حكومة المنطقة الخضراء  ولعنة صدام

د. يوسف بن صالح الصغير

  يتداول الناس كثيراً خرافة تدعى (لعنة الفراعنة) التي تتلخص في تعرُّض مَنْ ينتهك مقابرَ الفراعنة ويفرح بحصوله على كنوزها؛ لمصائب وأمراض قاتلة.
ولسنا هنا بصدد مناقشة صدق هذه الدعوى من عدمها بقدر تأكيد ضعف البشر وعجزهم عن تقدير عواقب أفعالهم؛ فكثيراً ما يسعى الإنسان بجدّ ويحرص على حصول أمر ويفرح كثيراً بتحققه، ولكنه سرعان ما يندم ويحزن، وقد يعجز عن تحمل نتائجه السلبية. ومن هذا الباب سنعرض لما جرى في العراق.
فبعد خمس سنوات من إسقاط النظام؛ يعلن الناطق الإعلامي لقوات الاحتلال البريطانية في جنوب العراق؛ أنه ليست لدى قواته أي خطط لدخول مدينة البصرة حالياً، وأن جميع الجنود البريطانيين موجودون في القاعدة البريطانية في مطار البصرة الدولي. وتواترت الأنباء أن المتعاونين مع الإنجليز؛ عُرِضت عليهم مبالغ مالية وتسهيل استقرارهم في البلدان المحيطة أو منحهم حق الإقامة في بريطانيا. وقد وطِّن حوالي ألفي شخص منهم في شمال إنجلترا وأسكتلندا.
إنه مؤشر على قرب الخروج، وأن من يحكم العراق لن يتسامح مع أعوان الاحتلال. وهو إقرار بأن وجود الحكومة الحالية مرهون ببقاء ما يسمى بقوات التحالف؛ لذا نلحظ أن الهاشمي - وهو نائب الرئيس السني - يصرح بأنهم فشلوا في تحقيق وعودهم للناس. أما أحد أقطاب كتلة رئيس الحكومة السابق علاوي؛ فيصرح بأن الوضع كان في أيام صدام أفضل، وأن قتلَه قد فاقم الوضع. أما رئيس الدولة الكردي فما يهمه هو الحفاظ على كيان الشمال الكردي؛ الذي يخشى أن يكون ثمناً لأي صفقة إستراتيجية بين أمريكا وتركيا، إذا علمنا أن أمريكا أيدت التوغل التركي الأخير، وأن تشيني طلب من تركيا إرسال قوات قتالية إلى أفغانستان.
إن الحكومة الحالية في بغداد لا تعدو كونها حكومة رافضية، ووجود الآخرين فيها هو فقط لإضفاء الشرعية. ومن هنا نفهم أن الهاشمي اكتفى بإعلان الفشل. أما المالكي؛ فهو يقود حملة لإخضاع البصرة ولجم ما يسمى بجيش المهدي.
إنها عملية ترتيب البيت الرافضي لمرحلة ما بعد الانسحاب الذي لا يعلم أحد متى سيحصل؛ فأمريكا بين شعار البقاء لمئة سنة وبين بدء الانسحاب فور الفوز بالرئاسة. إنها فترة حاسمة تحاول فيها أمريكا تلمُّس الطريق والنظر فيما إذا كان يمكنها البقاء في العراق مــن دون أعبـــاء قتاليـة أو تكاليف مالية؛ ولذا؛ فهم يعلنون بدء المحادثات مع الحكومة بشأن طبيعة العلاقة الإستراتجية بين العراق وأمريكا. ويبدو أنهم وصلوا إلى قناعة بأن حكومة رافضية مدعومة مباشرة من إيران؛ قد تستطيع الصمود، بشرط خفض التوتر (العربي الفارسي)، واعتراف عربي حقيقي بالحكومة. لذا؛ نجد أن تشيني يطلب فتح سفارات عربية في بغداد للتوازن مع النفوذ الإيراني، وهذا التعليل ساذج وسطحي؛ فما يــريده هو التغــطية على النفــوذ الإيراني لا مواجهته.
نعم! ثمة حديث في أمريكا عن خطورة الانسحاب المتعجل من العراق، وثمة حديث عن المليارات التي تهدر في العراق، وثمة تباكٍ على أربعة آلاف قتيل أمريكي... وباختصار: إنهم يتحدثون فقط عن أنفسهم، وليس هناك أدنى اهتمام بمليوني عراقي غادروا العراق، ومليون وسبعمائة ألف مشرد داخل العراق، وليس هناك حديث عن تدهور أحوال الشعب العراقي من جميع النواحي؛ فما تزال الجثث مجهولة الهوية تَرِدُ على مشرحة الطب العدلي، وما يزال حاكم العراق مجهول الهوية.
فإذا كان العراق يدار من المنطقة الخضراء؛ فمن الذي يحكمه: هل هو الرئيس، أم نوابه الثلاثة، أم رئيس الــوزراء أم البرلمان، أم أحد القاطنين في سفارةٍ ما؟
إنها أُحجية سنعلم حلها عندما يقرر الحــاكم فجـــأة - كعادته دائماً - الهرب ويركب طائرة الإخلاء.
أما البقية؛ فقد أصابتهم...  

 

للعودة للصفحة الرئيسة