنت أيام حادثة السونامي في زيارة إلى الهند فقرأت مقالات علمية في بعض الجرائد اليومية مكتوبة بلغة إنجليزية ميسرة يفهمها طالب الجامعة، فاستفدت منها كثيراً في فهم حادثة السونامي، وتمنيت لو أن صحفنا تنشر مقالات كهذه بلغة عربية علمية ميسرة حتى ينتشر هذا النوع من الثقافة بين الناس. هذا ما رأيته في الهند. أما في البلاد الغربية فإن الاهتمام بهذا النوع من الثقافة أكبر؛ فهناك المجلات العلمية التي تصلح لعامة المثقفين، وهناك القنوات العلمية مثل قناة (ديسكفري discovery) بل هناك الروايات التي تبنى على الخيال العلمي. لكن العلم الذي هو أساس التقدُّم التقني وما يبنى عليه من تقدُّم اقتصادي وعسكري وغير ذلك إنما هو العلوم التجريبية المتخصصة؛ علوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء وغيرها. وهذه بالطبع لا يقرأ مراجعها إلا قلة من الناس، لكن هذه القلة هي التي تعتمد عليها البلاد في تقدُّمها العلمي والتقني.
المعنى الثالث للثقافة هو الثقافة بمعنى ما يهذب النفوس، فيكون المثقف بهذا المعنى إنساناً صالحاً يلتزم بمكارم الأخلاق؛ من صدق في الحديث، ووفاء بالعهد، وإحسان إلى الخلق، وغير ذلك. وليس هناك من علاقة اطِّراد بين هذا النوع من الثقافة وبين كثــرة القــراءة، فالإنســان قــد يقـــرأ أو يسمع آية من كتاب الله أو حديثاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم  -  يذكِّره بربه وبالدار الآخرة فيصلح قلبه ويصلح بصلاحه كثير من أعماله وتصرفاته. وكلما ازدادت صلته بكتاب الله وبسنة رسول الله ازداد هدى وصلاحاً. وكما تؤثر في الإنسان آيات الكتاب وأحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم  -  تؤثر في صلاحه أيضاً سِيَرُ الصالحين من عباد الله. ولذلك قالوا: إن الإمام أحمد كان ينصح بقراءة سيرة أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز. فرُبَّ قراءة كتاب واحد في سيرة أحد هؤلاء الصالحين تؤثر في صلاح الإنسان أكثر من تأثير عشرات الكتب الأخرى. بل إن بعض هذه الكتب الأخرى ولا سيما الروايات منها قد يكون لها أثر عكسي على القارئ يفسده ولا يصلحه ولا سيما إذا كان في مرحلة الشباب.
ليست هذه دعوة إلى التقليل من فائدة القراءة، ولكنها محاولة لوضع الأمور في نصابها. فحبذا لو اهتممنا بكل قراءة مفيدة لنا في صلاح قلوبنا وفي معرفة دنيانا. وحبذا لو يسَّرنا لعامة الناس الوصول إلى الكتب والمجلات والدوريات التي تعينهم على ذلك. ومن الأشياء المفيدة التي كانت تقوم بها الحكومة في الاتحاد السوفييتي هو تيسير مثل هذه القراءة. لقد كنا نستفيد كثيراً من كتبهم العلمية الميسرة التي كانت تترجم إلى اللغة الإنجليزية. فحبذا لو جعلت حكوماتنا مثل هذا التيسير والنشر هدفاً مهماً من أهدافها، وحبذا لو اهتممنا بإنشاء المكتبات التي يؤمها الناس للاطلاع وللإعارة.
وهناك مسألة أخرى هي سرعة القراءة. إننا بصورة عامة أكثر بطئاً في القراءة من الغربيين. وفي أول ذهاب لي إلى بريطانيا سجلت في برنامج لتعليم سرعة القراءة كانت جامعة لندن قد أعدَّته خدمة لكل الطلاب. وهالني أنني كنت في مؤخرة قائمة أولئك البطيئين في القراءة، لكن عزائي كان أنني كنت متقدماً في مهارات أخرى لا علاقة لها بسرعة القراءة. وذكر لنا الأستاذ الذي كان يدرسنا أمثلة لأفراد متفوقين في سرعة القراءة منهم الرئيس السابق (جون كيندي) الذي قال الأستاذ عنه: إنه كان يقرأ ألفي صفحة في الدقيقة الواحدة! وأنه كان من أكثر الناس استعارة للكتب من مكتبة الكونغرس. لكن هذا الرجل لم يكن مثقفاً بالمعنى الثالث للثقافة بل اشتهر بأنه كان رجلاً فاجراً، حتى قال عنه رئيس وزراء بريطانيا السابق في مذكــراته - التي أوصى بأن لا تُنشر إلا بعد موته - كلاماً فحواه أنه لا يدري كيف يجد هذا الرجل الوقت لحكم بلاده لكثرة ما رأى من انشغاله بالنساء ومعاشرته لهن. وقصة (كلينتون) الذي يُعد من أكثر الرؤساء الأمريكيين ثقافة معروفةٌ.
وقد اشتهر بكثرة القراءة المفيدة وسرعتها عدد من علمائنا في الماضي؛ فحبذا لو أحيينا سنَّتهم ودرَّبنا أولادنا على أن يستنُّوا بسنَّتهم. والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.
 

للعودة للصفحة الرئيسة