أشجــــــــــــــان طفل

عبد الله علي السعد

 

  هذه المرة سأخرج من عيادتي.. ربما لم يكن خروجي منها مقصوداً، ولكن الموقف فرض نفسه، ولا أدري حقيقةً لماذا أسجل هذه المواقف، مع أني أحاول عدم التدوين لأيِّ موقف، إلا أنني أفاجئ نفسي وقد سجلتُ موقفاً على قصاصة ورق لتكون فيما بعد ورقة من مذكراتي.

التفكير في المجتمع ومعاناته ليس دوراً يتكلفه الطبيب، بل هو من أهمِّ أدواره في الحياة، ولأنني طبيب فنظرتي إلى الأمور تتأقلم مع تخصصي، وكثيراً ما تتحكم فيَّ هذه النظرة بغضِّ النظر عن صحتها أو خطئها، ومن هذه النظرات على سبيل المثال: الطبقات الاجتماعية، وسأذكر موقفاً حصل لي وأنا أحضِّر رسالة الدكتوراه في دولة أوروبية.

تتفاوت الطبقات الاجتماعية في أي مجتمع بين غني وفقير، وبين فقير وفقير جداً وتحت الفقر أحياناً، أي شيء لا يمكن وصفه بالفقر وكذلك العكس.. تباين طبقي شاسع يراه الإنسان في هذه الدنيا الغريبة. ويتفاوت تفكير الناس، وطرائق معيشتهم، وتعاملهم مع قضايا يومهم، وطموحهم، وأمانيهم، وهذا كله شيء طبيعي، فقط نوع واحد من الناس يتشابه في تفكيره وفي حياته على الرغم من اختلاف طبقته.. إنهم الأطفال.

يحملون في صدورهم الصغيرة القلب نفسه، وتختفي خلف ملابسهم الثمينة وأسمالهم البالية الروح ذاتها، وبغضِّ النظر عن المستوى المعيشي فإن سلوكهم يتشابه على الأقل في بداية حياتهم.

هناك على رصيف بجوار السوبر ماركت (سوق التموين) وجدت امرأة تفترش الرصيف، يؤلمني هذا المنظر.. يجرحني.. يقتلني، ولكن لا حيلة لي في دفعه، كان معها طفلها ذو السنوات الثلاث، بأسماله الممزقة القذرة، ووجهه المتسخ، ونظرته البريئة. نظر طفلي إليه وابتسم، هما في العمر نفسه تقريباً، وابتسم الصغير، هناك فرق بينهما، فرق من ناحية المظهر، والاهتمام، والرعاية، لكن في اللحظة والابتسامة المتبادلة ذابت كل الفروق. تركت ابني معه وبقيت أراقبه عن بُعْد، يلعبان معاً في براءة، يبتسمان في براءة، آهٍ من الخوف من الأيام! تُرى أي شيء يخبئه لنا القدر؟

فكرت في الأم، في داخلها قلب يشعر بالحب، ويمتلئ بالعاطفة، يأنس ويفرح ويخاف، يحب ويكره، يرضى ويغضب، لا نشعر بهذا الشيء لكنه صحيح.

نظرت إلى الطفلين ثانية، سواء أصابني الألم من منظر الصغير أو لا؛ فإن هناك قلباً يحبه بكل مشاعره، يحبه كما هو، يطير فرحاً برؤيته، يبني آمالاً، وينتظر له مستقبلاً.. أيَّ مستقبل.. المهم أنه يفكر بمستقبله.

يا إلهي! كم أخشى ألمَ هؤلاء المساكين! وكم أخاف أن تصيبنا نقمة نتيجة بُعْدنا عنهم وعدم إحساسنا بهم! أفقت من تأملاتي، وناديت ابني، وبنظرة منكسرة ابتعدت عن الصغير.

استوقفني ابني، وجاء يركض إليّ: أبي! اشترِ لهذا الولد لعبة لكي يلعب بها.

أعطيت ابني نقوداً وطلبت منه أن يختار هو اللعبة التي يريد.

وبدأ ابني (أُسيد) يعدد أسماء الألعاب المعروضة، وفي النهاية وقع اختياره على سيارة صغيرة، وكرة متوسطة الحجم، وانطلق ثانية لكي يقابل الصغير على باب سوق التموين. رأيته يلتفت يمنة ويسرة فأحسست بقلبي ينتفض في صدري، وبدأت التساؤلات تتوارد على ذهني المكدود.

عاد (أُسيد) وعينه محمرة يكاد الدمع أن يطفر منها: أبي! لقد رحل.

ضممته إلى صدري، خففت عنه: لا تهتم يا صغيري! سيعود غداً ونأتي لكي تقابله وتعطيه الألعاب.

هل يحمل الصغار في صدورهم قلوباً أكثر حياة من قلوب الكبار؟! هل تتحجر القلوب إذا زادت أعمارنا؟!

وصلنا إلى المنزل، وانطلق (أُسيد) دون أن يتفوه بكلمة واحدة، وذهب إلى غرفته.. تعجبت أمه منه.

- سألتني: ماذا أصابه؟

- اسأليه.

ذهبت إلى غرفته، وجلست بجواره على السرير وقد كان حزيناً: ما بك يا (أُسيد)؟!

لم يردّ عليها ولكن عينه المحمرة كانت تحكي الكثير.

- هل أغضبك أبوك؟

- هزَّ رأسه نافياً..

- إذاً؛ لماذا أنت حزين؟

وبكلمات الأطفال أخذ يشرح لها موقف الصديق الجديد الذي قابله ولعب معه قليلاً، ثم اختفى حين ذهبنا لنشتري له لعبة.

عادت الأم إليَّ وقد أصابها الحزن، لا أدري: أهو الحزن على الصغير الذي لا نعلم مكانه، وكيف سيبيت، وماذا سيأكل؟ أم الحزن على صغيرها الذي بدا متأثراً ومفتقداً له وهو في غربة ولا يملك الكثير من الأصدقاء؟

- ما بكِ؟

ردَّت عليَّ في هدوء: لا شيء، فقط أفكر في الموقف.

- وبماذا تفكرين؟

نظرت إليَّ طويلاً ثم أجابت: كيف فكَّر الصغير في هذا الأمر بهذه الصورة؟!

- كنا نتوقع أنهم لا يفهمون هذه المشاعر.

- نعم! صحيح، أو على الأقل نعرف أن الأطفال يحبون التملك ويفكرون في أنفسهم أكثر من غيرهم.

- للقصة بقية يا عزيزتي لم يرها (أُسيد).

التفتت إليَّ مندهشة: وما هي؟

- لم يغب الغلام بإرادته.. ولكن..

- ولكن... ماذا؟ أكمل.

- لقد كان في الساعة التي خرجنا فيها من سوق التموين يبكي ويضم أمه.

- ... ماذا حدث لها؟

- المرأة فقيرة، والجلوس في تلك المنطقة ممنوع، وصاحب السوق على ما يبدو لا يرغب في جلوسها فبلَّغ عنها رجال الأمن فطردوها.

صمتت زوجتي وفي عينيها النظرة ذاتها التي كست عينَيْ صغيري، أما أنا فقد أصابني الصداع!

 

 

للعودة للصفحة الرئيسة