الجمهوري والديمقراطي في أمريكا ... هل يستويان؟

أحمـــــــد فهمـــــي

    تميل تحليلات عربية إلى تقليص الفوارق بين الحزبين الرئيسين في أمريكا: الجمهوري والديمقراطي، حتى إن البعض يعتبرهما شيئا واحداً على الأقل فيما يتعلق بالموقف من القضايا العربية والإسلامية. وتنطلق هذه التحليلات عادة في سياق واحد لإثبات هذا التماثل، وهو سياق يهدف إلى الإجابة عن سؤال: أيهما أقل خطراً على العرب والمسلمين؟ وعادة ما تكون الإجابة أن كليهما يمثلان الخطر نفسه، ومن ثَمَّ لا فرق بينهما.
هذه الرؤية الأحادية الاختزالية التي تعتمد معياراً واحداً لقياس الأعداء فتضعهم في صف واحد، رؤية لا تنفع الأمة في هذه المرحلة التي تكثر فيها الضغوط وتتصارع القوى على احتواء العالم الإسلامي، ويصبح من الأمور الأكثر أهمية تلمُّس الفروق بين صفوف أعداء الأمة للنفاذ من بينها واختراقها، أو تلمس فرجة من الوقت أو الجهد، أو إعادة النظر في معادلات التوازن وترتيب الأولويات.
لم يكن هناك فرق من حيث العداوة للمسلمين بين يهود بني النضير أو بني قريظة أو يهود خيبر، ولكن اختلاف طرائقهم في التعبير عن عداوتهم ترتَّبَ عليه اختلاف أساليب وتوقيتات مواجهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم.
ما بين حربي فيتنام والعراق، حَكَمَ الولايات المتحدة تسعة رؤساء منذ الرئيس جون كيندي وحتى جورج بوش الابن، من خلال 11 فترة رئاسية، شغل الجمهوريون منها سبع فترات، والديمقراطيون أربعاً.
تميز الجمهوريون باعتمادهم على قوتي: الدين، والشركات الكبرى، فكانت غالبية المتدينيين المسيحيين يعطون اصواتهم إلى الحزب الجمهوري، كما تعاظم نفوذ الشركات في فترات الحكم الجمهوري، ولم تجتمع مصالح هذه الشركات ضد رئيس أمريكي كما اجتمعت في مواجهة جون كيندي الديمقراطي الذي اغتيل بتدبير من المجمع الصناعي العسكري الأمريكي بسبب رغبته في إنهاء الحرب في فيتنام.
ورغم التأييد الجمهوري الجارف لـ»إسرائيل» إلا أن أصوات يهود أمريكا تذهب غالبيتها بصورة تقليدية إلى الحزب الديمقراطي. ويلاحظ أن الرؤساء الديمقراطيين هم الذين أنجزوا أهم الاتفاقات «الانهزامية» في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، بدءاً من اتفاق كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني عام 1977م برعاية الديمقراطي جيمي كارتر، وإلى اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993م برعاية بيل كلينتون، وحتى مفاوضات كامب ديفيد الثانية بغرض إنهاء الصراع كانت برعاية كلينتون عام 2000م.
ويميل الديمقراطيون في أدائهم العسكري إلى اتباع أسلوب الضربات الخاطفة والقصف المركَّز دون احتلال أراضٍ أو دول، هكذا تعامل بيل كلينتون مع الصرب ومع العراق، وبعد تفجير سفارتي واشنطن في تنزانيا وكينيا كان الرد الأمريكي قصف مواقع في أفغانستان والسودان.
أما الجمهوريون فهم يفضلون إنزال القوات البرية واحتلال الأراضي، كما فعل بوش الأب ثم بوش الابن مع العراق، ثم أفغانستان.
وفي ما يتعلق بالدول العربية، فهي تميل تاريخياً إلى دعم الجمهوريين، ومنذ الرئيس نيكسون تتسرب تقارير عن دعم الحملات الانتخابية لرؤساء ذلك الحزب، وربما يُفسَّر ذلك بأن الرؤساء الجمهوريين تعتمد إستراتيجيتهم على إبقاء الدول في هياكلها الحالية مع تفكيكها داخلياً ودعم الأنظمة الموالية، بينما يتبنى الديمقراطيون نهج التقسيم بصورة أكثر وضوحاً، وكان أبرز نواب الكونجرس الداعمين لتقسيم العراق هو الديمقراطي جوزيف بايدن، وفي عهد كلينتون تم تقسيم يوغوسلافيا بصورة انشطارية.
أيضاً فإن المسؤولين الجمهوريين أسسوا علاقات اقتصادية ناجحة مع دول عربية امتدت لما بعد تركهم للمناصب الرسمية، ويشغل بوش الأب منصب عضو مجلس إدارة مجموعة كارليل الغامضة، وهو مختص برعاية علاقات المجموعة مع الشركاء العرب.
في مقابل التفضيل العربي للجمهوريين، تميل طهران إلى الديمقراطيين انطلاقاً من الميل الجمهوري إلى التعامل الحاد والعنيف، وهو ما لا يتناسب مع المصالح الإيرانية في المرحلة الحالية، نعم! كان التحالف مع الجمهوريين مفيداً لإيران في مرحلة الاحتلال لأفغانستان ثم العراق، ولكن حالياً يحتاج الإيرانيون إلى نظام ديمقراطــي مــرن نسبيــاً لا يلوِّح لهم بالعصا بصورة مستمرة، بل يرفع شعار الانسحاب من العراق لتنتقل طهران إلى المرحلة الأخطر من مشروعها التوسعي.
 

 

للعودة للصفحة الرئيسة