اللوبي الصهيوني وصناعة الأجندة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط

محمد الشيخ بنان



يعد اللوبي الصهيوني AIPAC (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للعلاقات العامة)، من بين اللوبيات الأكثر تأثيراً في السياسة العامة الخارجية الأمريكية، وذلك من خلال دوره المؤثر في الجهازين التنفيذي والتشريعي، وكذا الإداري للولايات المتحدة الأمريكية من جهة، ومن خلال تحكمه بمفردات الحوار السياسي المتعلق بالدولة الصهيونية، عبر وسائل الإعلام والسينما ودور النشر التي تؤهله لتعبئة الرأي العام نحو طروحاته السياسية من جهة أخرى.
 
1 - التأثير على الفاعلين السياسيين:
 لا شك أن كل من يسهم في بلورة القرار العام يعد فاعلاً سياسياً، فالأحزاب، النقابات، اللوبيات.. إلخ، تدخل ضمن دائرة الفاعلين السياسيين، سواء كان هؤلاء داخل الجهاز الحكومي أو خارجه، فالمشكل يكمن في تحديد الحدود الفاصلة بين الفاعلين الرسميين وغير الرسميين، أي أولئك الذين يوجدون داخل الجهاز الحكومي وأولئك الذين يوجدون خارجه.
فالفاعلان السياسيان – حسب Vincent lemieux - ينقسمون إلى أربع عينات كبرى، وهم: المسؤولون، الوكلاء، المعنيون، والخواص.
فمثلاً: أعضاء اللوبيات والمتخصصون في احتكاك دائم مع المسؤولين والوكلاء، علماً أن اللوبيات إلى جانب الخبراء ووسائل الإعلام، لكونهم يندرجون ضمـن فئــة المعنيــين Les intéressés، هم فاعلون كثيرو الحضور في مسلسل بروز السياسات العامة. وما دامت هذه الأخيرة تأتي إجابة على المشكلات والمتطلبات (المدخلات input) الوافدة على صانع القرار، ومن ثم ترتبط بالوضع الداخلي للدولة كما يمكن أن ترتبط بالوضع الخارجي لها، الذي يعد امتداداً لما هو داخلي، فالسياسة العامة الخارجية تدخل ضمن الوضعيات المندرجة في إطار العلاقات ما بين الدول مما يجعلها تتموضع داخل المحيط الخارجي، الـذي يُعـدّ من طبيعة: ما فوق مجتمعية (extra-sociétale) بالنسبة لنسق سياسي معين، لذلك فإن السياسية العامة الخارجية تتحدد بطبيعة العلاقات الناظمة بين الفاعلين السياسيين المحليين من جانب، وعلاقتهم بالفاعلين الخارجيين المعنيين بهذه السياسة من جانب آخر.
وعلى هذه الأرضية تتأسس السياسة العامة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية، ويتأسس معها اللوبي الصهيوني في شخص (اللجنة الأمريكية الصهيونية للشؤون العامة) التي اعتمدناها نموذجاً في هذه الدراسة.
 ذلك أن هذا اللوبي الذي يعد امتداداً موضوعياً لليهود وامتداداً نوعياً لأيديولوجيتهم الصهيونية؛ أصبح قادراً، بفضل إمكانياته المعلوماتية والعلائقية (Relationnels) والمالية، على توجيه القرار العام الخارجي الأمريكي، لما يخدم مصلحة الصهاينة وليس أمريكا. وهذا ما يتضح من خلال الآتي:
مؤسسة الرئيس: الصلاحيات الدستورية والسياسية التي يمتلكها الرئيس في النظام الجمهوري الأمريكي، والتي تخوّله لعِب أدوار رئيسة في توجيه القرار العام الخارجي؛ جعلته عرضةً لأنظار اللوبي الصهيوني الذي يسعى إلى إغراق الدولة الصهيونية بالموارد المادية الأمريكية، عبر قناة السياسة العامة الخارجية. وهذا ما يتضح من خلال تاريخ العلاقات الأمريكية الصهيونية، فالرئيس «ترومان» صرح أمام مجموعة من الدبلوماسيين سنة 1946م قائلاً: «أيها السادة: إني آسف! ولكن عليَّ أن أستجيب لنداء مئات الآلاف من الناس الذين ينتظرون انتصار الصهيونية، في حين ليس لي من بين منتخبيّ ألف عربي». وفي السياق ذاته، أكد الوزير الإنجليزي «كليمنت إتلي»: «لقد صيغت سياسة الولايات المتحدة في فلسطين تبعاً للصوت اليهودي». وعلى المنوال نفسه ذهب (ج. كنيدي) الذي حصل على (500) ألف دولار من شخصيات يهودية دعماً لحملته الانتخابية، حينما قال في لقاء له مع «بن غوريون» سنة 1961م في نيويورك: «أعرف أنني فزت في الانتخابات بفضل أصوات اليهود الأمريكيين، إنني مدين لهم بهذا الفوز. إذن؛ أشر عليّ بما يجب القيام به لصالح الشعب اليهودي».
هذه التصريحات المعترِفة بالوزن اليهودي المؤيد للدولة الصهيونية، تحت لافتة (AIPAC) هي التي دفعت الرئيس «جونسون» إلى تسليمهم طائرات الفانتوم، والشيء ذاته قام به «نيكسون» الذي بعث بـ 45 طائرة فانتوم إضافية، و20 مدمرة من نوع سكايهوك للكيان ذاته. وفي سنة 1980م، انهزم الرئيس «كارتر» أمام «ريغن» لكونه باع طائرات حربية لمصر والسعودية، أما غريمه «ريغن» فقد فاز مقابل تخصيصه 600 مليون دولار قروضاً عسكرية لصالح الدولة الصهيونية. والمثير للجدل أن AIPAC أصبح مهدِّداً للمصلحة الوطنية الأمريكية، لكونه يرتكز على المعطى الديني - الإثني، أكثر من استناده إلى المصلحة المشتركة، فقد صرح بهذا الصدد «جولدمان» أحد النشطاء السابقين في اللوبي الصهيوني بما يلي: «اللوبي أصبح قوة مخربة، بل عائقاً أساسياً أمام السلام في الشرق الأوسط». وتأكيداً لهذا الكلام، قال (سيزور فانس) أحد النشطاء البارزين في AIPAC: «لقد اقترح علينا (جولدمان) القضاء على اللوبي، ولكن الرئيس وكاتب الدولة أجابا بكونهما لا يملكان السلطة لفعل ذلك، وربما قد يؤدي ذلك إلى فتح الباب على مصراعيه أمام مناهضة السامية».
نخلــص مما سبــق إلى أن نـجــاح الرؤساء الأمــريكيين أو إخفاقهم يبقى مرهوناً بأموال اللوبي الصهيوني وأصواتهم. وعلى هذا الأساس يمكن الجزم بأن AIPAC قد حسم الدائرة القرارية الأولى، والتي هي الرئيس ومحيطه، كما هو الحال بشكل جلي مع الرئيس بوش الابن، الذي يوجد في دائــرته الضيــقة كــل من «ريتشارد بيــرل» و «بول ولفوويتز» و «دوغلاس فيث» وغيرهم من الذين ينتمون للوبي الصهيوني، بل منهم من كان من مستشاري رئيس الوزراء الصهيوني السابق «بنيامين نتنياهو» مما يعني بالضرورة ديمومة الدعم المادي والسياسي للدولة الصهيونية.
المؤسسة التشريعية: يستطيع المرء في الولايات المتحدة الأمريكية أن يتقدم للانتخابات البرلمانية، لكنه حتماً لن يحقق النجاح ما لم تتوافر له الأموال الطائلة لتمويل حملته الانتخابية. من هذا الباب يتدخل AIPAC ليقدم الدعم المشروط، فيُغرِق المترشحَ للانتخابات بالأموال ووسائل الدعاية والتشهير السياسيين وتقنياتها.
هذه الخطة تتكثف في اجتماعين أساسيين يعقدهما AIPAC مع المرشحين: اجتماع قبل الفوز، وفيه تقدم شروط الدعم والمساعدة؛ واجتماع بعد الفوز، وفيه يقدم برنامج AIPAC وطرق إجراءاته.
وعلى الرغم من أن المؤسسة التشريعية تحتل المرتبة الرابعة على صعيد الدائرة القرارية مما يحكم على دورها بالمحدودية، حيث لا تتدخل إلا في نهاية المسلسل القراري، ومن ثم تبقى تعديلاتها سطحية؛ غير أنها بالنسبة لفاعلي AIPAC تعد بمنزلة مورد أساسي حيوي، لكون أهداف اللوبي أهدافاً خارجية يسهــل على الـكــونغــرس رفضــها أو قبولها، دون أن يؤثر ذلك بشكل مباشر على الكتلة الناخبة.
في هذا الاتجاه، صرح رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ (السيناتور فولبرايت)، في مقابلة مع برنامج (أمام الأمة) الذي تبثه شبكة (C.B.S) في تاريخ 7 أكتوبر 1973م حيث قال: «إن الصهاينة يراقبون سياسة الكونغرس ومجلس الشيوخ، بل إن سبعين في المائة من زملائنا في مجلس الشيوخ يتخذون مواقفهم تحت ضغط اللوبي». وبعد هذا التصريح، وتحديداً في الانتخابات الموالية؛ فقدَ «فولبرايت» منصبه عضواً في مجلس الشيوخ؛ نتيجة تحقيقه هذا.
وفي كتاب «لقد تجرؤوا على الكلام» الصادر عن لورانس هير وشركائه سنة 1985م؛ وصف «بول فين لي» العضو في الكونغرس الصهيوني الأمريكي لمدة 22 سنة، النشاطَ الحالي للوبي الصهيوني وكذا قوته، قائلاً: «هذا فرع للحكومة الصهيونية يراقب الكونغرس، ومجلس الشيوخ، ورئاسة الجمهورية، ووزارة الخارجية، والبنتاجون (وزارة الدفاع)، ووسائل الإعلام نفسها، إضافة إلى التأثير الذي يمارسه على الجامعات والكنائس».
وفي سنة 1984م، ألغى مجلس النواب بأغلبية (98%) كلَّ تقنين للتبادل التجاري بين دولة الصهاينة والولايات المتحدة، على الرغم من سلبية التقرير الصادر عن وزارة التجارة وكافة النقابات.
وأكثر من هذا؛ فقد استطاع النفوذ الصهيوني أن يصل إلى التقنوقراط العسكري في شخص الأميرال الأمريكي «طوماس مورير» رئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الأمريكية، الذي صرح سنة 1973م، بخصوص علاقته مع الملحق العسكري الصهيوني «موردخاي غور»: «طلب هذا الأخير من الولايات المتحدة الأمريكية طائرات حربية مزودة بصاروخ متطور جداً يسمى مافـريك»، فـرد عليه الأميــرال: «لا يمكنني أن أسلمكم هذه الطائرات، ليس لنا إلا سرب واحد، وقد أقسمنا أمام الكونغرس بأننا في حاجة إليها»، فرد عليه (غور): «سلمنا الطائرات! أما فيما يخص الكونغرس؛ فأنا سأتكفل به». وهكذا يضيف الأميرال: «أرسل السرب الوحيد المجهز بـ (مايفريك) إلى إسرائيل».
نخلص من كل ما سبق، إلى أن هناك سلطة أحادية الجانب pouvoir unilatéral في السياسة الخارجية الأمريكية، هي سلطة اللوبي الصهيوني، ولا سيما في الشق المتعلق بالشرق الأوسط.
هذا التأثير المباشر الذي يستهدف: المقررين السياسيين، الحكومة، البرلمان، والإدارة، ولا سيما التقنوقراط العسكري؛ يجد دعمه في القوة النوعية التي يتوافر عليها AIPAC والمتمثلة في سيطرة جل أعضائه على الملكية الخاصة، أي الرأسمال المادي؛ كالشركات والبنوك ووسائل الإعلام، وكذا وحدة رأس ماله الرمزي على مستوى المعتقدات الأساسية croyances fondamentales، والتي تحدد من خلالها الأولويات المختارة من بين القيم الأساسية، والتي تأتي من بعدها المعتقدات السياسية التي يكون موضوعها العلاقات بين الفاعلين، لتمرير القيم الأساسية داخل قطاع السياسات المعنية، والتي هي السياسة الخارجية في حالتنا هاته، ثم بعد ذلك يأتي المستوى الثانوي، وهو الذي يهم القرارات الأداتية والمعلومة الضرورية لتحقيق المعتقدات السياسية.
على هذه الأرضية يلجأ AIPAC إلى تعبئة الرأي العام آليةً للضغط غير المباشر على المقررين السياسيين، فالرأي العام هو القاعدة الخلفية التي غالباً ما تؤثر على صانع القرار العام في الدول الديموقراطية.
2 - تعبئة الرأي العـــام:
يلعــب الــرأي العــام في الــدول الــديمقــراطية دوراً لا يستهان به وذلك بسبب منطق المنافسات الانتخابية. فمن خلال الجدل العام وحملات الاتصال، يمكن التأثير على صانع القرار العام بواسطة الدعاية، التي تُمرّر عبر وسائل الإعلام كالصحف والقنوات التلفزيونية، وكذلك توظيف دور النشر والسينما. فهذه الممارسات تبقى شيئاً أساسياً وناجعاً في أسلوب التعبئة الذي تعتمده اللوبيات بشكل عام و AIPAC بشكل خاص، من أجل فرض أهدافها على المقرِّرين الرئيسِيين.
فمن وراء استهدافه الرأيَ العام؛ يسعى AIPAC إلى صنع الاعتــقاد لـــدى أغـــلـب مكـــونات المجتمع، بأن المسألة المرفوعة مــن طرفه تهم الجميع؛ كتصوير المسلمين - مثلاً - بأنهــم خطــر يهــدد النصارى واليهود على السواء، ومن ثم تصاغ التحالفات على أساس معادلة: صديق صديقي هو صديقي، وعدو عدوي هو صديقي.
يبرز هذا المنطق بشكل قوي بخصوص التحالف القائم اليوم بين صفوف الإدارة الأمريكية ذوي المرجعية اليمينية المحافظة واللوبي الصهيوني، لكونه تعبيراً عن النظام السياسي المتنفذ في الدولة الصهيونية.
نفوذ (AIPAC) هذا جاء نتيجةً للحرية الكبيرة التي تتمتع بها اللوبيات في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك على عكس فرنسا التي تعمل فيها بشكل غير متعين.
ما يلفت الانتباه هو أن (AIPAC) ليس له لون سياسي واضح، حيث يمارس ضغوطه على كل من الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، على الرغم من أن أوجه التلاقي الأيديولوجي بينهما أكثر من أوجه الاختلاف، نتيجةَ علاقاته الخاصة وتغلغله داخل أوساط الرأي العام.
وقد توافرت له هذه الإمكانية لكون القاعدة اليهودية التي يرتكز عليها تتشكل منها 11% ممن يطلق عليهم اسم الصفوة من مجموع النخبة، و 25 % من صفوة الصحافة والنشر، وأكثر من 17% من رؤساء المنظمات التطوعية والعامة، وأكثر من 15% من المناصب الرسمية الهامة.
وقد ذكر «ستيفن شتاينلات» المدير السابق للشؤون القومية في اللجنة اليهودية الأمريكية: «أن لليهود قوة سياسية لا تتناسب مع عددهم، وهي أعظم من قوة أي مجموعة عرقية أو ثقافية في أمريكا»، ويضيف: إن النفوذ الاقتصادي لليهود وقوتهم يتركزان بصورة غير متناسبة في هوليوود والتلفزيون، وفي مجال الأخبار. والشيء نفسه أكده الكاتبان اليهوديان المعروفان (سيمور ليبست) و (إبرل راب) في كتابهما (اليهود والحال الأمريكي الجديد) المنشور سنة 1995م، حيث قالا: «كوّن اليهود خلال العقود الثلاثة الماضية 50% من أفضل 200 مثقف في الولايات المتحدة الأمريكية، و20% من أساتذة الجامعات الرئيسية، و40% من الشركاء في المكاتب القانونية الكبرى في نيويورك وواشنطن، و59% من الكُتَّاب المنتجين للخمسين فيلماً سينمائياً التي حققت أكبر إيراد ما بين عامي 1965 – 1982م، و58% من المديرين والكتاب والمنتجين لاثنين أو أكثر من المسلسلات في وقت الذروة التلفازية، على الرغم من أن اليهود لا يكوِّنون إلا 2% من مجموع سكان الولايات المتحدة الأمريكية. هذه الإمكانيات الجبارة كوَّن بواسطتها اللوبي الصهيوني الرأيَ العام الأمريكي وفقاً لمصالح الدولة الصهيونية».
هذه المكانة التي يحتلها AIPAC جعلته يوجه تهمة معاداة السامية لكل من لا يشاطره الآراء نفسها المؤيدة للدولة الصهيونية. وما الحملات الإعلامية التي تعرّض لها البروفسوران (ستيفن والت) من جامعة هارفرد و (جون ميرشايمر) من جامعة شيكاغو الأمريكيتين، إثر عرضهما ورقة تقر بأن الدعم الامريكي للدولة الصهيونية يتناقض مع المصالح القومية الأمريكية، ولا ينبع من اعتبارات أمريكية استراتيجية أو أخلاقية، بل من تغلغل اللوبي الصهيوني في أمريكا؛ إلا دليل على قوة هذا اللوبي، الذي جعل الدكتور (ستيفن والت) عميد كلية كيندي للسياسة في جامعة هارفرد - أحد مقدمي هذه الورقة - يتعهد بتقديم استقالته بدءاً من نهاية العام الدراسي 2006م.
 نستشف مما سبق ذكره أن قوة اللوبي الصهيوني ترجع إلى ملكيته الضخمة لوسائل الإنتاج، وإلى نفوذه في السينما والصحافة والراديو والحكومة والكونغرس.
هذه القوة لا تتلخص فقط في AIPAC (اللجنة الأمريكية الإسرائيلية للشؤون العامة) لكونها مجرد جزء من الأجزاء في ظاهرة أكبر بكثير، وهي ظاهرة القوة الصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية.
بيد أن هذه القوة ليست مقتصرة على وسائل الإعلام والترفيه فحسب، فالمال اليهودي تركز تقليدياً في القطاعات غير المنتجة، ليس في الصناعات الثقيلة مثل صناعة الفولاذ والسيارات أو البناء، بل في المصارف، والتمويل، والأسهم، والمستندات، والعملات الصعبة. وبعد أن فك الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ارتباط الدولار بالذهب عام 1973م؛ ازدهر رأس مال المضارب، مما دفع بالمصالح الصهيونية إلى الأمام قطاعاً بعد قطاع في الاقتصاد المعولم، ومن ثم أصبح هذا الرأسمال الصهيوني جزءاً عضوياً من البنية الاقتصادية الاجتماعية للرأسمال الإمبريالي المالي المضارب والمرابي، أي الرأسمالية في عصر العولمة. لذلك فالدولة الصهيونية هي امتداد موضوعي ونوعي للبنية الرأسمالية العالمية، وليست مجرد امتداد سياسي أو ظرفي في المنطقة.
هذا الوزن الذي شهد تحولاً نوعياً في المرحلة يتضح من خلال تنفيذ بعض المخططات الإستراتيجية في الشرق الأوسط؛ كاحتلال العراق والسعي الى تقسيمـــه، وكـــذلك ما يجري في السودان، ولا سيما أزمة دارفور، وبوادر الصراع بين المسلمين والأقباط في مصر، وما قد يحدث في ليبيا في المستقبل... إلخ، بعدما كانت بعض اللوبيات الصهيونية قد وضعتها في أجندتها. وهذا ما يتضح من خلال التوصية التي أصدرتها المنظمة الصهيونية العالمية في القدس، أواخر عقد الثمانينيات من القرن المنصرم:
«إن مصر كونها جسداً مركزياً أصبحت جثة هـــامدة، لا سيما إذا ما أخذنا في الحسبان الصراع الذي يزداد حدة بين المسلمين والنصارى. وتقسيمُها إلى مقاطعات جغرافية مختلفة يجب أن يصبح هدفنا السياسي في التسعينيات على الجبهة الغربية. وبمجرد تفكيك مصر وحرمانها من السلطة المركزية؛ ستعرف دول مثل ليبيا والسودان، ودول أخرى نائية المصير نفسه.
إن إنشاء دولة قبطية في مصر العليا وتكوين كيانات جهوية ضعيفة الأهمية؛ يعد مفتاحاً لتطوير تاريخي تأخر في الوقت الراهن بسبب اتفاقية السلام، ولكنه آتٍ حتماً على المدى البعيد.
وعلى الرغم مما يظهر؛ فإن الجبهة الغربية تمثل مشكلات أقل من تلك التي تمثلها الجبهة الشرقية. ثم تقسيم لبنان إلى خمسة مقاطعات يعد تجسيداً مسبقاً لما سيحدث في العالم العربي برمته. كما أن تفجير سورية والعراق إلى مناطق على أساس عرقي أو ديني؛ يجب أن يصبح على المدى البعيد هدفاً أولياً بالنسبة لإسرائيل. والمرحلة الأولى لذلك هي تحطيم القدرة العسكرية لهذه الدول.
إن البنيات العرقية لسورية تعرِّضها لتفكيكٍ قد يؤدي إلى إنشاء دولة شيعية على طول الساحل، وإلى قيام دولة سنية في منطقة حلب ودولة أخرى في دمشق، وكيان درزي قد يتمنـــى تكوين دولة خاصة به - ربما فوق منطقتنا (الجولان) - وعلى كل حال مع حوران وشمال الأردن. إن مثل هذه الدولة على المدى البعيد، قد تكون ضمانة للسلم والأمن في المنطقة، إنه هدف في متناولنا.
إن العراق كونها دولة غنية بالبترول وعرضة لمواجهات داخلية؛ توجـد على خط التسديد الصهيوني، ذلك أن تفكيكها يعد أكثر أهمية من تفكيك سورية، لأن العراق تمثل على المدى القصير التهديد الأكثر جدية بالنسبة للدولة العبرية».

 

للعودة للصفحة الرئيسة