من إساءة كوبنهاجن إلى مأساة غزة.. بأيّهما  نبدأ؟

د. أحمد محمد الدغشي

  بصرف النظر عن القبول أو الاتفاق مع الرأي القائل: إن ثمّة ارتباطاً عضوياً بين الإساءات الدانماركية الأخيرة لشخص سيّد الخلق محمّد - صلى الله عليه وسلم - بهذا الحجم والاتساع، وبين ما يجري من مأساة في غزّة بلغت في الوحشية منتهاها؛ فإن منطق البحث والتحليل لا يجيز أن يتعجّل بعض ذوي (النوايا الطيّبة) لحدّ الحمق والسذاجة المركبين أحياناً؛ كي يصادر الفكرة من أساسها بجملة مملّة متكرّرة هي: «إغراق في نظرية المؤامرة». بل لا بد من فحص الفكرة بين يدي البحث، بوصفها فرضية تحتمل القبول أو الرفض، بعد البحث والاستقراء. فهل من المستبعد في عالم ساد فيه مجرمو الحروب (الكونية) والإرهابيون (الدوليون)، وفي مقدّمتهم حكام البيت الأبيض، جنباً إلى جنب مع العصابات الصهيونية الحاكمة حالياً في أرض فلسطين السليبة؛ أن يتم تحضيرٌ مسبَّق بين الصهاينة وحلفائهم الأوربيين والأمريكان لمحرقة غزّة الحالية يسبقه أو يتزامن معه حدث كوني هائل بحجم الإساءة الدانماركية، من شأنه أن يغطي على جرائم الصهاينة في غزّة، فيخف الضغط العالمي عليهم، على فرضية أن هذا العالم لا يزال يتحمّل قدراً من مسؤوليته الأخلاقية تجاه (هولوكست) غزّة؟ أما الشعوب المسلمة وقياداتها الجماهيرية ونخبها فينصرف جهدها إلى الردِّ على الرسوم الدانماركية المسيئة، أو تتشتت جهودهم بين الحدثين الكبيرين. ومن الوارد أن يجرَّ الأمر إلى نشوب اختلاف بين بعض هذه النخب والقيادات في مسألة الأولوية، كما أنه من غير المستبعد أن يخرج الخلاف عن حدود الاجتهاد المشروع إلى التلاوُم، وربما التلاسن، ومن ثم الانجرار إلى الاتهامات المتبادلة، بينما يمضي الصهاينة وحلفاؤهم في مسلسل الإبادة، ليس لأهل غزّة فقط، بل للقضية الفلسطينية برمّتها، بينما نحن لم نفرغ بعدُ من البحث المنفعل بهذا الحدث وذاك عن الأولوية التي لا يجوز - في نظر بعضهم - التركيز على سواها!
الحق أن مآسي أمتنا تكاثرت في الآونة الأخيرة، بيدَ أن جراحاتها لم تزل نازفة لم تتوقف منذ قرون مديدة، وبين فينة وأخرى تفجعنا مصيبة جديدة، أو متجدّدة، هنا أو هناك أو هنالك. والمسلم المعاصر المصطلي بمحنة أمّته - وليس اللاهي السادِر في غيِّ شهواته ورصيده المالي وهمّه الفردي والعائلي ليس أكثر - مطارد بين هموم لا أول لها: فردية معيشية واجتماعية وتعليمية وسواها، وبين هذه المآسي على المستوى القطري أو الإقليمي أو الإسلامي مما يزيده همّاً فوق همّ، وربما حيرة فوق حيرة، حتى ليخيّل إلى المرء قاصر النظرة أحياناً أن ما يجري من أحداث من هذا القبيل؛ إن هي إلا نهاية أكيدة للتاريخ، أو مقدّمة محقّقة لقدوم المهدي المنتظــر، ونزول المسيــح عيسى ابــن مريم - عليهــما السلام - وقيام الساعة، من ثَمّ.
إن النظرة الجزئية المحدودة هي وحدها التي تقود إلى مثل هذا الاستخلاص، وإنَّ ضعف القيادات الجماهيرية، وأزمة الوعي التي يعاني منها بعضــها؛ تتحمل قدراً غير يسير من المسؤولية، حين يجرّها بعضـــهم في هذا القطــــر أو ذاك إلى ردّ فعل عشوائي، غيــر مــدروس العـــواقب ولا المآلات، وقد تستنفد كل جهدها فيه، كما أن مؤسسات التنشئة - وفي مقدّمتها المدرسة وما في حكمها - ليست بمنأى عن المسؤولية، بل لعلّها غدت اللبنة الرخوة الأولى المتسببة في الوصول إلى هذه المخرجات الخرِبة والضعيفة على مستويات عِدّة.
إن كل دارس أو متابع لأحداث التاريخ القديم والمعاصر ليدرك أن أحداث اليوم المتتالية في هذه البقعة أو تلك من ديار أمتنا، أو حيث يقطن مسلمون أقلية أو أكثرية؛ ليست أمراً جديداً بالكليّة، ولا أنها حالة (فريدة) في سوئها وفظاعتها، بل لقد مرّ على أمتنا من المآسي ما يصغر أمامه بعض ما يجري.
هل نسينا محاكم التفتيش التي جرت للمسلمين في الأندلس؟ ومن ثَمّ سقوط بلد كان يمثّل واحدة من أبرز وألمع وأجمل حواضر العالم الإسلامي في ذلك الحين، حتى إنه كان يوصف بـ (فردوس المسلمين) في الدنيا؛ لاحتوائه على غرناطة وقرطبة وإشبيلية وغيرها كثير؟
سقطت الأندلس بسبب ملوك الطوائف - وما أشبه الليلة بالبارحة - وما جرَّه حكمهم على أمتهم من مهانة وذلّ.
لم ينسَ ولن ينسى ذوو النَّفَس الحضاري فضل تلك الحضارة على العالم علماً وثقافة وحضارة إنسانية عالمية بحق، لكن هل سقطت حضارتنا إلى أسفل القاع، بما يعني النهاية المحتومة؟
 لا يجوز أن ننسى - في غمرة أحداث اليوم - أن فداحة المشهد المأساوي في الأندلس لم يخلُ من جانب مضيء كذلك، وذلك حين تحمّل بعض المسلمين تبعات إيمانهم الحق بدينهم فلم يتنصَّروا أو يبدِّلوا دينهم، ترغيباً أو ترهيباً، بل قضى بعضهم نحبه، تحت التعذيب في تلك المحاكم التي تمثِّل مضرب مثل في البشاعة والقهر والتوحّش، وبعضهم فرَّ بدينه مُؤْثِراً الله والدار الآخرة على الأهل والدار والمتاع، بينما أظهر بعضهم تنصُّره عملاً بالآية القرآنية: {إلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ} [النحل: ٦٠١]، إذ كان يمارس شعائره في ظلمة داره، ويلتزم دينه في معاملاته مع الخلق، ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، كالذي يقبض على جمرة من نار، حتى لقي ربه على ذلك!
 هل نسينا اجتياح المغول لعالمنا الإسلامي، وسقوط دار السلام (بغداد)؟
هذا جانب المأساة الكبير.
بيدَ أن جانبها المبشِّر الآخر هو إسلام الغزاة، وتحوّلهم من موقع الغازي العسكري إلى موقع المغزوّ - إن جاز الوصف - الفكري والثقافي والحضاري!
أم هل نسينا الحروب الصليبية التي تحوّلت إلى مجازر لا يزال التاريخ يسجّلها واحدة من أبرز وصمات العار في جبين الحضارة الغربية القديمة والمعاصرة؟ مع ذلك لم ينته المسلمون ولم يُقْضَ على حضارتهم، بل ظلوا ذوي حضارة يحسب لها أعداؤها ألف حساب.
ولعل من آخر مآسي المسلمين الحضارية الكليّة - على مستوى السيادة والحكم - سقوط خلافتهم الإسلامية (العثمانية) – بكل ما اعتراها من نتوءات وتشوهات ولا سيما في حقبتها المتأخرة - بفعل التآمر الصهيو - غربي ذاته إلى جانب الضعف الداخلي. وإذا نسي بعضنا ذلك فلن ينسى الفلسطينيون والصهاينة معاً توسّلات سيِّئ الذكر الصهيوني الأول (تيودور هرتزل) للسلطان عبد الحميد الثاني - رحمه الله - بالسماح لليهود بمجرّد إقامة وطن محدود لهم على بقعة محدودة من أرض فلسطين، في مقابل إغراءات مالية وغير مالية يسيل لها لعاب الخونة وبائعي شعوبهم وأمتهم في كل زمان وحين!
نعم! سقطت الخلافة العثمانية ولكن لم تمت الأمة، بل تولّدت الصحوة من رحم المأساة، وأبرزها اليوم في تركيا ذاتها، حيث عاشت ما يزيد على سبعين عاماً تحت ضغط العَلْمنة الكليّة المتطرّفة؛ بهدف طمس الهوية وتغييب الانتماء، ولكن تظل سنّة الله أن يبقى شعاع نوره متقــداً لا ينطفئ، رغم محاولات الكافرين المتكرّرة إطفاءه بمختلف الأفواه والوسائل القديم منها والحديث {وَيَأْبَى اللَّهُ إلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} [التوبة: ٢٣].
لا أريد أن يُفهم من خلال ما تقدَّم أنني أقلِّل من جسامة أحداث اليوم أو فداحة الخطب، كلا؛ ولكنني أدعو إلى إدراك حجم الضرر الذي يصيب الطرف الآخر كذلك، وإذا كانت الإشارة جديرة بأن الدانماركيين وحلفاءهم في وضـع لا يحسدون عليه أخلاقياً وفكرياً لدى كل الأسوياء والمنصفين؛ فإن بأيدينا سلاحاً فتّاكاً ربما لا يردعهم شيء كما يردعهم ذلك السلاح، أعني: سلاح المقاطعة الاقتصادية الجادّة المدروسة والواعية والمستمرّة، وليست المنفعلة بردّة فعل الحدث الآني فحسب. ولنتذكّر ما أحدثته تلك المقاطعة من آثار جدّ مؤثرة سلبياً على الاقتصاد الدانماركي في غضون أشهر قليلة فقط، وذلك إبّان الإساءة الأولى قبل عامين، مما دفع ببعض شركاتها إلى التبرُّؤ من مشاركتها في دعم الصحف المسيئة، والتوسّل إلى بعض الأطراف برفع المقاطعة عنها، ولجــوء شركات أخرى إلى تزييف أسمائها، لكن كالعادة لم تحدث استمرارية في ذلك، ولعل هذا أحد عوامـــل التجــرؤ مــرة أخرى على تكرار الإساءة، فهـــل يا تُرى ستثبــت أمتنا هذه المرة نصرتها الحكيمة المستمرة لنبيها - صلى الله عليه وسلم -؟
 أما في الحالة الفلسطينية فلك أن تمعن النظر في الوضع الحرج الذي يعيشه الكيان الصهيوني، والتعرّي الأخلاقي الذي بلغته الإدارة الأمريكية وحلفــــاؤها، وهـــو ما انعكس على شعبية قادة العدو الصهيوني وحلفائهم، وأعني: طغمة الحزب الجمهوري الأمريكي - على وجه الخصوص - حيث أفلست سياساته في العراق وأفغانستان - على سبيل المثال - حتى إن أكبر ورقة ينافس بها خصمُه (الديمقراطي) هي سحب قواته من العراق فور فوزه في الانتخابات الرئاسية القادمة، بعد أن فاز - على الخلفية ذاتها - في الانتخابات النيابية قبل ذلك. ولنقف مع لعنة الرعب التي تطارد الصهاينة من جراء إطلاق صواريخ القسام التي تشهد تطوّراً في قدراتها يوماً بعد آخر، حتى أخليت بعض المناطق المستهدفة أو كادت، وما يعانيه قادة العدو من ضغوط متزايدة تهدّد مستقبلهم السياسي جرّاء الاحتجاجات المتفاقمة المنادية بوضع حدٍّ لتلك الصواريخ، وكذا ما نشاهده من استئناف ملحوظ للعمليات الاستشهادية، وقد بلغت الغاية في الدّقة والإحكام، رغم ما نعلمه من (خرافة) الإمكانات الاستخبارية الصهيونية، وآخرها عملية المدرسة الدينية في القدس يوم 28 /2/1429هـ الموافق 6/3/2008م التي أودت بعدد غير قليل من متطرفي اليهود، كما أصابت العشرات منهم بجروح متفاوتة، أغلبها في حالة الخطر، إلى جــــانب ما تنشره وسائل الإعلام الصهيونية في السنوات الأخيرة عن ظاهرة الهجرة المعاكسة بين الصهاينة، وما يستتبع ذلك من خسائر مادية واقتصادية باهظة التكاليف، ذلك كلّه يدفعنا إلى دراسة سنن الله في الأنفس والآفاق، وأحسب أن إغفال التوقّف عندها بروح الدارس المؤمن قد أسهم إلى حدّ بعيد في الوصول إلى نتائج من ضروب اليأس أو ما هو أقرب، لكن كيف نصل إلى ذلك؟ وهذه آيات الله تخاطبنا:
{وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * إن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِـمِينَ} [آل عمران: 931 - ٠٤١].
{وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} [النساء: ٤٠١].
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ}
[البقرة: ١٥٢].
{وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: ٠٤].
التحدّي الأكبر أمام أمتنا وقياداتها الجماهيرية المؤمنة المخلصة اليوم أن لا تنحني أو تستسلم، أو تختلف على الأولويات اختلافاً يزيدها فرقة فوق فرقـة ومن ثمّ ضعفاً على ضعف، بل أن تستوعب الحـــدث جيّداً، وأن تقاوم على كل الجبهات، وقد يتأتى لفرد أو جمـــاعة في ظــــرف زماني أو مكانيٍّ ما فتسارع إلى استغلاله بوعي ومسؤولية؛ ما لا يتأتى لفرد أو جماعة أخرى، يتعذّر عليها فعل ذلك؛ لاختلاف الظرف ذاته؛ فهنا لا يقع الاختلاف بل التكامل والتسديد {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [يوسف: ١٢].
 

 

للعودة للصفحة الرئيسة